لا تشمل المقاومة والممانعة شعوبَ الدول التي تنتمي إليها، بشهادة إيران و”حزب الله” والأسد، الأطراف التي تُجمع على اتهام الشعب السوري بالتآمر على بلاده ونظامها المقاوم، مع الصهيونية والإمبريالية، بل إن الشعب في لبنان والعراق انضما أخيرًا إلى شعب سورية، لتكتمل المفارقة، ويصير عندنا دولٌ ممانعة/ مقاومة، شعوبُها عميلة لأعدائها، وهنا يطرح نفسه علينا السؤال المحيّر: ما السرّ في أن الدول المقاومة تذهب في اتجاه، وشعوبها في نقيضه؟ وهل هذه الحال سابقة لنظم المقاومة، أم أنها نشأت معها؟ وإذا كانت التهمة صحيحة، فمن يتحمّل المسؤولية عن هذا الوضع المخيف الذي يكذّب خطاب المقاومين الذين يزعمون أن المقاومة خيار الشعوب؟ فهل فقدت هويتها كشعوب مقاومة، لأنها تمردت على حكامها؟ وهل يكون هؤلاء مقاومون يخوضون معركة ضد عدوّين، أحدهما الإمبريالية، إذا كانت شعوبهم غير مقاومة، أو ترفضهم لأنهم مقاومون، ووصل بها الرفض إلى التعامل مع أعدائهم؟ أخيرًا، لماذا لا يعمل المقاومون لاستعادة شعوبهم إلى المقاومة، التي لن تنجح دون مشاركتها؟!

 لا يطرح خامنئي وبشار الأسد وحسن نصر الله هذه الأسئلة على أنفسهم. ولا يلقون بالًا للأوضاع التي حوّلت شعوب دولٍ وأنظمةٍ مقاومة إلى عميلةٍ لمن قاومتهم على مرّ الأيام. إنهم يكتفون بعزو ثورات شعوبهم، وما تطالب به من حرية وعدالة ومساواة وكرامة، إلى جهات معادية، من دون إيلاء هذا الأمر ما يستحقه من اهتمام في سياساتهم التي لو كانت المقاومة أولويتها، لأعادوا شعوبهم إلى جادة وطنيتهم، ما دام التصدي للعمالة في بلدانهم أصل كل مقاومة!

 لو أخذنا سورية مثالًا؛ لقال لنا خامنئي ونصر الله والأسد إن شعبها تمرّد على نظامها، لا لسبب إلا لأنه يقاوم الصهاينة الذين احتلوا الجولان منذ أكثر من خمسين عامًا، وبدل أن ينال دعمه، ثار عليه، فأيّ خيانة أوضح من هذه الخيانة؟! وكيف لا يكون شعبًا عميلًا، إذا كان لا يتجاهل فقط المؤامرة الكونية التي حذّره رئيسه المقاوم مرارًا وتكرارًا منها، بل ينقض عليه، وهو يعلم أنه مستهدف، كقائد مقاوم، بمؤامرة كونية لم تتوقف منذ نصف قرن؟! وهل اعتقد الشعب المتآمر أن رئيسه سينصاع لدوره ضده، لمجرد أنه يغطي مؤامرته المكشوفة بأكذوبة الحرية، التي يمتلك فائضًا منها؟

يغضب المواطن السوري، كلما قارن عدد ساعات قتال جيش الأسد العقائدي ضد العدو الذي يحتل الجولان منذ اثنتين وخمسين عامًا، بعدد السنين التي قاتل شعبه خلالها، حيث يجد أن قتال العدو لم يتجاوز بضعة أيام في ثلاثة حروب “تحرير” مزعومة، وقعت في أعوام 1967 و1973 و1982، وهُزم فيها جميعها شر هزيمة، بينما كان صراخ التحرير يصمّ آذان المواطن طوال نصف القرن، وكان يرسل أولاده إلى الموت في لبنان، أو في الصراع مع منظمة التحرير الفلسطينية، أو كان يفقدهم في سجون نظام التحرير، الذي تحوّل بعد هزائمه إلى نظام “ممانعة ومقاومة”، كي لا يحرر الأرض السورية التي تخلى عنها “للعدو “، في حين كان عليه أن يبدد وقته بوقوفه اليومي أمام الأفران، لشراء خبز أسرته، في بلاد تنتج فائضًا من القمح يزيد على ضعف حاجتها، ويستميت للحصول على أسطوانة غاز، مع أن في وطنه ثروة هائلة منه، ويأكل التضخم راتبه، ويعاني مصاعب متزايدة ليحصل على مستلزمات عياله ودوائهم، وكانت فاتورة الكهرباء والماء تلتهم ثلث راتبه، فلا يبقى له، بعد دفع إيجار بيته، غير العوز والديون، ومد يده إلى جيوب المعذبين من أمثاله، والاكتفاء من السعادة برؤية “قادته المقاومين”، وهم ينعمون بما لديهم من ثروات جنوها بفائض ممانعتهم.

يتجاهل صناديد المقاومة والممانعة دورهم في انفجار الشعب السوري. ويرون في انضمام ملايينه إلى الثورة ما يؤكد “المؤامرة الكونية” عليهم، ويتناسون أن دولة عظمى وأخرى إقليمية تشنان الحرب على السوريين، إلى جانب الأسد، وأن الشعب “العميل” متروك للموت قصفًا وجوعًا، لذلك يتحاشون الانتقال من الاتهام إلى الأدلة، لأنه لا أدلة لديهم، ولو كان الشعب السوري عميلًا لواشنطن وتل أبيب؛ لما تجرأ أحد منهم على أن يرميه بوردة. بالمناسبة: كيف يكون نظام ما نظامًا أصلًا، ناهيك عن كونه مقاومًا، إن كانت إسرائيل تستطيع تحريك مواطنيه بالملايين، بعد نصف قرن من انفراده بحكمهم؟! ومن الذي يجب أن يُدان: الشعب والجهات الخارجية، التي يزعم الأسد أنه يقاومها ويحمي الشعب منها، أم الأسد ونظامه الذي أوصل شعبًا بكامله إلى الكفر بنظامه، لا لأنه مقاوم، بل لأنه لا علاقة له بالمقاومة، وإلا لما عاش بسلام مع الاحتلال الإسرائيلي للجولان، واكتفى من المقاومة بالتغني بصموده ومقاومته؟!

 أليس أمرًا يدعو للدهشة أن تنجح الصهيونية في اختراق مجتمعات نظم المقاومة دون غيرها؟ وإذا كان صحيحًا أن الشعب السوري يتآمر مع الصهاينة ضد نظام الأسد المقاوم، أفلا يعني هذا أن عليه الشعور ببعض الخجل، لأنه يقاوم الصهاينة في الخارج، ويسمح لهم بصهينة شعبه في الداخل؟! ألا يجب عليه الاعتراف أيضًا بأنه يكذب، حين يتهم بالتآمر مواطنين ليس لديهم ما يشترون به خبز يومهم، ولو كانوا عملاء؛ لامتلأت جيوبهم بالمال، كحال المقاومين من قادة بلدانهم؟ ما قول المقاومين في مؤامرة فشلوا في إحباطها منذ أكثر من نصف قرن؟ هل يستحق فاشلون أخفقوا في رد التآمر عن وطنهم، أن يبقوا في السلطة باسم المقاومة؟

أيّ شهادة مدمرة لحكام دمشق، إن كان شعبهم يتآمر مع عدوهم، بعد أربعين عامًا من انفرادهم بتقرير شؤونه؟ وفي أي خيبة يعيش من منحهم ثقته قبل نصف قرن، لأنهم وعدوه بتحرير فلسطين، وها هم يتهمونه بعد خمسين عامًا بالعمالة لإسرائيل، على الرغم من أنه لا ذنب له في وصول جيشها ثلاث مرات إلى مشارف دمشق! إذا كانت هذه هي المقاومة، فكيف يكون الاستسلام؟! ثم، أليس عملًا من أعمال الخيانة أن يبادر نظام إلى سحق شعبه بسلاح جيشه المقاوم، الذي فر أمام العدو في جميع الحروب التي شنها الصهاينة على سورية؟

منذ واحد وخمسين عامًا، نظام المقاومة الأسدي يضهد ويعذب ويعتقل ويخفي ويشوه ويهجّر من يطالبونه بتحرير الجولان، الذي أهداه حافظ الأسد إلى إسرائيل، من دون قتال، فلماذا بربّكم تتآمر على من “قاومها” بهذه الهدية؟ وإذا كانت هناك مؤامرة، فكيف تستمر إن كنتم قد انتصرتم على الشعب المتآمر وهزمتموه؟

يدمّر المتآمرون على شعبهم دولته ومجتمعه، ويمارسون سياسات تضمن تفوق إسرائيل الساحق على شعبهم وعليهم، بينما يغتالون القوة التي كمنت جريمتها في مطالبتهم بما وعدوها به قبل سبعين عامًا: الحرية، التي ما إن سمع “المقاومون” أول هتاف لها، حتى شرعوا يبيدون السوريين على يد جيش وأجهزة، مهمتهما حفظ حياتهم وحمايتهم من “العدو”، الذي يراقب جيش الأسد وهو يدمّر سورية، التي لو كان جيش الصهاينة هو الذي يدمّرها، لفقد عشرات الآلاف من جنوده وضباطه، ولخرج مهشمًا من الحرب، بيد الشعب المقاوم، الذي يذبحه من باع الجولان لإسرائيل البارحة، ويبيع بقية سورية لروسيا وايران اليوم!