مع نهايات “الخريف العاشر” للانتفاضة الوطنية السورية، والأمل بأننا مُقبلون على الربيع المزهر؛ لا أعلم هل السوريون في أزمة أم أن هذا العالم هو المأزوم؟

وهل صحيح أن التنظيم الدولي المتمثل بالأمم المتحدة عجز عن إيجاد الحلّ؟ بل هل تملك المنظمة الدولية هذه القدرة والإمكانية على ذلك؟ في الواقع، هذه المنظمة ما هي إلا صورة الواقع السياسي الدولي كما هو، وهي دلالة على ضرورة إنتاج نظام عالمي جديد، يكون قادرًا على التعامل مع الصراعات الدولية من جهة، والأزمات السياسية وتجنيب المدنيين الأبرياء أخطار تضارب المصالح، وتجاوز قضية استعصاءات مجلس الأمن الذراع التنفيذية للأمم المتحدة، ووضع أسس لاستعمال حقّ النقض من قبل الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي (الفيتو )، وتصويب هذا الحق وعدم تركه مطلقًا، وتقييده بما يجعله يفيد الغاية والهدف من إنشاء التنظيم الدولي في تحقيق السلم والأمن والاستقرار في العالم والحد من النزاعات المسلحة والحروب وحلّ الإشكالات والخلافات بالطرق السلمية والدبلوماسية من خلال القانون الدولي .

كيف لنا -كمجتمع إنساني- تجاوز المأساة السورية المستمرة، فلا طريق لتطبيق القرارات الأممية، ولا حلول في الأفق خارجها!

ومع مرور هذه السنين التي يحسبها السوريون بالأيام، ويؤرخون لها من خلال ذكرياتٍ أقلُّ ما يقال عنها إنها مفزعة، حيث تزدحم الذاكرة القصيرة للسوريين بكثيرٍ من الأحداث والأهوال، بات لكلّ سوري قصة، ولكل قصة شجون وآلام، ولم تستثن هذه السنين أي سوري، ولم تراعِ المواقف السياسية لهم على اختلاف اصطفافاتهم، وإن دلّ هذا على شيء، فإنما يدل على حقيقةٍ لا يمكن تجاوزها، ألا وهي وحدة الشعب السوري ووحدة مصيره.

سنوات المخاض الصعبة لم تترك أسرةً من دون أن ينالها نصيبُها من الضنك والضيق والجراح. القضية السورية، كما يطلق عليها، كانت زلزالًا أدّى إلى انتشار السوريين في أصقاع الأرض ناقلين معهم حزنهم وثقافتهم، فكانوا أيضًا كملح هذه الأرض، وكأننا رسالة الله إلى شعوب الأرض، بعد أن توقفت الرسالات السماوية، لمراجعة مسيرة الإنسانية، ودقّ جرس الخطر لتغوّل قوى الشر في العالم، وعجز التنظيم الدولي والمنظمات الإنسانية عن حماية طفلٍ من أن يموت بالسلاح الكيمياوي، أو تحت أنقاض بيته، أو بين ذراعي أمه من الجوع والبرد، أو أن تنقذ معتقلًا بريئًا من سجن ظالم.

نعم أصابتنا مشاعر الندم. الشعب السوري ندم على اعتقاده وأمله بأن العالم سيرحب بالديمقراطية. فنحن من دول العالم الثالث الذي تريد شعوبه اللحاق بالعالم الأول، والتنعّم بمزايا التداول السلمي للسلطة، وأن يتقاعد المسؤول ويحاسَب، وأن تكتحل عيون المواطنين برؤية حاكم سابق، رئيس أسبق… وخاصة أننا في القرن الحادي والعشرين، عصر التطور العالمي والتواصل وتخطي حدود الدول التقليدية، عصر الانفتاح الواسع على الآخر وعلى احترام ثقافة المختلف والتنوع، عصر التغني بالمساواة والعدالة….

وندم على اعتقاده أن الأشقّاء والأصدقاء سيدعمون المطالَب المحقة في العيش الكريم… وندم على أحلام الأمم المتحدة وحقوق الإنسان… وندم على الموت في المعتقلات… وفي عرض البحار…. وفي الغابات خلال مغامرات التهريب، أو برصاص حرس الحدود، وعلى الموت بالبراميل وبالكيمياوي… وبالأسلحة التي جربتها قوى الإجرام دون أي وازع أخلاقي أو قانوني.. وعلى النزوح واللجوء وعلى الاغتراب والهجرة.. وعلى العيش في المخيّمات والعراء في البرد والحر.. وعلى منع الدخول ومنع الزيارة ومنع العودة…. وعلى الانتظار للحصول على الجواز الأعلى رسومًا، دون ميزة…. وعلى البطاقة الذكية وانعدام الخدمات، من كهرباء ومحروقات.. وحلم الوصول إلى خط الفقر..

وهناك ندم سياسي على السيادة الوطنية.. في ظلّ جيوش العالم وميليشيات الشرّ… وندم على خسارة كذبة الممانعة والمقاومة.. وندم على العيش الذليل تحت الأجهزة القمعية المسماة أجهزة الأمن.. وعلى الميزانية العامة للدولة التي يذهب 80 % منها إلى الجيش والقوات المسلحة التي اكتنزت أدوات قتله وتعذيبه….

لماذا لا يندم؟! وقد عملت بعض القوى والأنظمة على تعميق هذا الشعور بالندم، لكي نكون عبرة للشعوب التي تفكر في نيل الحرية والديمقراطية ….

“ندمان يا سيدي؛ نعم ندمان”.. الشعب السوري نادم على السنوات التي مرّت قبل اندلاع الثورة، والتي كانت تتسم بإستراتيجية (الحيط الحيط). ومبدأ (يلي يتجوز أمي بصير عمي).. وأن (للحيطان أذان)…. لقد دفعنا ثمنًا باهضًا… وسيكون الندم الأعظم، إن تنازلوا أو تقاعسوا.

ليس للسوري إلا السوري، ولا سبيل لخلاصنا إلا بوحدتنا وعملنا المشترك، لتجاوز الدكتاتورية ونبذ كل التصرفات المسيئة وإعلاء كرامة الإنسان وصون حريته.

لا يمكن العودة إلى الوراء، إلى الحال التي كانت قبل انبثاق فجر التغيير، حتى لو أردنا، وعلى افتراض بعض السوريين أننا (كنّا عايشين)… وبرأيي، لو (كنا عايشين) في حالة طبيعية لما اندلعت الثورة، وحتى لو اندلعت، كان من الممكن استثمارها لنهضة المجتمع، لا لتدميره بحجج واهية، تارة “مندسون”، وتارة “عملاء”.. إلا أنها استمرت متفردة متمردة هي، وما حدث من تكالب عليها لم ولن يوقفها؛ فهي ليست حالة صراع على السلطة ينتصر طرفٌ فينتهي الطرف الآخر. هي عملية تغيير شاملة للمجتمع السوري وللنظام العام، ومن ضمنها السلطة الحاكمة السياسية والعسكرية الأمنية والاقتصادية. وما جعلها عسيرة هو عدم وجود قواعد للتغيير، بسبب النظام الدكتاتوري وسياسة قمع الحريات وعدم وجود مجتمع مدني فاعل، وتحطيم الحوامل الوطنية السياسية، من خلال سياسة الحزب الواحد و الجبهة الوطنية ومنع ترخيص الأحزاب والجمعيات المدنية.

هي مستمرة، لأنها من سنن الكون وطبيعة الحياة، وسيأتي الربيع….