بعد عشر سنوات من ضخّ الدماء والتضحيات الكبرى التي قدّمها السوريون من أجل مستقبل مشرق لبلادهم، وبعد كمّ هائل من القتل والتدمير والتهجير والتغيير الديموغرافي؛ بات السوريون جميعًا يعيشون حياة أليمة متشابهة دون تمييز، سواء أكانوا يقيمون في مناطق سيطرة الأسد وحلفائه إيران وروسيا، أم في مناطق سلطات الأمر الواقع في باقي أجزاء سورية. لقد توحّد السوريون في المعاناة، ويجب أن يفتح ذلك عيونَهم على وحدة المصير والهدف، وهو إنقاذ سورية من الكارثة التي فرضتها عصابة الأسد مدعومة من حلفائها، في ظل صمت وتخاذل دولي سافر أمام إبادة الشعب السوري بكل شرائحه.

لكم كان الحلُّ سهلًا في السنتين الأوليين من الثورة، قبل التوغل في دماء السوريين، وقبل زرع الفتن الطائفية، وقبل ظهور ميليشيات إرهابية تحت شعارات دينية أو طائفية قومية مزيفة، ولكن لم يرد أحدٌ من القوى المؤثرة مساعدةَ الشعب السوري في الخلاص من الظلم، وفرض القرارات الدولية التي عليها إجماع عالمي، ولم يرفضها سوى نظام الأسد، ولم يصدق حلفاؤه في الدعوة لتطبيقها، وكذلك القوى الدولية والإقليمية الأخرى لم تمتلك الإرادة السياسية لفرض القرارات الدولية على نظام الأسد.

وهكذا نرى أن جميع هؤلاء يناسبهم كلّ ما جرى، حيث أصبحت سورية دولة فاشلة مدمّرة، يعيش فيها شعب جائع مريض وفاقد للأمان والاستقرار. أما الأسد وداعموه فما زالوا يرددون شعارات طنانة عن سيادة سورية ووحدة أراضيها، علمًا أن الأسد فرّط بكرامة المواطن وسيادة البلاد، بجلبه لميليشيات طائفية وقوى دولية تدافع عنه، ولو على حساب سيادة البلد ووحدته. لقد أصبحت سورية ممزقة وموزعة بين نفوذ دول وميليشيات أجنبية ومرتزقة ومتطرفين، وكلّهم ينهش جسم هذه البلاد، ويأكل لحم أهلها، عن طريق التغاضي عن أي مساعدة للناس، أو نهب ثروات البلد بيد أمراء الحرب وتجار الدم، كما يحدث في مختلف المناطق.

أقول هذا الكلام لكي أناقش الموقف الروسي والأميركي اللذين منعا حدوث حلّ سياسي، وحافظا على نظام الأسد، بالرغم من التصريحات والممارسات المختلفة للبلدين، ولكن النتيجة واحدة، وهي أن سورية على حافة الزوال كدولة. والسؤال الذي يطرحه كثيرون: لماذا لم تقدّم روسيا ولا أميركا حلًا سياسيًا يخلق استقرارًا في سورية ويُخرج شعبها من الهولوكوست الذي يعيشه؟!

أذكر أنني في سنة 2013 تقدّمت إلى السيد ميخائيل بوغدانوف بمقترح بتطبيق السيناريو اليمني في سورية، وذلك بتكليف فاروق الشرع، وهو ابن النظام، برئاسة البلاد بدلًا من بشار الأسد، وتطبيق حلّ سياسي. كما أجبر الحل في اليمن علي عبد الله صالح على التنازل عن الرئاسة، مع ملاحظة أن الإخوة اليمنيين ارتكبوا خطأ ببقاء صالح في اليمن، وكان يجب تنظيف المؤسسة العسكرية من أتباعه. وحينئذٍ رد السيد بوغدانوف بأن هذه الفكرة جيدة، ويجب التفكير بها! وإلى اليوم لم يردّ عليها.

وأعدتُ طرح الموضوع على شكل مبادرة لإنقاذ سورية عام 2018، وكان جوهرها أن سورية تحتاج إلى تغيير يخلق حالة استقرار، وهذا من مصلحة روسيا قبل غيرها، وقد أثبتنا منطقيًا ضرورة أن تكون سورية الجديدة من دون الأسد وحاشيته، وأن فاروق الشرع أو الدكتور عارف دليلة يمكن أن يقود المرحلة الانتقالية، لأن الشعب السوري ليس عدوًا لروسيا تاريخيًا، مع أن صورة روسيا تغيّرت بسبب تدخلها العسكري ودعمها لنظام الأسد المجرم الفاسد. وأرسلتُ المبادرة إلى أعلى الجهات في موسكو، وكان الرد بأنها إيجابية. ولكنها لم تطبّق!

وفي 2020، أعدنا المقترح للروس، وللتاريخ أهمية كبيرة كون المعطيات والظروف تغيرت، ففي 2020 توقفت تقريبًا العمليات العسكرية، واعتبرت روسيا نفسها منتصرة في الحرب، وحان وقت عملية إعادة البناء والإعمار السلمية. وهنا تحتاج روسيا الى تمويل، لا تملكه هي ولا إيران (حليف النظام الآخر). وبقي أن تمد يدها الدول الغربية والخليجية لتقديم الدعم المالي، فالجميع تقريبًا اشترطوا إجراء تغيير سياسي، وفق القرار الدولي 2254 لعام 2015.

منذ أيام، اتفق الليبيون على حلّ سياسي، يضمن سيادة ليبيا واستقلالها، من خلال انتخاب مجلس رئاسي مكون من ثلاثة أشخاص يمثلون الأقاليم الليبية الثلاثة، ورئيس للحكومة الوطنية المؤقتة، وبهذا بدأت مرحلة البناء والاستقرار في ليبيا، وأصبح الليبيون سادة أنفسهم. وكان موقف موسكو قريبًا من موقف حكومة الوفاق المدعومة من تركيا، بالرغم من أن موسكو كانت تدعم حفتر، الذي حاول فرض دكتاتورية في ليبيا، وشن هجومًا واسعًا على طرابلس محاولًا دخولها، لكنه فشل.

فلماذا لا تقدم موسكو على تفاهم وتنسيق مع القوى والنخب الوطنية السورية، ومع القوى المعتدلة في النظام، لتقديم حل سياسي يرضي الشعبَ، لا بشار الأسد؟ فبشار طاغية دمّر كلّ شيء، وهو جزء من المشكلة، ولا يمكن أن يكون جزءًا من الحل.

واليوم، بات الوضع السوري في طريق مسدود، وخاصة بالنسبة إلى موسكو! فالنظام يلعب بذيله ويعاكس الموقف الروسي في اللجنة الدستورية، وفي التعاون الاقتصادي، وفي أمور أخرى، وهناك تسريبات بأنه مستعد لتدوير الزوايا 180 درجة، ليتجه بعدها إلى الغرب. وهذا الاحتمال يسبب وجع رأس كبير لموسكو، بعد كل ما قدمته للنظام السوري، وكما قال لافروف “لولا موسكو لسقطت دمشق”، وهو صادق، لأن موسكو بتدخلها العسكري في 30 أيلول/ سبتمبر 2015 أنقذت النظام من الهلاك.

ومع ذلك، فالأسد لا يصدق التعامل مع الروس، وبدأ الروس يشعرون بذلك، وهذا يفسر المقالات الناقدة بقوة للمحلل السياسي والمقرب من الجهات الرسمية في موسكو، حيث وجّه السهام ضد الأسد، فاضحًا ضعفه في إدارة البلاد، وذكر أن شعبيته لا تصل إلى 20%، وتحدث عن انتشار الفساد في عائلته ومحيطيه وفي مجمل النظام، وكذلك عن تبجح النظام ومناداته مدعومًا من إيران بالحلّ العسكري، بالرغم من أن موسكو تردد ليل نهار أنها تريد الحل العسكري، لأنه بالفعل لم يعد من مصلحتها فتح معارك والاصطدام مع تركيا أو أميركا.

وشهدنا في الآونة الأخيرة نشر مقالات في وسائل الإعلام الروسي، تنتقد النظام وممارساته، وتنتقد إيران، ولذلك استنفر سفير الأسد في موسكو، وقدّم ردودًا على المقالات، واتهم الكاتب الروسي المرموق بأنه يكتب أشياء غير صحيحة، وشكّك في مصادره، وقال إنه يشوه سمعة النظام السوري، وما إلى ذلك من هذا الكلام الذي يدعو للاستغراب! وقد قال لي صديق إعلامي روسي: هل يُعقل أن النظام السوري يتصرف في موسكو وكأنه صاحب البيت، فهو يحدد ما هو مسموح نشره، وما هو ممنوع، وفق نظرية الأسد الإعلامية التي يعرفها السوريون؟ قلت له: “تستحقون ما يحدث لكم، هذا جزاء الدعم الذي قدمتموه للأسد، وهو ليس حليفًا لكم ولا صديقًا، وسيبيعكم في أرخص الأسواق”.

وبالمناسبة، التقييم نفسه ينطبق على إيران التي تحالفت عسكريًا مع روسيا في الدفاع عن نظام الأسد، وكلٌّ يغني على ليلاه، ولكن كلًّا منهما لا يثق بالآخر ويخاف أن يبيعه للغرب.

ألم يحن الوقت لتتقدم موسكو بمقترح سياسي عقلاني، يرضي الشعب السوري، ويحافظ على مصالحها ويستقطب توافقًا دوليًا؟

حتى فكرة المجلس العسكري المتزامنة مع هيئة حكم انتقالية، لقيادة المرحلة الانتقالية، يمكن أن تكون مخرجًا من المستنقع السوري، على أن يتم تشكيل تلك الهياكل الانتقالية من شخصيات لم تتلطخ أيديها بالدم السوري الطاهر ولا بالفساد الكبير. وعندئذ سيربح الجميع الذين يريدون الخير لأنفسهم ولسورية.

أتمنى ألا تستمر موسكو في مقاربتها للملف السوري، بالطريقة المستمرة من 10 سنوات، وهي تلميع صورة النظام، وتشتيت المعارضة وإضعاف دورها؛ فنحن نرى أن الثورة قام بها الشعب السوري، وليس المعارضة، وإذا كانت قيادات المعارضة السياسية والمسلحة قد فشلت؛ فإن الشعب السوري حيّ يرزق، ولا يمكن لأي حل أن يعيش من دون رضاه.

لتكن القيادة الروسية على ثقةٍ بأنّ هدف الوطنيين السوريين ليس معاداة موسكو، ولا التبعية للدول الأخرى، إنما هدفهم هو التغيير السياسي، بحيث تتحول سورية إلى دولة مدنية عصرية، يُحترم فيها الإنسان أمام القانون، وأن تكون سورية وطنًا حرًا كريمًا لكل السوريين.