منذ أن تأسست منظمة الأمم المتحدة عام 1945، احتكر قرارَها المنتصرون في الحرب العالمية الثانية، وأصبحوا يُعرفون بـ “أعضاء مجلس الأمن الدائمين”: الولايات المتحدة، روسيا (الاتحاد السوفيتي حتى 1991) بريطانيا، فرنسا، الصين (تايوان حتى 1971)، ويستمر هذا الوضع حتى اليوم.

وأود مقاربة الموضوع من ناحية سياسية وإنسانية.

هل استطاعت الأمم المتحدة أن تحلّ مشكلة واحدة في منطقة الشرق الأوسط؟ هل تستطيع الأمم المتحدة أن تُوقف الحرب في أي مكان من العالم؟ هل تستطيع أن تعيد الأمم المتحدة (ومن ضمن ما أقصد مجلس الأمن) أن تعيد الحقوق لأصحابها، وأن تقيم العدل والأمان والاستقرار؟!

بالطبع، كل شيء متعلق بالتوافق بين أعضاء مجلس الأمن الدائمين؛ فهم يفرضون إرادتهم على الجميع. ففي القضية الفلسطينية، مثلًا، نجد أن الولايات المتحدة هي التي تؤيد إسرائيل، وتغطي على كل جرائمها وممارساتها العنصرية وتوسعها الاستيطاني، وقد استخدمت الفيتو عشرات المرات دفاعًا عن “دولة إسرائيل” المحتلة للأرض الفلسطينية والمغتصبة لحقوق الشعب الفلسطيني، في وقت شهدنا وقوف روسيا والصين إلى جانب الشعب الفلسطيني، ولكن مواقفهم تلك لم تقدّم شيئًا ملموسًا على الأرض. فالذي نشهده توسّع إسرائيل وحروب ضد العرب وطرد للفلسطينيين وتدمير لمنازلهم وفرض الهيمنة على مقدساتهم الدينية ومحاولة لطمس الهوية الفلسطينية التي يعود تاريخها إلى آلاف السنين. وقد وصلت الوقاحة لدى إدارة ترامب إلى الاعتراف بالقدس “عاصمة لإسرائيل”، والاعتراف بضم الجولان إلى إسرائيل، تحت غطاء “صفقة القرن” التي تم فيها ترويض الحكام العرب الذين يبيعون أوطانهم بالتدريج، مقابل البقاء في السلطة والتحكم في رقاب شعوبهم.

نظام الأسد خدم إسرائيل 50 سنة، وحمى حدودها، ولذلك كافأته أميركا وإسرائيل بمساعدته في البقاء حتى اليوم. أما روسيا وإيران فدعمتا النظام لحساباتهم الخاصة. والولايات المتحدة التي تعتبر أمن دولة إسرائيل أولوية رقم واحد (مثلها مثل روسيا) يتسابق إليها اليوم الحكام العرب لتوطيد العلاقة معها ومع إسرائيل، كون اللوبي الصهيوني هو المتنفذ في السياسة الأميركية.

ومنذ أيام، مرت الذكرى 75 على تأسيس منظمة الأمم المتحدة، والعالم يراقب ممارسات مجلس الأمن الذي تلعب بدوره الدول الكبرى وتسيره لخدمة مصالحها الخاصة ومصالح حلفائها. وغالبًا ما يوزعون الأدوار بينهم، فواحد يستخدم الفيتو، والآخر يدين الفيتو. والنتيجة لصالحهم جميعًا دون غيرهم.

فماذا استفدنا من المواقف السوفيتية (الروسية) لصالح الفلسطينيين على مدى عقود، مقابل الفيتو الأميركي الذي يشكل تغطية لكل جرائم إسرائيل، منذ نشأتها حتى اليوم؟ وماذا نستفيد من المواقف الأميركية والغربية التي تتعاطف مع الشعب السوري، أمام الفيتو الروسي والصيني الذي عرقل كل القرارات التي تدين نظام الأسد وجرائمه وقتله للشعب السوري بكل ما لديه من أسلحة حتى السلاح الكيميائي.

كل قرارات مجلس الأمن الدولي ونتائجها تؤكد أن لا قيمة لها، إلا إذا اتفق الاعضاء الدائمون في المجلس على موقف موحد، وهذا يمكن أن يحصل ليس لحماية الأمن الدولي والاستقرار والعدالة في العالم، وإنما إذا كان ذلك لمصلحة تلك الدول العظمى، وغالبًا ما تتعارض سياساتها مع مصالح الشعوب.

منذ أيام، قرأت مقالة لنائب رئيس مجلس الأمن الروسي دميتري ميدفيدف، وهي مكرّسة للذكرى 75 لتأسيس الأمم المتحدة. ومنذ يومين، استمعت وقرأت كلّ ما قاله الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في منتدى فالداي للحوار الذي تأسس بمبادرة منه شخصيًا، وهو يجمع خبراء ومختصين من كل أنحاء العالم، للحوار وعرض الأفكار حول قضايا دولية وإقليمية حيوية. وحديث بوتين كان مخصصًا لقضايا عديدة، بعضها يتقاطع مع ما كتبه ميدفيدف.

ميدفيدف ركّز على أهمية منظمة الأمم المتحدة، وأن وجودها حال دون نشوب حرب عالمية ثالثة! ولا أعرف ماذا يسمي الحروب المندلعة في الشرق الأوسط: (أفغانستان، العراق، سورية، اليمن، ليبيا، أوكرانيا، جورجيا وووو) بمشاركة كلّ دول العالم، أليست نوعًا وشكلًا جديدًا وبديلًا للحروب العالمية التقليدية؟!

ففي سورية وحدها، شاركت في الحرب تقريبًا كلّ الدول العظمى أعضاء مجلس الأمن الدولي، ومعها دول إقليمية أخرى وميليشيات طائفية إرهابية قدمت من كل مكان، بحجة “محاربة الإرهاب”. لكننا شهدنا عمليات قتل وتهجير لملايين السوريين بشكل قسري، فضلًا عن تدمير مدنهم وقراهم ومنازلهم، وعمليات التغيير الديموغرافي، واستخدام أسلحة الدمار الشامل ضد المدنيين، وإدارة الأزمة لمدة 10 سنوات، حتى أصبحت سورية دولة فاشلة.

والسؤال هنا: أين مجلس الأمن الدولي ومنظمة الأمم المتحدة التي يتحدّث عنها السيد ميدفيدف والسيد بوتين؟! هل فقدت المنظمة الدولية وأعضاؤها البصرَ، ولم يروا ما جرى من إبادة جماعية للسوريين؟ وهل خروج السوريين بتظاهرات وثورة سلمية كان يستدعي كل هذا التدخل والعسكرة الذي يتحمل مسؤوليته بالدرجة الأولى النظام الخبيث الذي يتقن اللعب بالأوضاع السياسية والأمنية؟ ولماذا لم يتدخّل العالم، وخاصة روسيا القريبة من النظام، في السنة الأولى أو الثانية على الأقل، لوقف الصراع في سورية ومساعدة السوريين، أو على الأقل تركهم بحالهم؟! فمطالب السوريين كانت بسيطة شعبية وإنسانية، وهي التحرر من قبضة النظام المستبد وأجهزته القمعية القذرة، وكذلك استعادة السوريين لكرامتهم وحقوقهم الإنسانية في ظل دولة القانون والمواطنة والعدالة. هل هذه شعارات تهدد الأمن والسلم العالميين؟!

أتذكر في بداية الأحداث، عندما بدأ الأسد قتل السوريين مستخدمًا الجيش والأسلحة الثقيلة، كان الوزير لافروف يقول إن الوضع في سورية لا يستدعي مناقشته في الأمم المتحدة، لأنه لا يهدد السلم العالمي. ولكن عندما أصبح نظام الأسد في خطر، أصبح الروس يقولون إن سيادة سورية واستقرارها في خطر، وأصبح الوضع خطرًا على الأمن والسلم العالمي!

تحولت منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي إلى أداة بيد الدول العظمى، تتحكم فيها على أهوائها، وتدعم أنظمة مارقة في إسرائيل وسورية وغيرها، وتهمّش إرادة الشعوب.

ويتحدث ميدفيدف عن مبادئ أساسية للمنظمة الدولية، ومنها حقوق الإنسان، وكذلك عن عدم التدخل في شؤون الدول الداخلية! ويتحدث بوتين عن دور الدولة وأهمية الثقة بين الدولة والمجتمع وعن خصوصية كل دولة في رسم سياساتها واختيار ديمقراطيتها. مقولات مهمة يتحدث عنها أكبر مسؤولين في روسيا. وبالمناسبة: الولايات المتحدة تتحدث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، ونعرف ماذا قدّمت للعراق، بحجة محاربة الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل الكاذبة ونشر الديمقراطية المزعومة.

ولكن ما الذي نشهده على أرض الواقع: هل دعم نظام استبدادي قمعي ارتكب جرائم بحق شعبه على مدى 50 سنة، هو دفاع عن حقوق الإنسان أم دفاع عن السيادة الوطنية؟ وماذا تعني السيادة؟ وماذا يعني الاستقرار، إذا كان قائمًا على القمع وحرمان الناس من حرياتها وحقوقها؟ وماذا تعني الشرعية لنظام يستخدم كل ما يملك من أسلحة فتاكة لقتل الشعب؟ هل الشرعية مفهوم مجرد يسبح في الفضاء أم هو خاتم يلبسه الشخص، وما دام يحافظ عليه فهو صاحب الشرعية، ويحق له الانفراد في تقرير مصير شعب بكامله!

وهل تجريب 350 صنفًا جديدًا من أحدث الأسلحة الفتاكة الروسية في سورية، وتدريب عشرات الآلاف من الضباط والعسكريين الروس في أرض الميدان، هو جزء من حماية حقوق الإنسان؟!

في الحقيقة، إن دور أعضاء مجلس الأمن، وفي مقدمتها روسيا وأميركا، لا يقتصر على تفسير القانون الدولي بحسب مصالحهم، بل الموضوع أعمق وأبعد.

ففي سورية، شهدنا كيف دافع الكرملين والمؤسسات الروسية عن نظام الأسد، وبرروا جرائمه، وروّجوا له في كل المحافل سياسيًا ودبلوماسيًا وإعلاميًا، وقدموا له الدعم الاقتصادي والعسكري الشامل، وكل ذلك بذريعة مكافحة الإرهاب وحماية الشرعية. ولكن الحقيقة أن ذلك كله كان دفاعًا عن مصالح النظام السياسي في موسكو، والذي من الواضح أنه لا يتطابق مع مصالح الدولة الروسية والشعب الروسي.

وهل للشعوب حقّ في اختيار نظامها السياسي وإجراء انتخاب حرّ لرئيس الدولة ومن يحكم البلاد؟

في أميركا، نشهد انتخابات ديمقراطية وحالة تغيير رؤساء بواسطة عملية انتخابية منسجمة مع القانون الانتخابي الأميركي، ويمكن انتقادها، لكنهم يحافظون على تداول السلطة، والمؤسسات هي التي تدير البلاد في نهاية الأمر. أما في روسيا والصين، وهما دولتان عظميان، فإن الانتخابات لا يمكن وصفها بالديمقراطية، ولا تعكس إرادة الناخبين، لأنها تجري في ظل أنظمة شمولية يغيب فيها دور الأفراد والجماعات الواقعة خارج دائرة السلطة.

يتحدث بوتين عن “الثقة” بين الدولة والمجتمع، وأنها أهمّ شيء يميز الدولة ودورها. وهنا نتساءل: لماذا يتحدث عن الدولة وليس النظام السياسي الممثل بالسلطة. فالسلطة هي التي تخضع للثقة، أما الدولة فموضوع واسع ويخص الشعب والأرض والتاريخ والثروات، ولا يمكن الخلط بين المفهومين، إلا لذر الرماد في العيون.

وفي سورية، يتحدث نظام الأسد دائمًا عن سورية (في ظل شعار سورية الأسد) والمؤامرة ضد سورية والحرب على سورية، وهو يطابق في ذهنه بين النظام والدولة السورية (التي ابتلعها النظام وألغى دور مؤسساتها التشريعية والقضائية والتنفيذية)، والنظام الشمولي يخضع لسلطة الفرد الواحد، وبالتالي فإن الوطن والبلاد والدولة والنظام كلها تعود لشخص واحد اسمه الدكتاتور. وهذا ما شهدناه بوضوح في سورية، وأي نقد أو معارضة للدكتاتور أو الطاغية يصنف على أنه نقد لسورية وخيانة للوطن!

هذا ما يركز عليه الرئيس بوتين. فهو لا يتحدث عن النظام السياسي أو السلطة، ولا عن كيفية تعديل مواد أساسية في الدستور الروسي بتلك السرعة الفضائية، حيث حصل الرئيس الحالي بوتين على حق الترشح لفترتين قادمتين (ليصبح مجموع فترة حكمه الحقيقي 36 سنة)، أما بشار الأسد فقد سار على درب أبيه الدكتاتور المستبد، فأصبحت الانتخابات مسرحية هزلية، وبدلًا من أن يمارس الشعب (الذي تقول عنه روسيا إنه صاحب القرار) السلطة، يقوم المهرجون والانتهازيون بالتصفيق للقائد الخالد ويمجدونه، وما جرى في “مجلس الشعب” في صيف عام 2000 من تعديل لعمر الرئيس ليصبح 34 سنة، هو تفصيل للمادة على مقاس بشار. وهو يذكّرنا بما فعله الرئيس بوتين، عندما فصّل الدستور على مقاسه تمامًا في صيف 2020!

ومع ذلك، نشهد صراعات دولية وإقليمية، عندما لا يتفق الكبار على توزيع الحصص والنفوذ. وهذا نشهده في سورية أيضًا؛ حيث إن هناك تفاهمات إستراتيجية ولكن الشيطان موجود في التفاصيل، وهم يختلفون على التفاصيل.

قد ينتقدني قارئ ما، ويرى أنني من أنصار نظرية المؤامرة. ولكنني متيقن من أن الدول ترسم سياساتها وخططها لعقود، ولا تعلن كل ما تريده، وأنها تُجري تفاهمات تحت الطاولة ووراء الستار، ونشهد مثلًا إعلان التطبيع بين إسرائيل ودول عربية، على نحو مخزٍ ومعيب، وهذا ليس وليد اليوم، بل نتيجة تنفيذ خطة زمنية، عملوا عليها سنوات عدة. ولكن الذي تفاجأ بها هم فقط الناس البسطاء من أبناء الشعب.

انظروا إلى ما يجري في إقليم ناغورني كاراباخ الذي يشهد صراعًا بين أرمينيا وأذربيجان، والإقليم يعود تاريخيًا لأذربيجان، ولكنه اليوم تحت إدارة أرمنية أعلنت استقلاله عن أذربيجان. وقد شهد الإقليم حروبًا عدة، كان آخرها منذ أسابيع، راح ضحيتها الآلاف من الناس الأبرياء من الطرفين.

ونتابع أدوار الدول، مثل روسيا والولايات المتحدة وفرنسا وتركيا، التي تبحث عن مصالحها وأجنداتها الاقتصادية والقومية والجيوسياسية وغيرها، ولا أحد يفكر في حال الشعبين الأذربيجاني والأرمني وفي مصلحة سكان الإقليم، مع أن هناك مجموعة دولية (تضم دولًا عظمى مثل روسيا وأميركا وفرنسا) تُدعى مجموعة مينسك، تأسست منذ 30 عامًا، ولم تفعل شيئًا لأن الموضوع لا يخصّ مصالح تلك الدول.

تحولت منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي إلى أداة بيد الدول العظمى، تتحكم فيها على أهوائها، وتدعم أنظمة مارقة في إسرائيل وسورية وغيرها، وتهمّش إرادة الشعوب.

وأعتقد أن أحد أسباب وقوف المجتمع الدولي ضد الثورة السورية هو أنها شكّلت خطرًا على النظام العالمي السائد من أواسط القرن الماضي، والممثل بهيمنة دول عظمى بعينها تمنع تحرر الشعوب، وتنتهك حقوقهم، عندما تستدعي ذلك مصالحها الخاصة.