نخضع منذ الصغر لمحاولات قولبة جاهزة ومحكمة، على جميع الصعد والمستويات، وغالبًا ما تنحصر ضمن ثنائيات مقيتة وحاسمة: أبيض-أسود، خير-شرّ، مهذّب-غير مهذّب، نعم-لا، والعديد العديد منها، وهذا يقودنا إلى استسهال الأحكام الجاهزة والناجزة والحاسمة تلقائيًا، من دون أي حاجة إلى التفكير أو التحليل، ومن تلك الثنائيات الجاهزة مقولة: “العلم نور والجهل ظلام”، والقاعدة السياسية التي تدعي “متانة النظم الديمقراطية”، وقس عليهما العديد من الأعراف والعبارات الناجزة والحاسمة، التي تخفي العديد من الحقائق المدوية في تلافيفها.

فيما يخص “العلم والجهل والنور والظلام”، يهدف هذا المثل الشعبي إلى تسليط الضوء على أهمية العلم، ودوره الحاسم في مجالات الحياة، وكأنه مصباح علاء الدين السحري الذي يفتح كل الأبواب المغلقة، بينما الحقيقية مختلفة قليلًا، وربّما كثيرًا. فصحيح أن العِلم يُعدّ وسيلتنا الفضلى للتغلب على مصاعب الحياة ومشكلاتها، وتطويعها في كثير من الأحيان، إلا أنّ مسار العلم والتعلّم الحقيقي مسارٌ صعبٌ حافل بالتعقيد، وبالأبواب المغلقة التي تحرّض طالب العلم على البحث والتجريب بغية فتح أحدها، وما إن يفتح أحدها حتى نصدم بعدد الأبواب المغلقة التي فتح الطريق لها. لا أعني فلسفة الموضوع بقدر ما أعني تصوير المسار العلمي الواقعي القائم على البحث الدائم والتجربة غير المنتهيين؛ فكل تقدم علمي هو مقدمة لتوارد الأسئلة والمسائل المستعصية على الحل، وذلك على عكس الفهم التقليدي المتداول الذي يحلم بالعلم الكامل والمتكامل والناجز لجميع المعارف. الأمر الذي دفعني إلى الاعتقاد -في مرحلة سابقة- بأن المقولة الأصدق ربما تكون معكوسة، أي إن الجهل نور والعلم ظلام؛ فصاحب الجهالة عابث وغير مدرك لحجم الأخطار التي تحيط به، لذا فهي لا تقضّ مضاجعه، على حين أن صاحب العلم، على النقيض تمامًا، غارقٌ في مئات الأسئلة والمخاوف، من نتائج هذا الفعل أو ذاك، ومنها ما هو مفتوح على المجهول أحيانًا، مما لم يحسمه العلم بعد، مما يثير الريبة والقلق ويحفز على البحث العلمي والاستقصائي، وكأنه هو القابع في ظلام الواقع الصعب، على عكس الجاهل المنتشي بأنوار خادعة وكاذبة متخيلة، لكنها جميلة.

وينطبق هذا الأمر كذلك على الديمقراطية، التي تحوّلت، بفعل تسطيحها وتنميطها، إلى مجرد روتين انتخابي سخيف خالٍ من مضمونه الأساسي والجوهري؛ فالديمقراطية -بالأساس- هي عملية معقدة ومركبة، تهدف إلى تحقيق العدل والمساواة بين الجميع، على قاعدة إلغاء التمييز والتمايز القسري، سواء أكان تمايزًا ماليًا أم عقائديًا أم جندريًا أم أي شكل من أشكال التمايز الأخرى، وعلى ذلك؛ فالديمقراطية هي وسيلة لتحقيق العدالة والمساواة والحرية لجميع البشر دون تمييز، وهو ما يشير إلى أحد أهم شروطها المنسيّة والمخفية، المتمثلة في التأسيس لمجتمع واع لحقوقه وواع لواجباته، وقادر على نبش الحقائق وتحليلها بعلمية وموضوعية. في حين تحولت الديمقراطية المعاصرة إلى مجرد إجراء انتخابي يمنح المنتخبين حق الاختيار الشكلي، بين خيارين أو ثلاثة أو حتى مئة من الخيارات المتشابهة في خواتيمها، فجميعها خيارات لا تحقق أهداف الديمقراطية الجوهرية في التأسيس والحفاظ على مجتمع، تسود فيه قيم العدالة والمساواة والحرية بين جميع أبنائه.

ومما يظهر من التدقيق، في البيانات الوطنية والعالمية العديدة، مدى توسّع الفجوة المعرفية والمالية داخل الدول وفيما بينها، حيث تعكس الأرقام حجم الكتل الاجتماعية المفقرة، حتى في دول العالم المتقدّم المعروفة سياسيًا بـ “الدول الديمقراطية”، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، كما تعكس مدى انحسار الفرص التعليمية، وتصاعد المظالم الاجتماعية والاقتصادية، استنادًا إلى تباين القوة والإمكانات بين مالكي وسائل الإنتاج والعاملين بها. وبناء على ذلك، تمّ نسف القاعدة الأساسية المؤسسة للعملية الديمقراطية، عبر خلق مجتمعات متباينة في القدرات والظروف، وفي الإمكانات، الأمر الذي انعكس بأشكال عديدة مشوهة، وإن حملت عناوين ديمقراطية، أو تمت عبر عملية شكلية انتخابية.

شهدنا أحد مظاهر تلك الحال البائسة في واشنطن، قبل بضعة أيام، عندما اقتحم مجموعة من المتظاهرين مبنى الكونغرس الأميركي، معبّرين عن تمسكهم بما يعتقدونه “حقّ ترامب بولاية رئاسية ثانية”، وربما ثالثة ورابعة، طبعًا لا فائدة تذكر هنا من محاولة معالجة المسألة عقلانيًا؛ إذ لا تستند البنية السياسية الأميركية إلى أي منطق ديمقراطي حقيقي في جميع تفاصيلها الرئيسية، من حيث قوة الولايات وقوة تمثيلها، وقاعدة الاحتساب الانتخابي، أو ما يعرف بالمجمع الانتخابي، ومن ناحية التمايز العرقي والقومي، ومن غياب المعايير الجامعة والبنية التحتية المتساوية، ومن ناحية التحرر الاستهلاكي والاستعباد البشري، وغيرها الكثير الكثير من التناقضات الصارخة التي أسهمت في تحويل الانتخابات إلى مجرد معركة تافهة وشكلية، كان من السهل إدارتها في السنوات الماضية، وفق نمط بيروقراطي ثابت دون أي مفاجئات أو تقلبات تذكر، إلى أن صعد ترامب رئاستها. ولم يجد ترامب أي غضاضة من كسر نمطية الصراع السلطوي في أميركا، دون أي مساس بجوهر الصراع، فقد سار ترامب وفق قواعد اللعبة الأميركية الجوهرية القائمة على سحق أسس الديمقراطية الاجتماعية والاقتصادية بل السياسية، عبر تغييب قيم الحرية والعدالة والمساواة بين الجميع، في حين عمل على إجراء تبديل في طبيعة الصراع وشكله، ليحوّله من صراع صناديق، إلى صراع نفوذ وسطوة، ولذا لم يتوانَ ترامب عن إبراز قدراته الاجتماعية، عبر حثّ حاضنته الاجتماعية على التعبير عن ولائها له، ودفعها إلى أقصى درجات التنمر والتمرد والرفض، التي توجت اقتحام مبنى الكونغرس.

فمن ناحية شكلية بحتة، يحمل سلوك مؤيدي ترامب الروح الديمقراطية التي عمل طويلًا على تكريسها أميركيًا وليبراليًا، فهي مشهد احتجاجٍ شعبي ذي سلوكات عنفية محدودة، مع بوادر لتحوله إلى سلوك عنفي خطير، بحكم الأسلحة والمعدات الحربية التي يملكونها شرعيًا، وفق القانون الأميركي ووفق القاعدة الأميركية القائمة على تكريس الحرية الاستهلاكية، والأسلحة سلعة، كما نعلم، وفق الفهم الليبرالي. وبذلك هذه نتيجة مفاجئة، لكنها طبيعية لانحطاط الديمقراطية الأميركية، أخلاقيًا وقيميًا، بالحد الأدنى، أي حصر الديمقراطية بعملية انتخابية دورية والحرية بالتحرر الاستهلاكي، والمساواة بحق المشاركة الانتخابية، في حين حوّلت العدالة إلى جسم هلامي، وفق الحالة التي نعالجها، بشرط عدم مساسها بحق أصحاب رؤوس الأموال في التربح ومراكمة الأرباح.

لا أعلم سبب أصرار البعض على اعتبار أحداث واشنطن انقلابًا ترامبيًا، بينما هي مجرد تمرّد، وربما أقلّ من تمرد، لكونها نتاج ديمقراطية شكلية مقيتة ومشوهة، إذا ما قارناها بالمعايير الديمقراطية التي تصبو إليها الغالبية البشرية، باستثناء أصحاب رؤوس الأموال؛ فعندما نستسهل البناء الديمقراطي ونحوّله إلى مجرد إجراء انتخابي دوري خاو من مضامينه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، سوف نصل إلى مرحلة يقودها ويؤثر فيها أحد معاتيه ومجانين هذا العالم الاستغلالي الظالم.