ما يمكن قوله، بعد أكثر من عقد على انطلاقة الثورة السورية، هو أن ما تبقى من نظام الأسد لم يتبق بفضل قوته الداخلية قطعًا، وإنما أبقته الحسابات والتدخلات الخارجية، والدور الرئيس كان في ذلك لروسيا التي تدخلت بكلّ ثقلها العسكري، بعد أن بدا واضحًا أن التدخل الإيراني غدا عاجزًا عن حماية النظام الأسدي الذي كان على وشك السقوط في أواخر عام 2015، وهذا ما أكده وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، إذ قال بشكل صريح إنه “لولا التدخل الروسي في تلك اللحظة، لسقط النظام السوري خلال أسبوعين أو ثلاثة أسابيع”، كما يفيد الموقع الإلكتروني العربي لقناة (روسيا اليوم)[1]، وقد تداولت الخبرَ كثير من الوسائط الإعلامية المختلفة الأخرى، في تلك الفترة.

ولو أننا نظرنا في سيناريو الأحداث، بعد بداية التدخل الروسي المباشر، في شهر أيلول من عام 2015، فسنجد بوضوح أن ذلك التدخل تم بالترافق مع غضّ نظر أميركي وتخلٍّ فعلي عن الفصائل المسلحة المعارضة، ما يؤكد -بما لا يترك مجالًا للشك- أن أميركا كانت راضية وموافقة عن التدخل الروسي، وأنها تركت روسيا تقضي على المعارضة المسلحة غرب الفرات، واكتفت هي نفسها بالسيطرة على شرق الفرات بواسطة (قسد)، وبسيطرة حليفتها الأطلسية تركيا على جزء حدودي من شمال غرب سورية، بعد المعمعة العسكرية التي حدثت بين انطلاقة الثورة والتدخل الروسي، بعد أكثر من أربع سنوات ونصف من انطلاقتها، وبذلك تكون أميركا قد حافظت على موقع حضور قوي ومؤثر في سورية، ومنعت روسيا من السيطرة على كامل سورية، وأبقت بيدها ما يكفي من أوراق القوة الميدانية لأي لعبة تسوية سياسية لاحقة للوضع السوري.

لكن هذا الدور الحاسم للعوامل الخارجية، الذي أدت فيه التدخلات والتواطؤات إلى منع النظام الأسدي من السقوط الكامل، لا ينفي أن لدى هذا النظام -بدرجةٍ ما- قواه الداخلية، بالرغم مما كشفته الثورة من هشاشتها وضعفها، وهو من دون هذه القوى لا يكون نظامًا؛ فالنظام السوري في واقع الأمر هو خليط من قوى مختلفة في الطبيعة والحجم تحت القيادة الأسدية، ويلعب فيها العامل الطائفي دورًا محوريًا من حيث الهوية، وتقوم فيها الأجهزة الأمنية القمعية بالدور الرئيس من حيث السلطة.

ويمكن تصنيف أنصار الأسد الداخليين في فئات عدة: الطائفيون، الإسلاموفوبيون، الفاسدون، المجرمون، المضللون، الخائفون، المنحرفون.

1-الطائفيون: وهم الفئة التي تدعم الأسد من منطلق طائفي، وأغلبية هؤلاء هم من الموتورين والمتعصبين طائفيًا، من طائفة رأس النظام نفسها، الذين تقوم مواقفهم على أساس طائفي محض، وهؤلاء في تركيبتهم الذهنية والنفسية لا يختلفون عن الدواعش في تعصبهم وتطرفهم واستعداهم للعنف المفرط بفعل التعصب والتطرف، ولكن وجود هذه الفئة لا يقتصر فقط على طائفة رأس النظام وحدها، بل يمتد إلى سواها من الطوائف، وهذا في جزء منه يعود إلى سياسة النظام الأسدي نفسه الذي لعب على هذا الوتر الحساس الخطير، ليضمن الأنصار والحلفاء له في أوساط الأقليات من ناحية، ولكنه يعود من ناحية أخرى إلى موجة الردة التي اكتسحت المنطقة العربية ككل، بعد الهزائم المتلاحقة أمام إسرائيل، وفشل كل المشاريع الوطنية والتقدمية من الوحدة العربية إلى الاشتراكية والديمقراطية والإسلام الحديث وسواها، وقد لعبت العوامل الخارجية أدوارًا مهمة في ذلك، فقد عملت أميركا بشكل رئيس في العديد من الأحيان على الاستثمار في الطائفية والعنصرية والتطرف الديني، في أثناء الحرب الباردة ومواجهتها مع الاتحاد السوفييتي، ولا سيما في معركة أفغانستان، وحتى بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، الذي كان له أثر بالغ في تراجع الأفكار اليسارية والتقدمية، والنكوص إلى التدين، كردة فعل على فشل الخيارات الأخرى.

2- الإسلاموفوبيون: وهؤلاء أيضًا فئات تلعب العوامل والحسابات الطائفية الدور الرئيس في مواقفهم، ولكنهم لا يناصرون النظام القائم من منطلق الولاء المللي، بل بسبب الخوف من البديل الإسلامي، الذي لا يرونه إلا من النوع التكفيري المتطرف، وبذلك يناصرون النظام الأسدي، لأنه أهون الشرّين، بنظرهم، وهذه الفئة لها حضورها في طائفة رأس النظام، ولكن حضورها في أوساط الأقليات هو أكثر من الفئة السابقة، ولها حضور حتى في الأوساط العلمانية، حيث يخاف كل هؤلاء من “بديل سنيّ متطرف” على غرار “جبهة النصرة” و(داعش) وما شابه، يستغلّ الغلبة العددية للطائفة السُنية وحالة التشدد والتطرف الديني الموجودة في المنطقة العربية عمومًا، ولا تُستثنى منها سورية بالطبع، وهذه الفئة بالطبع لديها حالة خوف متضخمة من المتطرفين الإسلاميين، وهي لا تستطيع أن ترى الأكثرية المعتدلة في أوساط الطائفة السنية، وبدلًا من ذلك، تركز أنظارها على التنظيمات والشخصيات المتطرفة، التي لا يمكن تجاهل تكاثرها وبروزها في الآونة الأخيرة، وكما سلف القول، هذا التكاثر ليس عفويًا وحسب، بل هناك من يعمل على تنميته واستغلاله من قبل ذوي المصالح الخبيثة المختلفة، الداخليين والخارجيين.

3- الفاسدون: وهؤلاء هم الفئة الأوسع من أتباع النظام، وليس لديهم من طائفة أو ملّة أو دين، إلا مصالحهم الخبيثة، وهم منتشرون ومتغلغلون في أوساط الدولة والمجتمع إلى الدرجة التي يمكن القول فيها إنهم هم أنفسهم أصبحوا الدولة، أو على الأقل القوة الأكبر فيها، ولذا فهم عندما يدافعون عن النظام، إنما يدافعون عن أنفسهم وعن مصالحهم الفاسدة، وهم يدركون جيدًا أن بقاءهم في مواقعهم ومراكز نفوذهم وسيطرتهم على السلطة والاقتصاد في البلاد مرهون بالنظام، الذي غدا فعلًا نظامهم، وسقوط هذا النظام يعني سقوطهم معه.

4- المجرمون: وهذه الفئة هي فئة جد خطيرة، وهي تضمّ تلك العيّنة من عناصر النظام الذين تورطوا في جرائم مختلفة، إما بسبب دفاعهم عن نظامهم أو بسبب استغلالهم لنفوذهم فيه، وهذه الجرائم قد تكون جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية أو جرائم فساد أو سواها، ولذلك يدافع هؤلاء عن نظامهم بكل قوتهم، لأنهم يخشون من الحساب على جرائمهم في حال سقوطه، ويرون في بقائه الحماية لهم من هذا العقاب الذي سيكون عقابًا قاسيًا على ما ارتكبوه من جرائم وفظائع.

5- المضللون: وهؤلاء كانوا في وقتٍ ما فئة واسعة، انطلت عليها أكذوبة الوطنية ولعبة المقاومة والممانعة التي كان يتقنها النظام الأسدي، ويتخذها غطاء لتغطية بطشه وفساده وإجرامه، وذريعة لكل ما يقترفه من جرائم وفظائع ومفاسد، وقد كان النظام ينجح في ذلك، بسبب سيطرته التامة على وسائل الإعلام في البلاد، وتسخيرها لبثّ دعايته الوطنجية فيها، وهذا بالطبع يضاف إلى إفراغ البلاد من أية قوى سياسية أو مدنية أو ثقافية مستغلة، بواسطة القمع والعنف، ولكنّ هذه الفئة تآكلت كثيرًا، بعد انطلاقة الثورة، وسنوات الحرب الطويلة العنيفة التي أعقبتها، التي عرّت النظام الأسدي، وأظهرت مدى فساده ووحشيته وانعدام وطنيته، وبالطبع، لعبت ثورة الرقميات والاتصالات الحديثة دورًا مهمًا في ذلك، في إيصال حقيقة الصورة إلى المواطن في بيته، قبل بدء الثورة وبعد انطلاقتها، وكان لها أيضًا دور فاعل في الثورة السورية وفي كل ثورات الربيع العربي، ولكنه دور يتكامل مع بقية العوامل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية وسواها، المأزومة في البلدان العربية.

6-الخائفون: هذه الفئة ليست مناصرةً للنظام السوري، ولكنها تقدّم له فروض الطاعة والخدمة، لأنها مغلوبة على أمرها وخاضعة، بسبب استشراء وتجذر ثقافة الخوف التي تمكّن النظام بعنفه وبطشه من نشرها وتكريسها خلال عقود قمعه الطويلة. وكانت هذه الفئة قد تقلّصت بنسب متفاوتة، ولكنها نسب ملحوظة في معظم المناطق السورية، عند انطلاقة الثورة وبُعيدها. وبسبب العنف الإجرامي الذي قوبلت به من قبل النظام وحلفائه. وبسبب خذلان العالم للثورة السورية، وتمكين النظام من البقاء ومحاولة إعادة إنتاج نفسه، عادت هذه الفئة للنمو، وهي تسكت وترضخ ولا تحاول القيام على النظام، لأنها باتت مقتنعة بعدم جدوى ذلك من ناحية، وخائفة من عاقبة ذلك ناحية ثانية، وتخشى أن يصيبها ما أصاب الذين سبق أن ثاروا في مناطق أخرى من ويل ودمار.

7- المنحرفون: وهذه فئة تضمّ قوى سياسية وسياسيين، وضعوا أنفسهم لأسباب مختلفة في خدمة النظام، منها ما كان أسبابًا انتهازية ومنها ما كان رهانًا ساذجًا على وطنية النظام في بداية التعاون معه، ثم تحول إلى ورطة لا يمكن الخروج منها لاحقًا، أو إلى وضع مقبول رضي فيه هؤلاء المراهنون بنصيبهم من فتات مائدة السلطة، وتحولوا مثل غيرهم إلى انتهازيين، والمثال الأكبر على هذه العيّنة نجده في أحزاب الجبهة، التي تحوّلت إلى أذيال للنظام، وهذه العيّنة التي لم يعد لها أي دور سياسي تلعبه، لم يبق لها إلا اجترار الخطاب الوطنجي الذي لاكته طويلًا وما تزال تلوكه أبواق النظام، ولذا نجد هؤلاء المستذيلين يواصلون الدفاع عن تحالفهم المزعوم مع النظام، وهو في حقيقته تبعية واستذناب، بذريعة أن هذا النظام وطني، والتحالف معه يخدم الوطن، ولذا لا عجب أن يقف هؤلاء ضد الثورة ويروجوا ضدها تلك الفريّة القذرة عن المؤامرة التي يروجها النظام الطاغية الفاسد.

وهكذا، كما نرى، فأنصار وأتباع نظام الأسد في سورية مختلفون، منهم من يشاركونه طبيعته المتوحشة الفاسدة، كالموتورين والمتعصبين والانتهازيين والمتورطين في جرائم والخائبين سياسيًا، ومنهم من هم مضطرون إلى مناصرته، كالخائفين من بطشه أو من البديل التكفيري، ومنهم من ما يزالون يناصرونه بسبب سذاجتهم وجهلهم.

هذه العيّنات يجب على المعارضة السورية أن تتعامل معها بأساليب مختلفة، فالموتورون والمتعصبون والفاسدون والمجرمون والسياسيون الخائبون لا أمل في تغيير مواقفهم، أما الخائفون من النظام أو الخائفون من البديل التكفيري والمضللون، فالتغيير في أوساطهم ممكن، فإن تمكنت المعارضة السورية من توحيد صفوفها خلف مشروع وطني ديمقراطي حقيقي، فهذا يمكنه أن يصنع تغييرًا فعليًا في مواقف العينات الثلاثة الأخيرة، فهو يمكن أن يطمئن كثيرًا من الإسلاموفوبيين، بأن بديل النظام الأسدي ليس ظلاميًا تكفيريًا بل هو وطني حداثي، كما يمكنه أن يشجع كثيرًا من الخائفين من النظام، عندما يشعرهم بوجود قوة وطنية ديمقراطية معارضة حقيقية يمكن أن يستندوا إليها، ويمكن أيضًا لمثل هذه القوة الموحدة أن تغدو بوجودها بحد ذاته ونشاطها الفاعل مصدرًا لكشف الحقيقية، بالنسبة إلى الفئة المضللة التي ما يزال النظام يستفرد بالتأثير عليها، حتى المصلحيون يمكن للعديد منهم -بوجود قوة مقابلة- أن يراجعوا حساباتهم ويتخلوا عن رهانهم عن النظام الأسدي الذي يرون فيه الجواد الأقوى داخليًا اليوم.

هذا الطرح قد يُعترض عليه بأن مفاتيح الحلّ والربط اليوم ليست بيد النظام ولا بيد المعارضة، وإنما هي اليوم بأيدي القوى الدولية، وفي طليعتها أميركا وروسيا، وهذا صحيح، ولكن يجب ألا ننسى أن الخارج لا ينفصل عن الداخل، وأن هذه القوى عندما تتخذ مواقفها لا تنسى ولا تهمل ما هو موجود على أرض الواقع، ولذا فأيّ متغير على أرض الواقع الداخلي يمكن أن يكون له تأثير مهم على الساحة الخارجية، ولذلك على المعارضة السورية ألا تقنعَ بأن تكون طرفًا مستلبًا وتنتظر الحلول من الفاعلين الخارجيين، بل عليها أن تسعى لخلق فرص الحل المناسبة، والعمل بشكل فاعل على معطيات الداخل السوري، من أجل ذلك.


[1] “لافروف: 3 أسابيع كانت تفصل دمشق عن السقوط”، في 17 \1\ 2017