على الرغم من أن سورية كانت سبّاقة في إصدار الدساتير عربيًا، فإنها لم تسمح بالرقابة على دستورية القوانين إلا في عام 1950، عندما منحت المحكمة العليا سلطة الرقابة على دستورية التشريعات والقوانين في دستور 1950، إلا أن هذه الرقابة بقيت حبرًا على ورق، بسبب الانقلابات، وبقيت هكذا إلى أن ألغيت في عهدَي الوحدة والبعث. وبعد استيلاء حافظ الأسد على السلطة عام 1973، أنشأ محكمة دستورية عليا تابعة له، وفي عام 2012، أدخل بشار الأسد بعض التعديلات الشكلية على الصلاحيات الممنوحة لها.

ومنذ إنشاء هذه المحكمة في عام 1973، لم يكن هناك اعتراض على مشروع قانون أو مرسوم، لا من قبل رئيس الجمهورية، ولا من قبل أعضاء مجلس الشعب، ولم نسمع عن تلك المحكمة شيئًا منذ إنشائها، على مدى أكثر من أربعين عامًا، إلا أخيرًا بالتزامن مع اجتماعات اللجنة الدستورية في جنيف، بعد اعتراض بشار الأسد على دستورية قانون مجلس الدولة الذي أقرّه مجلس الشعب، أمام المحكمة الدستورية العليا التي قرّرت، بقرارها رقم 2 تاريخ 7 تشرين الثاني/ نوفمبر 2019، قبول اعتراض بشار الأسد وإلغاء المواد المعترض عليها لعدم دستوريتها. وأراد بشار الأسد بهذا الاعتراض أن يُظهر للرأي العام وللمجتمع الدولي أنه حريص على انسجام القوانين مع الدستور، وأن سورية دولة مؤسسات وقانون، بينما هو لم يتوانَ عن إصدار التشريعات المخالفة للدستور، وقد سبق له أن أصدر عشرات المراسيم التشريعية المخالفة بشكل فاضح، ولم يتحرك لا هو ولا مجلسه الكرتوني للاعتراض عليها. فمنذ الاستقلال حتى هذا التاريخ، صدر أكثر من 45 مرسومًا تشريعيًا وقانونًا، تضمنت مخالفات واضحة للدستور، كان نصيب بشار الأسد وحده منها 31 مرسومًا تشريعيًا، يضاف إليها 20 مرسوم عفو عام عن الجرائم، من أصل 22 عفوًا، أصدرها منذ توريثه الحكم في عام 2000، علمًا أن دستوره ينص على الجهة المخولة بإقرار العفو العام، وهي مجلس الشعب فقط.

 على امتداد أكثر من سبعين عامًا، لم تتوان الحكومات المتعاقبة لحظة واحدة عن إصدار التشريعات والقوانين غير الدستورية، ولا سيما في عهدي حافظ الأسد ووريثه بشار، وقد شكّلت اعتداءً خطيرًا على الدستور والمنظومة القانونية لدولة السورية، وانتهاكًا مستمرًا للحقوق والحريات العامة، وكشفت بوضوح مدى حاجتنا اليوم إلى قضاء دستوري يتمتع بالصلاحيات والحزم، وسلطة قضائية مستقلة ونزيهة. فالقواعد الدستورية والقانونية يجب أن تشكل الأداة الأساسية لتقويم الممارسة السياسية في الدولة ومنعها من الجنوح والتفلت من القواعد الدستورية والقانونية؛ لأن الرقابة على دستورية القوانين تفقد قيمتها، إذا كانت هناك إمكانية لتغييب القضاء الدستوري، ووضع قوانين لا يتاح له النظر في دستوريتها، ما يعني الإخلال بالمنظومة القانونية في الدولة، وما يترتب على ذلك من فوضى في ممارسة السلطة وإدارة الشأن وانتهاك للحقوق والحريات العامة.

 وإذا كانت دعائم الحياة الدستورية لا تستقيم في أي بلد إلا بوجود دستور يحدد المبادئ والأسس التي تقوم عليها الدولة، وينظم عمل السلطات فيها، ويضمن حقوق الأفراد ويحترم حرياتهم؛ فإن هذا الدستور -مهما كان عظيمًا في مضمونه- سيبقى مجرد حبر على ورق، ما دامت هناك إمكانية للتفلّت من أحكامه وانتهاكه، دون أن يكون ثمة جزاء يردع هذا الانتهاك، فالمنظومة القانونية تفقد قيمتها وفاعليتها، حين لا تقترن بوجود رقابة صارمة على احترامها، نصًا وممارسة، وبوجود ضمانات حقيقية وقواعد وهيئات قادرة على تأمين الحماية والاحترام هذا الدستور.

 لذا، نحن اليوم مدعوون إلى تبني إصلاحات جذرية في طريقة تشكيل المحكمة الدستورية العليا، ومنحها الاستقلالية والقوة، والنصّ على ذلك في الدستور، كفرض شروط صعبة لتولي منصب القاضي الدستوري، كالكفاءة والخبرة والتخصص والسيرة، ومنع الجهة التي عيّنت أو انتخبت القاضي الدستوري من إقالته أو تجديد ولايته ومنحه الحصانة، ومنح المحكمة صلاحيات واسعة في الرقابة على دستورية، لا سيّما في الرقابة على القوانين الأساسية التي يتعلّق بها تشكّل السلطات في الدولة وممارسة مهمّاتها، كقوانين الانتخاب، وتنظيم القضاء، واللامركزية الإدارية، وقوانين الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني وغيرها.

 وكي يُكتب النجاح لعملية تحديث بناء المنظومة الدستورية، لا بدّ لنا من العمل على تحديث البنى المجتمعية، وفي مقدمها البنى السياسية، واعتماد عقد اجتماعي يضمن -بشكل واضح وصريح- الحرّيات والحقوق، ويحدّد بدقة صلاحيات سلطات الدولة والعلاقة بينها وبين المواطنين، ويضع آليات دستورية وقانونية واضحة وقادرة على ضبط عمل المؤسسات الدستورية، ومنعها من تجاوز الأحكام الدستورية. وهذا يحتاج إلى وجود محكمة دستورية قوية مستقلة ونزيهة تتمتع بصلاحيات واسعة، بوصفها الجهة الوحيدة القادرة على فرض احترام أحكام الدستور، والوقوف بحزم تجاه أي محاولة لخرق القواعد الدستورية والقانونية، وتأمين السير المنتظم للحياة السياسية، بعيدًا عن التوترات والنزاعات التي قد تنشأ، ومنع التعدي على حريّات الناس وحقوقهم.

إن الوضع المأسوي في سورية يستدعي اليوم إجراء تغييرات جذرية وإعادة هيكلة وبناء على كل الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقضائية والتعليمية، ويكون إصلاح القضاء، وفي مقدمه القضاء الدستوري، على رأس كل ما ذكر، على اعتبار أن القضاء الدستوري بات يلعب اليوم دورًا مهمًا ومحوريًا في حياة المجتمعات والدول، فهو يحمي تطبيق مبدأ الفصل بين سلطات الدولة على نحو أفضل، ويحافظ على التوازن بين المعارضة والأكثرية في البرلمان، بمنع طغيان الأكثرية على الأقلية، ويدعم بقوة مبدأ سيادة القانون ويحمي حكم الأكثرية، وفي الوقت نفسه يحمي حقوق الأقليات والأفراد، ويحمي الدولة من النزاعات التي قد تنشأ بين الأحزاب السياسية والحكومة، ويساعد في انتظام الحياة السياسية في الدولة، ويحمي استقرارها، ويشجع على توفير بيئة ملائمة لتحقيق تنمية متوازنة، ويجذب الاستثمارات الأجنبية، ويحمي حقوق الناس وحرياتهم، فضلًا عن دوره في تعزيز القيم الدستورية في المجتمع، من خلال تكريسها في الدستور والتشريعات والقوانين، وفي مقدّمها قيم حقوق الإنسان وحرّياته، في الممارسة اليومية لمؤسسات الدولة وإداراتها المختلفة.

 هي مهمة تظهر اليوم بقوة أمام السوريات والسوريين، وفي مقدمهم الحقوقيون والقانونيون، من محامين وقضاة وأساتذة القانون، وهي مهمة صعبة، لأن مجتمعنا يفتقر إلى وجود فقه دستوري وفقهاء دستوريين، وليس لدينا تجارب في القضاء الدستوري يمكن الاعتماد عليها، فالتجربة الوحيدة التي تستحق الذكر هي المحكمة العليا التي نصّ على إنشائها دستور 1950 ولم ترَ النور، ولم نسمع أنها مارست عملها يومًا، وأما المحكمة الدستورية العليا التي أنشأها حافظ الأسد، فكانت بلا أسنان ولا صلاحيات، وكل ما فعله أعضاؤها منذ إنشائها أنهم كانوا يعملون كمستشارين لمن عيّنهم، ويقبضون رواتبهم بصفتهم أعضاء في هذه المحكمة، لا أكثر، هذا الواقع سيزيد من صعوبة مهمتنا، لكنها بالتأكيد لن تكون مستحيلة، متى توفرت النية والإرادة، وتضافرت جهود المخلصين في البلاد على العمل في كيفية إعادة بناء هذه المحكمة الدستورية، من خلال الاستفادة والتعلم من تجارب الدول التي لديها تاريخ طويل ومتراكم من الخبرات والتجارب الدستورية في كيفية بناء المحكمة الدستورية العليا، لتكون عونًا لنا في إعادة بناء سورية الجديدة.

إن شعبنا السوري الذي عانى إلى حد الهلاك آثار سلطة الطغيان والاستبداد وغياب القانون، يستحق اليوم أن يعيش في دولةٍ أساسها القانون والعدل والحق، يقوم عقدها الاجتماعي على مبدأ المواطنة المتساوية، بصرف النظر عن أي انتماء سياسي أو ديني وأي انتماء يتعلق باللون والعرق والجنس، وأن يحميها قضاء دستوري كفؤ ومستقل.