على الرغم من أن للرئيس في الدول الحديثة مهامّ معينة وحدودًا دستورية واضحة لوظيفته، فإن محاضرة بشار الأسد، قبل أيام في وزارة الأوقاف، شكّلت خرقًا لشكل الدولة الحديثة؛ إذ لا يمكن لأي رئيس دولة حديثة أن يحاضر بالناس وينظّر، في قضايا الدين والتاريخ وتاريخ اللغات والأخلاق والأعراق والقوميات وأصول الفقه، إلا بشار الأسد، أو من هو على شاكلته، من أمثال رؤساء كوريا الشمالية.

ظهر بشار الأسد على شاشة التلفاز، ولديه رغبة عارمة في أن يجمع بين شخصية أستاذ التاريخ ورجل الدين وعالم اللغويات وخبير القوميات والفيلسوف في صراع الحضارات، إضافة إلى دوره التقليدي، كرجل مخابرات “يزعبر” على عناصره، بسبب ومن دون سبب. ولكن ماذا وراء هذا اللقاء؟ وما الذي يُفهم من محاضرة كهذي، زعم بشار أنه لم يحضّر لها؟!

قدّم بشار نفسَه على أنه يعرف كلّ الحقائق، ويدرك كلّ المخططات، ويحيط بدروس التاريخ وبنظريات علم النفس! موحيًا بأن كلّ ما يحتاج إليه السوريون، لحلّ مشكلاتهم وتحقيق أهدافهم وإفشال مخططات أعدائهم، هو تنفيذ الأفكار والتعاليم التي يقدّمها لهم على طبق من ذهب، من دون أي مقابل، فقط لأنه رئيسهم، ويتمنى لهم ولوطنه “الخير والازدهار”. القضية الشائكة التي ظهرت في أثناء المحاضرة أن كلّ من لا يؤمن بما يقوله الأسد، ومن لا يتفق معه، يوصف فورًا بأنه “خائن”، وفي أحسن الأحوال بأنه “غبيّ”، حتى من دون أن يقدّم لمحكمة “أمن الدولة” سيئة الصيت. طبعًا، هذه المشكلة ظهرت لأن من الصعب على رجل المخابرات أن يظهر بشخصية الحكيم، لأن الأول يعتمد على القوة والعنف، والثاني يعتمد على الحكمة والعلم.

يضاف إلى ذلك أن كثيرًا من القضايا الدينية واللغوية والتاريخية التي طرحها بشار ليست بالأساس موضع خلاف أو جدل، علميًا أو دينيًا أو تاريخيًا، على الأقلّ في الوقت الحالي، فهي قضايا معروفة تقريبًا لمعظم الناس، وهذا يعني أن المحاضرة هي أجوبة على أسئلة غير مطروحة أصلًا وغير متداولة اليوم بين السوريين.

دون أن ننسى الحضور اللافت للمصطلحات القيميّة (نجم المحاضرة بلا منازع) التي تحدد الصواب والصحة في كل مجال. فالمحاضرة كانت دعوة “للدين الصحيح” و “مقاصد الدين”، وإعادة تفسير “العلمانية”، وهجوم كاسح على ما سمّي بـ “الليبرالية الحديثة”، من دون أيّ تحديد لمضامين هذا المصطلحات بشكل متعين، أو بيانِ سبب الخوض فيها وطرحها اليوم. المناقشات استطالت على الطريقة القذافية، ضاربةً عرض الحائط بالعلاقة الطبيعية بين الأسباب والنتائج.

أما رسائل تلك المحاضرة، فهي أكثر وضوحًا؛ الرسالة الأولى والأكثر أهمية هي للسوريين المتدينين والبسطاء في الوقت نفسه، ومفادها “أنني مثلكم، أتبنى أفكاركم، وتشغلني مخاوفكم من الغرب، والحرية الجنسية، وتدهور مكانة الأسرة وزواج المثليين، وأعدكم أنكم ما دمتم في سورية وتؤيدون نظام الحكم، فإنكم بمأمن من هذه المخاوف”!! وهذا الكلام يندرج ضمن أسطوانة الأمن والأمان التي كان يكررها المؤيدون، فعلى الرغم من فقدان الأمان بسبب الأحداث، فإن الناس في سورية اليوم في مأمن من موبقات الليبرالية الحديثة، وهذا “مكسبٌ” بحد ذاته.

الرسالة الثانية هي المرونة؛ وهي نقطة أشار إليها ستيفن هيدمان، في كتابه (التسلطية في سورية – صراع المجتمع والدولة)، عندما أشار إلى أن مرونة النظام الأسدي، مع “المجموعات الاجتماعية الشعبوية”، تُعدّ أحد أهمّ عوامل استمراره بالسلطة، كلّ تلك السنين، طبعًا إضافة إلى المرونة، مع “إسرائيل” وأميركا. فبشار مستعدٌّ اليوم لتنحية العلمانية جانبًا، ولو قليلًا، إذا كانت الفوائد التي تقدمها المؤسسة الدينية السورية أكبر، ولا سيما أن نسبة المؤيدين من العلمانيين في الداخل عالية بالأساس، فلماذا مهادنتهم أكثر من اللازم؟!

الرسالة الثالثة هي رسالة شكر وامتنان، للمؤسسة الدينية السورية الرسمية، على دورها في إعادة أسلمة الإسلام وتشكيله بما يتوافق مع متطلبات النظام وحاجاته؛ فالمؤسسة الدينية اليوم هي بالفعل رديف لجيش النظام، وهي مستعدة لتحريم كلّ أمر يريد النظام تحريمه، وتحليل كل أمر يريد النظام تحليله، هكذا بكل بساطة وبجرّة قلم واحدة. إنه أمرٌ يستحق الاحتفال به بالتأكيد، ولا سيما أن هذه المؤسسة واجهت وستواجه، أيديولوجيًا، أخطر طرفين سنيين متدينين ضد النظام، وهما السلفيون والإخوان المسلمون. 

على العموم، كانت المحاضرة مثالًا نموذجيًا لما تسمّيه الفلسفات الوضعية الحديثة بـالكلام الخالي من أدوات التحقق منه، أي كلام لا يبنى عليه أي معرفة ممكنة. المصطلحات غير محددة، والكلام عائم في الزمان والمكان، يسرح ويمرح كما يحلو له، والأفكار متناثرة هنا وهناك، وبعضها كان يحفظه عن ظهر قلب ونسي معناه. حتى إن هذه الفلسفة لا تعدّ كلامًا كهذا صحيحًا أو كاذبًا، بل تعدّه كلامًا خاليًا من المعنى بالأساس، ومحض “هلوسات”، أو هو تعبير عن عواطف مختلطة. ولذلك تنصحنا الفلسفة الوضعية بألا ننتبه إلى الكلام، بل إلى كمية الخداع الموجودة فيه، لأنها هي المقصد من وراء الكلام، مثلما تنصحنا بالانتباه إلى التكون النفسي لأصحاب هذا الكلام، لما يخفونه من خداع مضاعف يتمثل في خداع النفس وخداع الآخر، في الوقت نفسه. حتى إن الدكتاتور، بحسب إريك فروم، لا يمكن أن يتوازن من دون قدر معين من خداع النفس، يصل في غالب الأحيان إلى حدّ الإدمان.