أُغلقت في مناطق سيطرة النظام السوري صناديق الاقتراع، وأعلن النظام الذي تسبب في أفظع كارثة إنسانية في تاريخ الشعب المظلوم، تلك الكارثة التي أودت بحياة مليون إنسان بين قتيل وجريح ومعاق ومفقود وشردت عشرة ملايين إنسان وأخذت البلاد إلى مستوى أفقر دولة في العالم وفق الأمم المتحدة، أنّ الشعب اختار استكمال هذه الإنجازات بواقع 95%!!

وعلى الرغم من الفضائح التي اعترت تلك الانتخابات، وغياب أيّ مراقبة دولية محايدة لها، وتشوه صوت السوريين في ستّ محافظات: إدلب والرقة ودير الزور والحسكة والقنيطرة ودرعا، وغياب الملايين السورية العشرة المنتشرة في بلاد الله، فإن مرشح السلطة الغالبة سيصبح رسميًا رئيسًا للبلاد، وسيتعامل العالم معه ومع سفرائه وممثليه، بصفة “الهيئة الشرعية للحكم” في البلاد.

ولكن ما هو دور المجتمع الدولي في تقرير انتخابات كهذه واعتمادها؟

ثمة مبدآن يتنازعان المشهد الأممي، منذ سبعين عامًا، وهما السيادة الوطنية والتدخّل الإنساني. بدأت إرادة تأسيس القانون الدولي منذ وستفاليا 1648، حين أعلن عن نهاية الحروب الدينية في أوروبا والتفكير بالدولة الوطنية، وقد استغرق هذا السعي ثلاثة قرون متعاقبة، وتجددت المحاولة في اتفاقية باريس 1783، واتفاقية فيينا 1815، وفرساي 1919، واتفاقيات جنيف للعلاقات الدبلوماسية التي بدأت مطلع القرن، وبعد حربين عالميتين طاحنتين، ظهرت المحاولة الأولى إلى الوجود في عصبة الأمم، ولكنها سرعان ما انهارت وحلّ مكانها الأمم المتحدة.

ولم تنجح الأمم المتحدة في أن تكون نادي الأمم، إلا عندما باركت مبدأ “السيادة الوطنية”، والتزمت بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وبات القرار السياسي سياديًا بالكامل للسلطة الحاكمة في كل بلد، وتلتزم الأمم المتحدة بالتعامل مع مخرجات هذه السلطة من دون أدنى نقاش. وبالفعل، نجحت منظمة الأمم المتحدة في ضم 194 دولة، حتى الآن، تشكل أكثر من 97% من المجتمعات الحقيقية التي تعيش على كوكب الأرض، فيما لا يزال نحو 45 كيانًا سياسيًا لا يتمتع بعضوية الأمم المتحدة، لأسباب مختلفة، أبرزها تايوان وهونغ كونغ وفلسطين وشمال قبرص وكوسوفو!!

ويعتبر هذا الامتياز التكتيكي -من وجهة نظري- سقوطًا أخلاقيًا مريعًا للإنسانية، ورشوة باردة منحتها الأمم المتحدة للمستكبرين، لإقناعهم بالدخول إلى الأمم المتحدة، فقد منحت الاستبدادَ حقًا مطلقًا في فرض رؤيته وممارسته على الشعوب المغلوبة، وكرّست عجز الأمم المتحدة عن التدخل لتحقيق أي مستوًى من العدالة، تحت عنوان السيادة الوطنية، وبذلك فقد اقتصر دور الأمم المتحدة على العون الإنساني بشكل أساسي والوساطة في الحروب، وباتت الأمم المتحدة عاجزةً عن فعل شيء، إلا إذا أراده مجلس الأمن، وهو المجلس الذي يشهد منذ ولادته انقسامًا حادًا في كل شيء، وقلّما اتفق على قرار حيوي فعّال.

فهل هذا هو قدر الأمم المتحدة؟ وهل تتحوّل تدريجيًا إلى مجرد هيئة ثقافية واجتماعية وإغاثية، وتفقد تدريجيًا دورها كقائد سياسي عالمي؟ قناعتي أن نظام الأمم المتحدة يجب أن يكون محلّ مراجعات عميقة، وهي مراجعات تبدأ على مستوى المفكّرين والخبراء والمستشارين، لتنتقل في مرحلة لاحقة إلى الهيئات السياسية والإدارية، وبات لزامًا على المفكّرين أن يكتبوا بإلحاح في وجوب مراجعة قيم الأمم المتحدة والإصرار على فرض الآليات التي تحقق العدالة، ولو اصطدمت بالسيادة الوطنية.

إن الجهاز الأهم في الهيئة الدولية لم يتشكل بعد، وهو محكمة النزاهة الدولية التي تعود إليها مسؤولية قبول أو رفض ممارسات السلطة الحاكمة في أي بلدٍ في العالم، وتحديد أنظمة الحكم أتمثل إرادة الشعب المحكوم أم إرادة المستبد وبطانته!

أتطلّع إلى يومٍ لا تجري فيه انتخابات في العالم إلا بإشراف الأمم المتحدة ورقابتها الكاملة، ولا يتم فيه تتويج رئيس أو وزير أو نائب إلا بعد تصديق من الهيئة الدولية، ومصادقة مجلس من الحكماء الدوليين المحايدين على صحة الانتخابات والاختيار، والتحقق من تمثيل الشعب الحقيقي بدون ترهيب ولا إكراه.

لقد نجحت الأكاديميا في تنظيم نفسها، وظهرت في العالم هيئات دولية معتبرة تقوّم الجامعات والدرجات والشهادات والبحوث العلمية بعيدًا عن قرار السلطة الحاكمة، حيث يُقاس البحث العلمي والدرجة العلمية بأدق المعايير، وباتت هذه الهيئات الدولية تفرض نفسها على العالم الأكاديمي، ولم يعد بإمكان نظام استبداد في العالم أن يقول: نحن سادة على جامعاتنا ولا نلتفت للمعايير الدولية. ولا شك في أن النظام الذي سيتبع منطقًا كهذا سيهوي في سجل التقويم الدولي إلى أسفل سافلين، مهما كان شكله السياسي، ومهما كانت قبضة السلطة الحاكمة شديدةً.

والأمر نفسه في قيمة العملة والاقتصاد، حيث أصبح الدكتاتوريون لا يملكون قرار تسعير عملتهم، ولا يملكون قرار تصنيفهم الاقتصادي، فقد صار ذلك كله بورصة عالمية تحكمها معايير الاقتصاد المحض، ولا يوجد أي اعتبار لقرار القائد الرمز والتاريخي والاستثنائي، في تسعير قيمة عملة بلاده، على سبيل المثال.

وكذلك انتهت سطوة الحكام على الرياضة، وباتت مكانة الدولة في السلم الرياضي العالمي تحددها معايير عالمية دقيقة، وفق الكفاءات والمواهب، بعيدًا عن إرادة الحكام والظلام وأولاد الرشوة والمال الحرام.

ولكن المناصب السياسية ما تزال -مع الأسف- تعاند الدخول في معايير الأمم المتحضرة، تحصّنها نظرية السيادة الوطنية، وما زالت السلطة الغاشمة في بلاد الاستبداد تفرز حكامها وسفراءها ونوابها في مسرحيات استفزازية كاذبة، ويصرّح رئيسها علنًا أمام الإعلام بأن إرادة العالم كله لا تعنينا في شيء، وهي صفر بالنسبة إلى إراداتنا ومشروعنا، فالعالم كلّه (باستثناء من قاتل معنا) شريرٌ يتآمر على شعبنا وإرادتنا!!

وعلى الرغم من وضوح الظلم وكارثيته، فإن الأمم المتحدة ستعامل الأنظمة الظالمة على أنها الحكومات الشرعية، وستنظم للمجتمع الدولي سُبل التعامل مع هذه السلطة القائمة، بوصفها نالت مشروعية الأمم المتحدة. قناعتي أن الأمم المتحدة باتت على مفترق طريق، وهذه الهيئة الدولية التي نجحت في الإغاثة والتعليم والطفولة والثقافة والصحة والرياضة، لم تقترب بعدُ من فرض معاييرها في السياسة والنزاهة والعدالة.

لقد باتت الجمعية العامة للأمم المتحدة هيئة تمثل دول العالم بديمقراطية عالية، ولنعترف أنها في القضايا الأمنية مكبّلة بقرار مجلس الأمن، ولكنها في سائر القضايا الأخرى حرّة وديمقراطية وشفافة إلى حد بعيد. على سبيل المثال، نجد أن قرارات الأمم المتحدة بشأن فلسطين تكون في العادة عادلة ومنطقية، في حين أن قرارات مجلس الأمن تأتي وفق إرادة الكبار بعيدة عن الضمير العالمي.

إنني أتطلع إلى يوم لا يعتبر الرئيس رئيسًا شرعيًا إلا بعد أن تحكم محكمة النزاهة الدولية بأن انتخابه تم بشكل مرض، وأنه يمثل الشعب الذي يقيم في هذا الإقليم تمثيلًا مُرضيًا، وأن يكون القسم الرئاسي أمام محكمة دولية تمثل الضمير العالمي، بطقوس صارمة تستبعد أيّ دجل سياسي.

أتطلع إلى يوم لا يعتبر المرء فيه نائبًا إلا بعد تصديق نجاحه من هيئة دولية خاصة بالنزاهة والعدالة، حتى ولو حصل على مرسوم جمهوري بناء على استفتاء شعبي، تمامًا كما يحتاج أي طبيب إلى تصديق من بورد عالمي، وأي بحث علمي إلى اعتماد من هيئات الإيزو و ISI، لاعتماد البحوث العلمية بعيدًا عن إرادات الحكام وسطوتهم.

أتطلع إلى يوم يصبح فيه النواب والسفراء والوزراء، الذين يختارهم نظام خارج التاريخ والجغرافيا، موقوفين غير قادرين على ممارسة مهامهم في أي بلد في العالم، إلا بعد اعتماد هيئة النزاهة الدولية، وأن يحظر على الأمم استقبال سفرائهم أو التعامل مع رئيسهم أو وزرائهم أو نوابهم، إلا بعد اعتماد هيئة النزاهة الدولية التي تتشكل بمعايير ديمقراطية من خبراء العالم ومستشاريه.

أتطلع إلى يومٍ لا يحلّ فيه لسلطة حاكمة في العالم أن تنظم انتخابات إلا بإشراف دولي، وفق معايير صارمة تؤكد مشاركة الناس بحرية وعدالة بعيدًا عن تأثير القوى العسكرية والمخابراتية.

أتطلع إلى يوم تعود فيه الأمم المتحدة إلى قيمها في الفضيلة والتدخل الإنساني، وتمنع تغول الاستبداد الذي يعبث بالعدل والمساواة والحرية تحت شعار السيادة الوطنية.

يبدو هذا المطلب حُلمًا ساذجًا لغافل في حضن الحضارة الموهومة، بعيدًا عن الواقع، ولكن لا بأس فهل كانت الأعمال الجليلة في العالم إلا أحلامًا، وما هو الإنجاز؟ إنه بكلمة واحدة: تحويل الأحلام إلى حقيقة.