منذ وصل حزب البعث إلى السلطة، رفع شعار المؤامرة؛ فنحن “دولة مواجهة”، وعلينا أن نحشد الطاقات للمواجهة مع إسرائيل، ولتدمير المشروع الصهيوني وداعميه. وبسرعة، انتقلت المواجهة ضد إسرائيل إلى داعميها أيضًا؛ فصارت أميركا وأوروبا ودول الخليج كلّها دولًا ضالعة في المؤامرة الكونية التي تستهدف “صمودنا وبقاءنا”.

وفي سبيل المؤامرة، علينا أن نوقف كل خطط التنمية والبناء، فلا ضرورة في هذه المرحلة لجامعات حديثة ولا لتكنولوجيا متقدمة ولا لعقود مع الدول القوية في استثمار الغاز والنفط، ولا وقت لدينا، في قطار الصمود، للحريات والديمقراطيات وغيرها من العناوين الباهتة التي توهن نفسية الأمة وتضعف الشعور القومي، ولا وقت في هذه الأيام الثورية الصاخبة إلا للمواجهة والصمود، ولا صوت يعلو على صوت المعركة!!

وكان من المألوف تمامًا أن فلاسفة المقاومة، في التدريب الجامعي وفي حصة القومية، يحذروننا دومًا من الدخول في الأسرة الدولية واحترام القانون الدولي وحقوق الإنسان، وكانوا يستشهدون بمصير اليابان وألمانيا والنمسا، وغيرها من الدول التي استسلمت لاتفاقيات الأمم المتحدة وفقدت استقلالها الحقيقي، حيث كانت توصف اليابان وألمانيا، بأنها “الدول المسكينة البائسة التي فقدت سيادتها الوطنية، وصارت ألعوبة في يد أميركا التي تحقق أطماعها”!!! فيما لا زلنا “نحافظ على كبريائنا وشموخنا”، ونشتم من نريد من دول العالم بكل اعتزاز!!

وكان مطلوبًا أن تخرج من ساعة القومية وأنت تحسبل وتحوقل أسفًا على الشعبَين الياباني والألماني المسكينين، فعلى الرغم من تصدرهما العالم بالصناعات والاقتصاد والحريات، فإنهما لا يستطيعان أن يقولا (لا) لأميركا، في حين أننا نقول (لا) و(كلا) ولعمر الله وايم الله، وغيرها من عبارات الرفض والغباء التي تفوح بها معاجمنا، ونغلق عن عمد كل نوافذ الحرية والديمقراطية، حفاظًا على المناخ الثوري في بلادنا البائسة. وقد احتمل الشعب السوري هذا العناء كله، بعزيمة وصبر، وانتظر الإصلاح عامًا بعد عام، ومارس الأمل والتفاؤل، وانتظر أن تسطع شمس الحرية بلا غضب ولا ثورة.

وبعد نصف قرن من الأوهام والدجل؛ خرج الشعب السوري في ثورته في غمار رياح الربيع العربي، بعد أن فقد كل شيء في غبار معركة فارغة قادتها سياسات التحدي والتناحة والمقاومة، وأخسرتنا العالم كله، ولم تستطع تحرير شبر واحد من الجولان!!

لا أدري لماذا يتآمر العالم على بلدنا التعيس، ولا يتآمر على دولٍ تجري من تحتها أنهار الذهب والفوسفات والنفط، حيث كانت شعوب كثيرة تعيش على الناقة والبعير، ولكنها انفتحت على العالم، فاستثمرت خيراتها مع الشعوب المتحضرة، وربح الجميع ولم يخسر أحد، وتعاونت مع أمم الأرض في استخراج خيراتها واستثمار طاقاتها، وتحقيق نهضتها، فقلبت جهلها عملًا، وتخلفها تقدمًا، وأصبحت تثير إعجاب العالم بنجاحها وتفوقها ودبلوماسيتها المنفتحة المسؤولة!

حدد النظام سياسته الواضحة: الحريات ممنوعة والديمقراطية ممنوعة وتداول السلطة ممنوع، فالمرحلة لا تحتمل الترف الديمقراطي، والمواجهة قادمة، والعدوّ يحيط بنا من كل جانب، ومع أن العدو هو إسرائيل، فقد أضيف إليها كلّ دولة تناشد سورية منح الحرية لشعبها، وصارت في زمرة الأعداء، فأميركا متآمرة، وأوروبا كلّها مشطوبة من الخارطة، وجامعة الدول العربية هي جامعة الغدر والتطبيع والبترودولار والأنظمة الخيانية المتآمرة، والشعب الذي ملأ الساحات هو أيضًا شعبٌ متآمر، والملايين الذين غادروا مهاجرين هم أيضًا متآمرون باعوا وطنهم، واستمر خطاب المقاومة هادرًا، ولا بأس في سبيل المقاومة أن نبيع العرب ونستجلب الفرس، وأن نقاطع الأنظمة الحرّة ونتحالف مع ولاية الفقيه، وأن ندافع عن حرية الشعب الفلسطيني في فلسطين، ونحرق المخيم على رؤوس أهله، إن هم طالبوا بالحرية، في سورية..

وفي غمار انهيار كامل في الدولة واقتصادها وعملتها وسياستها الخارجية، نالت فيه سورية سلسلة ألقاب مخزية: أفقر دولة في العالم، وأحط دخل في العالم، وأقلّ بلاد الدنيا أمنًا وأكثرها رعبًا، وأفشل جواز سفر في العالم، وأغلى جواز سفر في العالم، والبلد الوحيد في العالم الذي يحتاج أهله إلى مئة دولار لكل فرد حتى يدخلوا إليه، وربما إلى مئة ألف حتى يخرجوا منه، ووطن مدمر وخزائن فارغة وسجون ممتلئة؛ ما يزال الخطاب الرسمي للنظام ومواليه: هذه ضرورات المعركة والنصرُ قادم على إسرائيل!!

إسرائيل التي كانت تسرّب منذ عقود إعجابها بهذا النظام، الذي يملأ الدنيا جعجعة ولا يجمع رزًا ولا قمحًا، باتت تصرح اليوم -عبر أعلى مستوياتها- بأن أفضل أحوال إسرائيل أن يبقى هذا الجار العاجز بقيادته الحالية وخطاباته الثورية الفارغة أمينًا موثوقًا به لحماية المصالح الاستراتيجية الأساسية لإسرائيل، حيث مطاراته وقواعده ملطشة مفتوحة للصواريخ الإسرائيلية، وهو لا يزال يحتفظ منذ 48 عامًا بحق الرد، من دون أن يطلق هو أو حليفه الإيراني طلقة رصاص واحدة على الجولان.

لا أدري إلى أين سيذهب فلاسفة المقاومة بالموقف الإسرائيلي الجديد، الذي يصرّح اليوم علنًا بأنه يقوم بما يجب، لإقناع العالم بضرورة بقاء هذا النظام التعيس، فهو أنسب أشكال الأنظمة لاستقرار إسرائيل، ولكنهم على الفور بدؤوا يطلّون من الشاشات الكئيبة، يعيدون أسطوانة التناحة والصمود، وقد صرّح أحد أصواته الهائجة بأنّ “أعظم رد على إسرائيل هو عدم الردّ عليها، ونحن قادرون خمسين عامًا أخرى على أن نتلقى القصف الإسرائيلي من دون أن نرد عليهم بشيء، ومع ذلك، لن نتوقف عن شتمهم وتحديهم”!!

لست أدري أما زال أحدٌ في الوطن يؤمن بأنهم يمارسون المقاومة؟ وأما زال أحد يصدق أن هذا الهوان والذل والقهر الذي يعيشه المواطن السوري هو نتيجة للصمود والتصدي؟

انتهى عقدٌ من عمر الثورة، وسيبدأ عقدٌ جديد، وكلّي أملٌ بأن يستيقظ جيل المسايرة والمداهنة والمداراة، والتبرير لوليّ الأمر، بعد هذه السنين العشرة البائسة، وأن يدركوا أنهم يتحملون جزءًا كبيرًا من المسؤولية في تغوّل الاستبداد ومظالمه؟

إذا لم تكن قادرًا على قول الحق، فلا تصفّق للباطل.