ذات مساء من العام 1938، توقف بثّ إذاعة (سي بي إس) الأميركية، وخرج صوت المذيع ليعلن في خبر عاجل أن الولايات المتحدة تعرضت لهجوم من “كائنات فضائية”، ثم استأنفت المحطة البث، ونقل حفل موسيقي من أحد فنادق نيويورك، ثم انقطع البث ثانية، ليعود المذيع معلنًا بصوت مرتجف أن “كائنات فضائية تغزو المدينة”، وعادت المحطة لبث الحفل الموسيقي. ليلة طويلة قضاها الجمهور ما بين الاستمتاع بالموسيقى القادمة من حفل “القديسين”، والفزع من غزو فضائي، أخذ مراسلو الإذاعة بنقل تفاصيله من موقع الحدث، مع تعليقات من خبراء في الفضاء والأمن، ونقل مباشر بالصوت لمشاهد الاستنفار لرجال الشرطة والإسعاف في عين الحدث. انقضى الأمر أخيرًا، وانتهت حالة الاستنفار، وتبدد الذعر، بعد أن كشفت الإذاعة أن الخبر غير حقيقي، وأنه ليس إلا عرضًا مستوحًى من عمل مسرحي باسم “حرب العوالم”([1]).

أثار سلوك الإذاعة ردات فعل غاضبة بين الناس، لكنه أيضًا أثار انتباه المهتمين بالدراسات الإعلامية إلى دور الإعلام في توجيه الرأي العام. وعلى الرغم من التفاوت في تقدير حجم الخوف والذعر اللذين أحدثتهما المسرحية في الجمهور المتلقي، لا تزال هذه الحادثة الشهيرة في تاريخ الإعلام الأميركي، حاضرةً كمثال يُذكِّر الباحثين بتاريخ صناعة “الأخبار الكاذبة”، ومدى تأثير وسائل الإعلام على الجمهور، وقدرة الإعلام على التلاعب بمشاعر المتلقي وتصرفاته. وفي تعليقه على ما جرى، قال المذيع الذي كان ينقل تفاصيل الخبر/ الخدعة: “أردنا أن يفهم الناس أنه لا ينبغي لهم أخذ أي رأي غير ناضج، ولا ينبغي عليهم ابتلاع كل ما جاء من خلال الحنفية، سواء كان الراديو أو غيره([2]). لم تكن خدعة “الغزو الفضائي” التي بثتها (سي بي إس) الأولى، فقد سبقتها إلى ذلك إذاعة (بي بي سي) البريطانية، عندما قطعت البث في كانون الثاني/ يناير 1926، لتعلن اندلاع أعمال شغب في جميع أنحاء العاصمة لندن: “تفجير برج ساعة (بيغ بن)، وإعدام سياسي، وحرق فندق بالكامل”. ثم تبيَّن لاحقًا أن الأمر لم يكن إلا مجرد نصّ كتبَه رجل دين كاثوليكي من وحي الخيال([3]). يكشف المثالان الآنفان أن تاريخ فبركة الأخبار وتزييفها مرتبط بتاريخ وسائل الإعلام ومواكبٌ لها، وليس بدعة حديثة أو طارئة، وهما يكشفان كذلك عن قدرة وسائل الإعلام على التأثير في الجمهور والتلاعب بسلوكياته، أفرادًا وجماعات، وقد ظهر ذلك، بجلاء، في أزمة جائحة كورونا التي يعيشها العالم كله([4]).

بالمسح السريع، لكيفية تعامل مختلف وسائل الإعلام العالمية مع الوباء، منذ لحظة اكتشافه وسقوط أول ضحاياه حتى لحظة انتشار الوباء في أكثر من 200 بلد، وإصابة ما يقارب مليوني شخص، ووفاة ما يزيد عن 85 ألف مصاب؛ يتضح كيف تباينت معالجة وسائل الإعلام للأزمة العالمية، بين ثلاثة أنماط:

بسبب الإرباك الذي وقعت فيه كثير من المؤسسات الإعلامية عبر العالم؛ دعا “الاتحاد الدولي للصحفيين” مؤسسات الإعلام إلى تجنب إحداث حالة من الذعر غير المبرر، أثناء تغطية الاخبار المتعلقة بفيروس كورونا (كوفيد 19).

1- المعالجة المثيرة: تميل في تغطيتها إلى التهويل والمعالجة السطحية، وينتهي اهتمامها بالأزمة بانتهاء الحدث، أي إنها معالجة مبتورة، وتتسبب في تضليل وعي الجمهور وتشويهه.

2- المعالجة الناقصة: لا تقوم على التهويل، بل على التهوين، وبذلك قد تقلل من معلومـات وأخبـار ذات أهميـة قصوى بالنسبة إلى المجتمع.

3- المعالجة المتكاملة: وهي المعالجة التي تتعرض للجوانب المختلفة للأزمة، وتتسم تغطيتها بالشمولية والعمق والمتابعة الدقيقة، وتحترم موضوعها ومتلقيها([5]).

وهكذا؛ تباينت تغطية الإعلام لأزمة كورونا الراهنة، بين ثلاثة مناهج:

الإعلام الهادئ والمسؤول

تمثل النهج الأول في سلوك الإعلام الهادئ والمتوازن، الذي اتبع في تغطيته مسارًا لم يتجاهل الخطر القادم، دون الذهاب إلى حد التهويل وترهيب الناس من موت محقق، سيطول ملايين الناس عبر العالم. تماسك هذا الإعلام أمام إغراءات السبق، وسخونة الأخبار، وتمسك بأخلاقيات المهنة والمسؤولية الاجتماعية للإعلام. والتزم الإعلام التقليدي المهني بالقواعد المهنية والأخلاقية التي تنظم الأداء الإعلامي، لا سيما في وقت الأزمات التي تهدد أمن المجتمع وسلامة أفراده. وقد مثلت المؤسسات الإعلامية، راسخة التقاليد والمهنية، مثل هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، هذا الطرف من الإعلام المسؤول. وفي هذا السياق، أكدت مديرة الإعلام في (بي بي سي) أن للمؤسسة الإعلامية البريطانية العامة “دورًا أساسيًا لتلعبه.. في إطار الوضع الصحي الطارئ، يتمثل في توفير أنباء جديرة بالثقة ودقيقة”([6]).

إعلام الإثارة الأصفر

على الطرف المقابل من المعادلة، سقط الإعلام الأصفر، والكثير من الإعلام الإلكتروني، في مستنقع التهويل وإرهاب الرأي العام، بسيل من الأخبار السوداء والسلبية، التي فاقمت الأزمة بترهيب الناس، ودفعهم إلى حافة أمراض لا تقل فظاعة عن كورونا، مثل الهلع والاكتئاب. لم يلتزم هذا الإعلام بأبسط قواعد المهنية، وخرق كل قواعد المسؤولية الأخلاقية للإعلام وواجباته في الحفاظ على أمن المجتمع وسلامة أفراده. ولا مغالاة في القول إن بعض الإعلام المخطوف بغرائز الإثارة والتهييج أحدث في معنويات المتلقين أضرارًا نفسية، فاقت تلك الأضرار التي خلفتها الجائحة الوبائية. مثلت هذا الطرف صحف صفراء كثيرة روّجت لنظريات المؤامرة، أو لهثت وراء الإثارة والتهويل، لرفع رصيدها من المتصفحين دون مراعاة لأدنى مسؤولية اجتماعية ودون التقيد بأبسط القواعد المهنية والأخلاقية.

إعلام الإنكار

ما بين الإعلام الراشد والرشيد، والإعلام الأصفر والأرعن، ركنَ صنف آخر من الإعلام إلى دفن الرأس في الرمل، بإنكار خطورة الوباء، أو بالهروب إلى الأمام بالاستخفاف بالجائحة والتقليل من مدى خطورة الوباء، إلى حد التعامل الكوميدي مع الفيروس. وبرز بعض الإعلام المصري المرئي مثالًا على هذه الشريحة من الإعلام غير المسؤول، ولا سيما حين يفتح شاشاته لضيوف يزعمون الخبرة والمعرفة، بينما هم ينشرون الترهات والسخافات التي لا تليق بمنابر إعلامية، كان الأحرى بها الاجتهاد لاستضافة كفاءات قادرة على تقديم المعلومات الصحية والطبية والوقائية التي من شأنها رفع وعي المتلقي، ومساعدته في الوقاية من الإصابة بوباء كاسح يضرب البشر جميعًا، بغض النظر عن أجناسهم، جنسياتهم، أعمارهم، أو خلفياتهم الاجتماعية.

كلمة أخيرة:

بسبب الإرباك الذي وقعت فيه كثير من المؤسسات الإعلامية عبر العالم؛ دعا “الاتحاد الدولي للصحفيين” مؤسسات الإعلام إلى تجنب إحداث حالة من الذعر غير المبرر، أثناء تغطية الاخبار المتعلقة بفيروس كورونا (كوفيد 19)، وتجنب ما قد يؤدي إلى تفاقم الوضع، مع التحلي بالمسؤولية في تزويد المواطنين بتقارير موثوقة ودقيقة وحقيقية، وتجنب تقارير الإثارة التي يمكن أن تؤدي إلى إثارة الذعر والخوف بين المواطنين. وتعتبر شبكة الصحافة الأخلاقية أن القيم المهنية للصحافة -كالتمسّك بالحقائق والروح الإنسانية واحترام الآخرين والشفافية والإقرار بالأخطاء- هي مبادئ أساسية ينبغي أن يلتزم بها الجميع، حتى مستخدمو الوسائط الاجتماعية والصحفيين المدنيين([7]).

ومن المعلوم أن التزام المؤسسات الإعلامية “بالإعلان العالمي لأخلاقيات المهنة للصحفيين”، يصبح أكثر أهمية أوقات الكوارث أو الأوبئة، من أي وقت آخر، وتتقدم مسؤولية الصحفي تجاه عموم المواطنين على أي مسؤولية أخرى. إن المبادئ التي يحويها هذا الإعلان هي أفضل علاج ضد الأخبار الخاطئة، أو الأخبار المضللة، ونظريات المؤامرة المنتشرة على شبكات التواصل الاجتماعي. وكما جاء في المادة الأولى من الإعلان، فإن “احترام الحقيقة وحق الجمهور في معرفة هذه الحقيقة هو مسؤولية الصحافي/ة الأولى.” كما يحث الإعلان الصحفيين والمؤسسات الإعلامية على تقديم الحقائق والمصادر العلمية الموثوقة، وتجنب الظنون، مع تفادي المفردات التي تثير الخوف وتبعث الذعر.

كشف وباء كورونا كثيرًا من جوانب التقصير في الخدمات الصحية، وعرّى دولًا كبرى وغنيّة، أمام عجزها عن حماية مواطنيها، كما كشف الوباء عن الأمراض المستشرية في الإعلام الذي انشغل سنوات طويلة، إما في ترويج الدعايات للأنظمة السياسية، أو نفث الإثارة والأكاذيب. وكما تبيّن مدى حاجة الإنسانية إلى إعادة النظر في منظماتها العلمية والطبية، اتضح مدى حاجة البشرية إلى “وسائل إعلام تثبت أنها في خدمة الجمهور أولًا، بتقديم معلومات جديرة بالثقة([8])، ففي زمن الأزمات، يتاح للصحفيين فرصة لكي يُظهروا للمواطنين قيمة الصحافة الجيدة المستندة إلى اخلاقيات المهنة..” كما يقول أنتوني بيلانجي، الأمين العام للاتحاد الدولي للصحفيين([9]).


[1]– Egnal, Cleo. “The 1938 fake news story that mobilized the navy… in fear of aliens”. Ranker.com

(Visited on 29 March 2014): https://goo.gl/ANnGVW.

[2]– نواف التميمي. نموذج التواصل السياسي لــ”كامبريدج أناليتكا”: فبركة الأخبار وهندسة الجمهور. مركز الجزيرة للدراسات.  8 مايو / أيار, 2018. https://bit.ly/2yEkb1p

[3] – مرجع سابق

[4] – مرجع سابق

[5]https://annabaa.org/arabic/mediareports/19378

[6]https://bit.ly/3e2XeoV

[7]https://bit.ly/3e7mp9Y

[8]https://bit.ly/3e2XeoV

[9]https://bit.ly/2Xkcjws