على طول الإلفة والمودة، لم أشعر يومًا بأن هذا الرجل العظيم هيّاب من الموت أو جَزع أمامه. كيف ذاك وهو الذي ضحى بآجال مديدة من العمر، في كل مقارعة ومواجهة مع الاستبداد، سجينًا في أقبية النظام، محرومًا من العائلة والولد والصديق، صابرًا على كل ما يلقاه من عنت وأذى وانتهاكات مارسها النظام السوري في سجونه.

 ومع ذلك، فقد كان ميشيل كيلو في الفترة الأخيرة من حياته وجلًا وحزينًا، لأنه لم يشهد انتصار الثورة، وأيقن أن التراب السوري لن يكون مثوًى أخيرًا لروحه وجسده، على الرغم من علمه بأنه سيشيع في مدينة يعرف قدرها الحضاري، ويحترم ميراثها السياسي، ولكنها مع ذلك ستظل في نظره أرض غربة لروحه ونفسه، بل وحتى لجسده.

 لم يكن الموت الشخصي ليعني الشيء الكثير في نظر ميشيل كيلو، وما ذلك إلا لأن مستقبل سورية والسوريين قد كان شاغله الأكبر. فالقراءة الدقيقة لوصيته تكشف أن النصوص المُركزة والقصيرة التي اشتملت عليها تشي بأنه قد كان منصرفًا بكليته إلى التفكير بالحياة والدفاع عنها، بوصفها حقًا يعلو فوق كل الحقوق. وبديهي أن طريقة كهذه في التفكير لا يمكن إلا أن تكون تعبيرًا عن قيمة أخلاقية رفيعة تتمثل في نزعة غيرية، فحواها الإيمان بأن على المرء مسؤولية أخلاقية، من واجبه أن يؤديها اتجاه الأحياء حتى بعد رحيله عن عالمنا الذي يكافح فيه البشر لانتزاع حقوقهم والدفاع عن كرامتهم. فَراحُلنا لا يرى أن رسالته تتوقف عند موته، كما أنه لا يرى أن مسؤولياته الأخلاقية تنقطع بانقطاع حياته الشخصية. فالتزامه بالمصير السوري لا يحده حد وغير مقيد بقيد. هذا الالتزام بالمستقبل السوري -وطنًا وشعبًا- حتى في ما وراء الموت، تعبير عن إيمان عميق بأن المجد للإنسان. ولكن هذا المجد ليس مجدًا مجردًا أو قيمة غير متعينة في تجليات وتعبيرات محددة وملموسة في الزمان والمكان. وهذا مانعنية بقولنا: (ميشيل كيلو حاضرًا بيننا). ويتحقق هذا الحضور من خلال الصورة التي يرسمها للإنسان السوري، في تضاعيف وصيته، وقد انتصرت ثورته، واستعاد حريته وكرامته، التي هدرها الاستبداد واستخف بها زمنًا طويلًا.

 ومن أنصع ما يدلّ في وصيته على أنه حاضرٌ بيننا سلسلة من المواقف النقدية التي يسوقها بكل الاحترام لجميع السوريين، متفهمًا للعقبات والصعوبات التي مرّوا بها، والتي سيمرون بها بعد رحيله أيضًا، إلحاحه الشديد على مفهوم (الوطن والوطنية). ففي نظره لا بدّ أن تكون الأولوية للوطن على المصالح والأيديولوجيات. وقهر الاستبداد ذاته لا سبيل إليه دون إطار وطني يوحد الكفاح الذي لا سبيل غيره لقهر الاستبداد والتحرر منه. بل إن راحلنا ينطق بكلمات لا تخلو من مفارقة، عندما يشرط ولادة الشعب السوري الواحد بنظر الجميع إلى الجميع، انطلاقًا من معايير وطنية موحدة لا تفرق بين قوم وقوم أو بين دين ودين أو بين متدين وغير متدين. فعندما تحضر المواطنة، يتحول كل ماعداها من عناصر وتباينات إلى عوامل ثانوية، في مقابل ولادة الشعب الواحد.

 قد تكون أقوى التعبيرات التي انطوت عليها وصية راحلنا الكريم، وهي تشهد على حضوره بيننا، نزعاته السياسية القوية المتمثلة في دفاعه عن الحرية الإنسانية. فما لم يكن الإنسان حرًا، فكيف له أن يعبّر عن وجوده وأن يكشف عن إمكاناته في إعادة بناء الحياة وتطوير البيئة التي تسمح للإنسان بالارتقاء بمقدرته على الخلق والإبداع، من خلال استنباط أشكال غير مسبوقة للفكر والعمل على حد سواء.

 وليس ثمة شك في أن عقبات كثيرة تقف في وجه الحرية وتحاول تعطيلها. ومن هذه العقبات ما هو اجتماعي وما هو طبيعي. وقد أثبتت التجربة الإنسانية عبر العصور قدرة محدودة للبشر على تخطي هذه الصعوبات، على نحو يختلف من أمة لأمة ومن ثقافة لأخرى. وترجع أهم هذه الصعوبات إلى أن (الاستبداد السياسي) قد ظل دومًا العقبة الكأداء التي تواجه الحرية الإنسانية. ويكاد يكون التغلب عليها هو الشرط الأشد أهمية، للتمتع بكل أشكال الحرية وصورها المختلفة. ولم تنعم الأمم التي فشلت في تخطي هذا النوع من الاستبداد إلا بأقدار محدودة من الحريات. وفي مقابل ذلك، فإن كل أمة نجحت في تخطي هذه العقبة قد تمكنت من تحويل الحرية إلى أسلوب في الحياة غير خاضع لأي قيد تقريبًا. من هنا جاء إلحاح راحلنا على أن الحرية قيمة لا تتجزأ مقابل الاستبداد. فإما الحرية وإما الاستبداد، ولا وسط بينهما. وبعض الحرية ليس بحرية بكل تأكيد.

 وفي ضوء التصورات السابقة، لن يتأتى للسوريين أن يحيوا حياة الحرية إلا إذا نجحوا في تخطي عقبة الاستبداد، والدخول في (ملكوت الدولة) التي لا بد أن تكون دولة الجميع. ولكي تكون كذلك، يتعين عليها أن تكون بعيدة عن تبني هوية محددة. وهذا يعني أن الدولة حيادية ومحايدة من الناحية الأيديولوجية والقومية والدينية، وبذلك فقط تكون دولة للحرية من ناحية، ودولة ترعى المصالح العليا للشعب بصرف النظر عن الخصائص التي تتمتع بها الجماعات المختلفة التي يتكون منها هذا الشعب. ذلكم هو الهمّ الأكبر الذي انشغل به ميشيل كيلو طوال حياته. ولم يزل هذا الشاغل مستمرًا في الهيمنة عليه حتى بعد مماته. ولم يكن الأمر كذلك إلا لأنه حاول أن يقترح كل ما من شأنه أن يوفر للسوريين مسارًا آمنًا نحو المستقبل، وفقًا لما رآه وتصوره. وسواء أَقَبِلَ المرء هذه التصورات أم رفضها، فالأمر الذي لا شك فيه هو أن الرجل قد فعل كل ما هو ضروري ليظل حاضرًا بيننا، مع المتفقين معه، من حيث إنه حاضر حضورًا إيجابيًا في أفكارهم، ومع المختلفين معه، من حيث إنه قد وضع رهانًا إيجابيًا في مقابل رهانهم السلبي. والتاريخ وحده هو الذي سيفصل بين الجميع. ولكن تبقى الحقيقة التي لا شك فيها هي أن ميشيل كيلو قد ظل حاضرًا بيننا، على اختلاف اتجاهاتنا ومذاهبنا نحن الأحياء.