لا يكاد يختلف اثنان في أن نتائج حكم النظامَين اللذين حكما سورية والعراق، رافعَين الشعار القومي، كانت كارثية، مهما اختلف المتجادلون في تبرير هذه النتائج، ومهما اشتقوا من تفسيرات لأسباب حدوثها؛ لأن النتائج التي فاقت في مرارتها كل وصف تملأ السمع والبصر، ولا يفلح مؤيد أو محايد، فضلًا عن المعارض، في إنكار علقمها الذي تجرعه السوريون والعراقيون طويلًا، ولا يزالون.

ولا شك في أن للفكر القومي البعثي دورًا في ما شوهد لاحقًا من ممارسات لمن حكموا باسم البعث، مهما كان واضعو هذا الفكر صادقين مع أنفسهم؛ لأنه على الأقل فكرٌ يتحدث عن كائن افتراضي هو الأمة، ويصنع له تاريخًا، ويطالب الجميع بأن يتعبدوا في محراب هذا التاريخ، وأن يستفزوا كل ما تختزنه أفئدتهم من حنين رومانسي إلى رموزه وأمجاده. وهو ما يستبطن فكرة الشمولية التي تفسح المجال لوأد الخصوصيات من جهة، ويقفز على الواقع محاولًا إعادة تشكيله للتطابق مع ماض معاد صوغه، من جهة أخرى.

ولكن ثمة أسئلة من زاوية أخرى: ألم يحارب كثيرون من حملة الأيديولوجيات المغايرة العروبة، من حيث هي، بحجة الخصومة مع الأيديولوجيا القومية؟

 ألم يصدع قسمٌ من خصوم هذا الفكر الرؤوسَ بحقوق القوميات، ويغيرون ملامح خطابهم فجأة عندما يصل الحوار إلى حقوق العرب؟

أليس هذا المكون العربي واقعًا في سورية -مثلًا- بغض النظر عن محاولات قولبته في منظومات أيديولوجية، تسلّق بواسطتها المغامرون من العسكر وصادروا الدولة والمجتمع؟

وهل يمكن المكابرة على واقع أن ذلك المكون العربي هو المكون الذي تعرض أكثر من غيره لعسف النظام وجبروته، وأنه المكون الذي دفع الثمن الأغلى، قتلًا وتهجيرًا واعتقالًا؟

إن خلاصة ما يراد قوله هنا هو أن المكون العربي هو المظلوم الأكبر، ليس على يد جلاده الأساسي، ولكن على يد من حاول أن يؤطره في أيديولوجيا حالمة مفارقة للواقع، وعلى يد من يتلعثمون عند الحديث عن حقوق هذا المكون، وهم يرفعون العقيرة -ليل نهار- بخطاب الحقوق، لأسباب لا يتسع المجال لتناولها.

وإذا كان ما يجري اليوم في سورية نتيجة فراغ لم تستطع النخب سدّه، واستطاع التطرف سرقة الضوء والمشهد فيه؛ فإن من الطبيعي أن تستحيل المنظومات إلى عملات غير قابلة للصرف، عندما تعجز عن مواكبة المتغيرات، وهو ما يتسبب في انفجار للوعي يتمظهر بتطرف ديني وغير ديني.

لا يُخفي كل المتصارعين على سورية دوافعهم ومصالحهم القومية، ولا يُبرر ابتذال العروبة جعلَها منسيًا من بين منسيات، بل إنها في ظلّ ما يجري قد أصبحت الملاذَ الأقرب والأكثر قدرة من غيرها على الاستجابة للخطر المحدق.

وإذا كان هذا التطرف عاملًا تفسيريًا، من عوامل تحوّل الساحة السورية إلى ساحةٍ يتصارع فيها وعليها فرقاء لا يُلقون بالًا لمصلحة السوريين؛ فإن البديل الذي يمكن اقتراحه للمّ شعث ما تفرق وتجميع ما تشتت، في ضوء ما ذكرناه من استهداف ملحوظ للمكون العربي، هو استصراخ هذه العروبة التي يمكن أن تكون ملاطًا أكثر قابلية للتماسك من أي ملاط آخر، لأسباب عدة:

أولها أن الانتماء العروبي دافعٌ اضطراري نفسي عميق، لدى أغلبية السوريين، وهو إطار لا يدفع دينهم خارج حدوده لارتباطه العضوي به، ولا يمكن إنكار قدرته على تأليف المتفرق، وتجميع المتشتت، ولا يصلح لدحض نجاعته التخوفُ من تحوّله إلى دافع عنصري في مواجهة عنصريات أخرى، لأنه ليس دافعًا مقتصرًا على شعور كغيره، وإنما هو منظومة ثقافية وحضارية يصلح استثمارها لاستصراخ المنضوين تحتها، لمواجهة الخطر الوشيك، خطر تذررِ سورية وتقسيمها وتحولها إلى كانتونات بلبوس الفدرالية، وهو ما يمكن أن يكون بديلًا يدفع باتجاهه لاعبون أقوياء.

وثانيها أن الخطاب الإسلامي في ماهيته الأممية لا يقل في مفارقته للواقع عن الأيديولوجيا القومية، وهو منطوٍ على قابليات تفجير صراعات طائفية مدمرة، وعلى جرّ ويلات كنظيره القومي، وقد تحققت هذه القابليات فعلًا.

وثالثها أن خطاب الديمقراطية (الذي سيظل خطابنا الذي لا نكف عن محاولة تكريسه) قد كاد يتحوّل، بسبب استغلاله من أطراف داخلية وخارجية، إلى أيديولوجيا لانتهازيين؛ فصرتَ ترى أحزابًا إرهابية تطلق على نفسها صفة “الديمقراطية”، وصرت ترى إمبريالية صريحة تتلفع بنشر الديمقراطية، من أجل تبرير مطامعها.

ورابعها أن خطاب الديمقراطية لم يتجذر في الأرض؛ لأسباب كثيرة ليس آخرها عدم تمثل أغلبية متبنّيه قيم الديمقراطية، وحاجته إلى زمن متطاول، لكي يصبح خطابًا قابلًا للتحوّل إلى جزء من ثقافة مجتمعية متغلغلة في العقل والوجدان الجمعيين، وقابليته بدوره للانفجار -بسبب مفارقته للواقع- والتذرّر إلى أيديولوجيات متحاربة، هذا فضلًا على أن الظرف الاستثنائي الذي ينذر بالوقوع تحت نير استبداد جديد لا يُتيح الوقت لبلورته، وجعله خطابًا قادرًا على الوقوف في موقع نديّ لخطابات منافسة، فهو ليس بديلًا قادرًا على مواجهة البديل الأكثر قابلية للتحول إلى واقع، وهو بديل القضاء على الحاضن الأكثريّ، بما يمثله من عمق حضاري وصناعة سورية جديدة، بحسب أهواء المحتلين الجدد ومصالحهم.

لا يُخفي كل المتصارعين على سورية دوافعهم ومصالحهم القومية، ولا يُبرر ابتذال العروبة على يد من ذكرناهم جعلَها منسيًا من بين منسيات، بل إنها في ظلّ ما يجري قد أصبحت -كما نزعم- الملاذَ الأقرب والأكثر قدرة من غيرها على الاستجابة للخطر المحدق، إذا جرى استنفارها مطهرة من عفن الشوفينية والإقصائية والعنصرية، وهذا ليس أمرًا مستحيلًا؛ لأنها في صورتها الخام خالية من كل هذا الدنس، ولأن الديمقراطية لا تُبنى على أنقاض الأكثرية وعمقها الحضاري والثقافي.