العنف كلمة واسعة التداول اجتماعيًا، بغض النظر عن جدل الدلالات اللغوية للمفهوم، في المعاجم اللغوية أو لدى المتخصصين في دراسة السلوك الانساني، حيث يستدعي البحث في ظاهرة العنف مقارباتٍ علمية في مختلف تخصصات العلوم الإنسانية والاجتماعية بشكل عام، وخاصة السوسيولوجيا.

يبحث كل اختصاص هذا الفعل الإنساني الموسوم بالعنف، ويناقش مصدره ونتائجه من زاوية اختصاصه، ويقدّم كل اختصاص لمفهوم العنف مفهومًا خاصًا ومتباينًا عن الآخر، بمعنى آخر: يختلف مفهوم العنف باختلاف التخصص المعرفي الذي يتناوله في إطار منظومته النظرية والتطبيقية، أي أن العنف من المفاهيم التي اتخذت توجهات تفسيرية متعددة، ويصعب الوصول إلى تعريف محدد ونهائي له كبقية المفاهيم العلمية في العلوم التطبيقية.

في مقاربة مفهوم العنف، سوسيولوجيًا، يتبين أن العنف معطًى من معطيات الاجتماع البشري، أي نتيجة مباشرة أو غير مباشرة لهذا المجتمع أو ذاك، بمختلف أنساقه (الأسري، التعليمي، الديني، القانوني، السياسي..) وعلى تباين أشكاله، وإن تحديد مفهوم العنف سوسيولوجيًا ليس بالأمر السهل، حيث يتطلب إعطاءه بعدًا اجتماعيًا أولًا، وفق قراءة علمية دقيقة تعبّر عن ظاهرة اجتماعية قائمة بذاتها في المجتمع السوري، وهي في الوقت نفسه، ظاهرة قانونية، سياسية، نفسية، اقتصادية.. تدخل في تركيب العنف كظاهرة اجتماعية، وعند البحث في ظاهرة العنف سوسيولوجيًا، يتضمن البحث وجهات نظر سيكولوجية، سياسية، قانونية، اقتصادية.. فهي تفيد في التحديد الدقيق للعنف في مظاهره المختلفة كافة، بسبب طبيعته الشمولية من حيث الزمان والمكان وعدد الفاعلين في ممارسته في الأنساق الاجتماعية كافة.

1- في النسق الأسري السوري، يلحظ وجود شرعنة اجتماعية، في بعض الثقافات المحلية، لممارسة الذكور (الأب، الزوج، الأخ..) الحق في ما يسمى “تأديب النساء” (البنت، الزوجة، الأخت..)، من خلال ممارسة أشكال العنف كافة، والنموذج أسرة الضحية (آيات)، في تزويجها بسن الطفولة (14 سنة)، والصمت على ضربها من قبل زوجها وأفراد أسرته بالعصا والمسامير بهدف تأديبها، وربما خوفًا من وصمة الطلاق! وموتها أفضل من انفصالها عن زوجها، من منظور أسرتها، وهذا مؤشر على مشاركة بعض ثقافات النسق الأسري السوري في ممارسة العنف الأسري ضد النساء، الذي يلقى قبولًا اجتماعيًا بين معظم أوساط المجتمع السوري، حيث ينتشر فيه هذا النوع من العنف الأسري المشرعن اجتماعيًا.

2- على صعيد النسق الديني السوري، يلحظ أن معظم رجال الدين في خطابهم الديني يحرضون على ممارسة العنف ضد النساء وعلى المنظمات النسوية، وهذا يسهم بشكل غير مباشر في تعزيز ممارسة العنف ضد النساء، من الدعوة إلى ضرب المرأة التي ترفض الاستجابة لمتطلبات زوجها، إلى القول بأن الملائكة سوف تلعنها لعدم الاستجابة هذي…. الخ، والأمثلة كثيرة إلى أن تصل إلى اعتبار المنظمات النسوية منظمات هدامة للمرأة الصالحة ولبناء الأسرة السورية!

3- في النسق القانوني السوري، غياب قانون خاص بجرائم العنف الأسري في سورية، وتوفر المواد القانونية التي تخفف من عقوبة مرتكبي الجرائم الأسرية، وتشجع على ممارسة هذا النوع من العنف الأسري، وكذلك وجود عشرات الأساليب الالتفافية على القانون، في ما يخص عقوبات ممارسي العنف الأسري.

4- في النسق الاقتصادي الحياتي السوري، من خلال عدم تكافؤ فرص العمل بين الذكور والإناث، كذلك في حرمان النساء السوريات من الحصول على حقهن بالميراث العائلي، حتى الجزئي، كما ورد في الشرع الإسلامي، وطرق الالتفاف على هذا الحق بأساليب الضغط الاجتماعي والنفسي الذي يمارس على النساء للاستكانة والرضوخ على هذا الحرمان، والموافقة على حرمانهن من حقوقهن الشرعية، كل هذا يشجع على ممارسة العنف الأسري ضدهن، نتيجة العوز المادي والمعيشي، في حال رفضن عنف الذكور في أسرهن.

5- في النسق السياسي السوري، حيث يمارس العنف السلطوي كأداة من الأدوات الرئيسية للسيطرة المطلقة على الانساق الاجتماعية كافة، من خلال نشر الخوف وفرض الخضوع من الولادة إلى الموت. من المدرسة التي تقوم على تعليم الخوف والتلقين والطاعة والتدريب العسكري، ونشر ثقافة العنف في كل الأنساق الاجتماعية. كذلك عدم توفر البيئة الآمنة، كما هو حاصل في سورية، وهذا يدفع إلى مزيد من ارتكاب الأفعال العنفية الأسرية التي تحتاج إلى البحث والتقصي، لفهم أبعادها ومخاطرها على النساء في المجتمع السوري.

6- في النسق الاجتماعي السوري، يلحظ أن هناك نسبة كبيرة من السوريين (رجالًا ونساء) تبرر عنف الرجال ضد النساء، تحت مبررات عبثية، والبعض منهم يتعاطف مع المجرم بدلًا من الضحية، وهو ما يؤكد ترسيخ العنف في الحياة الاجتماعية السورية كافة، وبذلك يكون من “الطبيعي” وجود من يبرر قتل (آيات) من قبل زوجها، تحت ذرائع ذكورية فقط. فالعنف ضد النساء يكمن في الموافقة الضمنية التي يمنحها المجتمع للرجل الممارس للعنف، فالزوج الذي قتل زوجته إنما مارس وصفة ثقافية سائدة في المجتمع السوري، تتضمن العدوانية والهيمنة الذكورية والدونية النسائية مقابل الرجال.

يلحظ في المجتمع السوري أن كل الأشكال العنفية السابقة تأخذ قدرًا كبيرًا من المقبولية الاجتماعية في الأنساق الاجتماعية السورية كافة، أما في الواقع، فلا يوجد عنف مقبول اجتماعيًا أو غير مقبول، فالعنف يبقى فعلًا عنفيًا، سواء أعطيناه صفة الشرعية أو نزعنا عنه هذه الصفة، ولا يمكن أن يكون هناك عنف مشروع وعنف غير مشروع، بالمعنى السوسيولوجي.

7- على الصعيد الفردي-النفسي، صحيح أن النسق الذي مارس عنف القتل ضد (آيات)، كفعل إنساني بالدرجة الأولى، صدر عن الفرد (الزوج) أي إنه فعل نفسي كما يبدو، ويمكن تناوله في حقل الدراسات النفسية، كأحد الاختصاصات الإنسانية التي تعبّر عن جانب مهم في الحياة النفسية للإنسان، التي لها دلالاتها الخاصة والمهمة في استكشاف دواخل الانسان الغامضة، أي أن العنف -حسب التخصص النفسي- سلوك فردي أو جماعي، يمكن تناوله على أنه في جوانبه النفسية يحمل معاني التوتر والانفجار التي تتأجج في داخل الفرد أو الجماعة، حيث يستثمرها بعض القانونيين لتخفيف عقوبات ممارسي العنف الأسري.

8- في المقاربة السوسيولوجية للعنف، يتبين أنه الفعل الصادر عن مجموعة من الأنساق الاجتماعية (البنى الفرعية) في المجتمع السوري، فقتل (آيات) مثلًا هو فعل اجتماعي سوري، لا يتضمن فقط قيام زوجها بضرب رأسها على الجدار حتى الموت، كما يفسّر الأمر قانونيًا. وربما يجد بعض القانونيين (محامي الزوج) المبررات النفسية والأخلاقية التي فرضت عليه ضربها، بهدف التأديب وليس القتل. بل في الواقع يعدّ عنفًا صادرًا عن أنساق اجتماعية متضامنة مع بعضها، بهدف ارتكاب جريمة القتل ضد (آيات).

إن العنف الممارس ضد النساء في سورية (آيات نموذجًا) لا يشمل أفعال العنف التي يمارسها أفراد المجتمع السوري فقط (الذي غالبًا ما يعبّر عن إرادة فردية وشخصية) بل إنه عنف تمارسه جماعات متحالفة معًا، تكوّن فيما بينها نسق اجتماعي غالبًا ما يعبّر عن إرادة جماعية، ولذلك هناك ضرورة للبحث في ظاهرة العنف، من منظور سوسيولوجي، وفق مؤشرات زمانية ومكانية وبشرية، فكلما كان العنف ناتجًا عن إرادة جماعة ما، حمل خصائص الجماعة التي يصدر عنها فعل العنف، وكلما كان عدد المشاركين فيه كبيرًا ويشمل عددًا معتبرًا من أفراد المجتمع، كان مجاله الجغرافي واسعًا ومجاله الزماني ممتدًا، وكان معنى العنف فعلًا اجتماعيًا بامتياز لا فعلًا فرديًا ( نفسيًا)، يمكن ملاحظته بمجهر السوسيولوجيا، ومن ثم يمكن دراسته كظاهرة اجتماعية في المجتمع السوري تحمل أبعادًا اجتماعية لا أبعادًا فردية جزئية، كما يصورها إعلام النظام من خلال المقابلات التي تم فيها استقبال أسرة الضحية (آيات).

وعلينا البحث سوسيولوجيًا في جوهر ظاهرة العنف في سورية، وتفسيرها ضمن الأنساق الاجتماعية السورية كافة، وهذا لا يحصل إلا في حال تخلصت البحوث السوسيولوجية من القيود الأيديولوجية الدينية والقيمية (الأعراف والتقاليد) المحافظة، ومن القيود السياسية السلطوية التي تشرعن العنف أو تبرر الممارسات العنفية التي تحصل يوميًا في المجتمع السوري، حيث هناك يوميًا ضحية سورية تشبه (آيات)، تتواطأ الأنساق المجتمعية السورية كافة على طمس حقيقتها. وإن فهم ظاهرة العنف هو الطريق الفاعل نحو مكافحتها.