قبل أيام، مرّت الذكرى المئوية لمؤتمر سان ريمو الذي عُقِدَ في المدينة الإيطالية التي حمل اسمها، ما بين 19و25 نيسان/ أبريل 1920، بين أعضاء المجلس الأعلى للحلفاء في الحرب العالمية الأولى؛ فكان المؤتمر بمنزلة إعلانٍ لنتائج الحرب التي أدّت إلى تقاسم تركة الإمبراطوريّة العثمانية ومناطق النفوذ بين الدول المنتصرة، وخاصّة بريطانيا العظمى وفرنسا.

كان المؤتمر السوري الكبير الذي تشكّل في حزيران/ يونيو 1919 من أحد الأسباب المباشرة لعقد مؤتمر سان ريمو؛ فقد أعلن الأول قيام المملكة السورية ضمن حدودها الطبيعية، وجاء الأخير ليرد على ذلك بإعلان خريطة النفوذ الجديدة. وكان تقسيم الشرق الأوسط من أهم نتائج هذا المؤتمر التي ما زالت شعوب المنطقة تدفع أثمانها حتى الآن، إذ رحّل الأوروبيّون مشاكلهم المزمنة مع اليهود بتمهيدهم الأرضية أمام المنظمات الصهيونية لإنشاء دولة على أرض فلسطين، وبعد أن كان اليهود منبوذين محاصرين ومدعاة للغضب الديني والقومي، باتوا -وهم بعيدون عن تكوين المجتمعات الأوروبية فعلًا- جزءًا من نظرية الثقافة اليهودية المسيحية، بينما دُفع بالإسلام إلى مصافّ الغريب عن هذه الثقافة الذي تراوح غربته ما بين عدوّ مفترض ولاجئ منبوذ.

منذ انعقاد هذا المؤتمر، وخلال قرن من الزمان، تغيّرت خريطة العالم بشكل يدعو للدهشة، قامت دول وإمبراطوريات، وبادت دول وممالك وإمارات -ولعلّ أكبر مثال حاضر أمامنا هو بريطانيا العظمى التي كانت الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، وقد باتت الآن جزيرة صغيرة تحاول الانعزال عن جدّتها أوروبا، وتصارع لتخرج من ربقة الاتحاد الأوروبي- من اليابان والصين شرقًا إلى أميركا غربًا، من صعود النازية والفاشية واندحارهما، إلى قيام الشيوعية وانهيارها، أنظمة عالمية كثيرة تغيّرت وتبدّلت، وأنظمة جديدة ظهرت واستقرّت.

في ذلك الوقت، قبل مئة عام، وُلد الحلمُ العربي بدولة تخص أبناءها، بعد مئات الأعوام على زوال آخر حكم عربي، لكن الحلم أُجهض في مهده، وقُسّمت سورية إلى أربع دول، ثم وضعت مع العراق تحت الانتداب. ومنذ ذلك الوقت، ما زالت شعوب هذه المنطقة تصارع الاستعمار الخارجي والاستيطاني تارة، وحكم العسكر والاستبداد الداخلي اللذين أورثا الحروب الأهلية تارة أخرى. ولو نظر المرء إلى حال المنطقة قبل مئة عام، لوجد بارقة أمل كانت تلوح في الأفق، من خلال شعلة الحماسة المتقدة بالتغيير والارتقاء، بعكس هذه الأيام حيث تطغى روح الهزيمة والانكسار.

قبل عشرة أعوام، كنا وكانت بلادنا من تونس حتى اليمن على موعد مع العهد الجديد، لكننا الآن على حافة الانهيار الكبير، حروب طاحنة بين الفرقاء الدوليين في ليبيا وسورية واليمن، ينفذها الإخوة بدمائهم ومستقبل أبنائهم، فسادٌ وتسلطٌ وإمعان بالسخافة والانحطاط في كثير من ممالك وجمهوريات ممتدة من البحر إلى البحر. لم تأخذ هذه المنطقة خلال مئة العام المنصرمة فرصتها الحقيقية، ولو مرة واحدة، فالعراق القابع على ثالث أكبر احتياطي نفط في العالم غارقٌ في الظلمة والجوع والأوبئة، ولبنان الذي كان يومًا سويسرا الشرق بات متشحًا بسواد أكياس القمامة وقلوب أصحاب العمائم الطائفية. ومن لم تمزقه الحرب من هذه البلاد، كالأردن، تفترسه أنياب الحصار والفقر مع مشاريع صفقة القرن العابرة للحقوق بل للوجود ذاته.

وحدها تركيا نهضت من تحت الرماد كالعنقاء، وبعد أن كانت جيوش الحلفاء تحتلّ أجزاءً واسعة من أراضيها، وتحاصر إسطنبول وتفرض عليها شروطًا مذلة وفق بنود معاهدة سيفر، رأيناها كيف قاومت وحاربت حتى طردت كل الغزاة، وفرضت وجودها في معاهدة لوزان، في 24 تموز/ يوليو من عام 1923، وها هي تسلك طريقًا ثابتًا من النمو والازدهار والاستقرار، بعد صراع مرير مع العلمانية الصلبة المحمية بحكم العسكر وانقلاباتهم الدائمة. لا تُقارن تركيا اليوم بما كانت عليه قبل مئة عام، فهي في طريقها إلى الأمام تناطح دول أوروبا من جديد، على الرغم من الأزمات التي تمر بها الآن بسبب تعقيدات المشهد السوري، وعلى الرغم من مشاكلها الداخلية الأخرى التي لا تقل أهمية عن انخراطها المباشر في صراعات المنطقة. بالمقابل تغرق دول العرب من المحيط إلى الخليج أكثر فأكثر في الاستبداد والفساد والتخلف.

مصر التي كانت قبل مئة عام من الدول المتقدمة على مستوى المنطقة، والتي كانت -رغم خضوعها للاحتلال الإنكليزي- تلعب دورًا محوريًا ومهمًا في محيطها العربي والأفريقي، تقبع الآن رهينة الفساد وتسلط العسكر، وبعد أن كانت تتصدر المشهد الثقافي والفني والسياسي، وبعد أن كانت مركز الإشعاع الحضاري العربي، باتت الآن تابعًا لمحور النفط المعادي لتطلعات الشعوب الذي غزا المنطقة وأغرقها بالتخلف والفوضى والدمار.

مئة عامٍ مرت على مؤتمر سان ريمو، وما زالت بلادنا تعاني آثار ما اتفق عليه الحلفاء المنتصرون آنذاك، ورغم تغير موازين القوى كثيرًا منذ ذلك الحين، فإن الثابت الوحيد في خضم ذلك كله هو استمرار انحدار منطقتنا نحو الهاوية.

منذ مئة عام، دخلت المنطقة في صراع على الهوية، وسورية الكبرى التي حضر مؤتمرَها التأسيسي ممثلون من فلسطين والأردن ولبنان، باتت الآن جُزرًا متناثرة تحاصرها الانقسامات والاحتلالات. وبعد أن كانت مدن الشام، مثل نابلس والخليل ودمشق وحلب، ترسل المساعدات لشقيقاتها من مدن الحجاز ونجد، باتت الآن مثار سخريةِ إعلامٍ رخيصٍ يحض على استسخاف القضية الفلسطينية، واعتبار أهلها -أصحابِ الحق- مارقين على حضارة الدولة العبرية المشتهاة، تنفيذًا لصفقة القرن التي أتت لتثبيت عروشِ الاستبداد في ممالك النفط.

مئة عامٍ مرت على مؤتمر سان ريمو، وما زالت بلادنا تعاني آثار ما اتفق عليه الحلفاء المنتصرون آنذاك، ورغم تغير موازين القوى كثيرًا منذ ذلك الحين، بين فرنسا وإنكلترا وألمانيا وروسيا وأميركا والصين، فإن الثابت الوحيد في خضم ذلك كله هو استمرار انحدار منطقتنا نحو الهاوية، وتبعيتها لقوى الاستعمار بأشكالها المتجددة، وازدياد وتائر تفتتها وانقسام مجتمعاتها وتخلفها عن مواكبة ركب الحضارة البشرية. فهل على الأجيال القادمة أن تنتظر مئة عام أخرى، أم ما زال في نهاية النفق بصيص أمل؟!