هناك جدل يدور في أوساط الكيانات السياسية السورية “الوطنية”، حول مسألة مشاركة المرأة في إدارة العمل العمومي، وبوجه خاص العمل السياسي.

تمتلك المرأة طاقة كبيرة تعادل نصف طاقة المجتمع كمّيًا، وقد تمثّل أكثر من ذلك نوعيًا، عند الأخذ في الاعتبار أدوارها غير التقليدية وتنوع قدراتها، وما يمكن لها أن تقدّمه في مجتمع يمرّ بأزمة وجودية عميقة، كالمجتمع السوري.

انخرطت المرأة السورية في أعمال وفعاليات الثورة، من دون إذن أحدٍ، حيث وجدت نفسها في قلب الحدث، تعبيرًا عن مخزونٍ عميق هو مزيجٌ من استياءٍ وغضبٍ وكُرهٍ وقرفٍ من حالٍ أقلّ ما يمكن وصفها بأنها حال الخوف والقلق والشعور بالتهديد وضحالة مقومات الحياة أو مؤشرات الحياة الطبيعية.

شاركت المرأة باعتبارها زوجةً وأمًا وبنتًا وأختًا.. في كل الفعاليات السلمية الخادمة للثورة، وامتد نشاطها إلى مرحلة بدء عسكرة الصراع، وتابعت عملها في إعالة أولادها، وبخاصة حينما فقدت معيلها التقليدي، حين وجدت نفسها في وضعٍ فرض عليها متابعة دورها التقليدي داخل المنزل/ الخيمة، وانخرطت في أدوارها الجديدة المتمثلة بأعمال كسب الرزق خارج المنزل، فضلًا عن انخراط بعضهن في الأعمال التطوعية، خدمة لعائلات أو نساء وأطفال كسرتهم الحرب بقسوتها.

لقد فجرت الثورة وما آلت إليه الظروف اللاحقة المليئة بالتحديات المختلفة، طاقات المرأة السورية؛ حيث برزت نساء ونسويات بَرعنَ في العديد من الأعمال المجتمعية، بدءًا من أصغر خلية/ مؤسسة اجتماعية، إلى أوسع المنظومات المجتمعية خدمة للقضية الأكبر لشعبها، وقد نجحت في الانخراط في تلك الأعمال إلى جانب الرجل، وفي قيادة العديد من المشروعات. وفي حديثنا هذا، لا نخص امرأةً ذات خصائص معينة، فقد عَبَرتِ المرأة بنشاطها الاجتماعي -العمومي- كلّ الحواجز الدينية أو المذهبية أو الاثنية أو الاجتماعية، على مدى العقد المنصرم.

وبعد ما آلت إليه المسألة السورية، يتجدد السؤال المتعلق بدور المرأة/ أدوارها التقليدية والمستجدة، هل تعود لممارسة دورها التقليدي (متفرغة لأعمال المنزل)؟ أم أنها قادرة على تنويع أدوارها داخل المنزل وخارجه؟ وهل يمكن لها أن تضطلع بمهام ومسؤوليات قيادية في المؤسسات والهيئات ذات الصفة العمومية؟ وكيف يمكن حل مسألة تمثيل حضورها في الهيئات المختلفة، راهنًا ومستقبلًا؟ وما الاعتبارات التي يجب على قادة القطاعات المجتمعية أخذها بالاعتبار، عند التفكير بتمثيل المرأة ومشاركتها في إدارة تلك القطاعات؟

يمكن تلخيص المواقف المتداولة عادة حول دور/ أدوار المرأة، والمدى الذي يمكن أن تصل إليه، من خلال عرض الذهنيات التالية:

* رفض انخراط المرأة في الأعمال غير التقليدية/ خارج المنزل، وبكل تأكيد، رفض فكرة تمكينها، بل عَدُّ الفكرة بحد ذاتها مستوحاة من الغرب الذي لا نثق به. يجري هذا الرفض عادة انطلاقًا من خلفيات ثقافية موروثة، هي مزيج من أعراف وتقاليد اجتماعية مغطاة بغلاف من أفكار دينية تمنحها قوة تأثير وردع كافية لإقناع النساء بالكفّ عن التوجّه إلى العمل العام.

* الموافقة على مشاركة المرأة الرجل في الأعمال العامة، ما دامت مهيأة لأداء تلك الأعمال، ولسان حال هؤلاء يقول: “نحن مع مشاركة المرأة في المسؤوليات، حينما تتوافر لديها القدرات المطلوبة، ومستعدون لمنحها مزيدًا من المساهمات، استنادًا لتطور أعداد الكفؤات منهن”. وهؤلاء على علم بأن عدد المؤهلات لتحمّل المسؤوليات القيادية قليلٌ في المجتمع، نظرًا للتهميش التاريخي الذي لحق بالمرأة، وعدم إنصافها في ميادين النشاط المختلفة، اقتصاديًا وتعليميًا واجتماعيًا…

* الدعوة إلى منح المرأة ضمانات قانونية بمشاركتها عبر حصة نسبية (quota) تحفظ لها حقها بالمشاركة في المسؤوليات غير تقليدية، وذلك انطلاقًا من أهمية وجودها في مختلف مواقع النشاط الإنساني العمومي، ويعتقد هؤلاء بأهمية تطور القوة البشرية، بغض النظر عن النوع الاجتماعي لتلك القوة، عبر الممارسة الحية للمسؤولية، وزيادة مساهمتها تدريجيًا مع كل تقدم تحرزه في تطورها ونمو قدراتها، في سياق عملية التنمية الشاملة وما تتضمنه من برامج تهدف إلى زيادة تمكينها عبر تهيئة الإمكانيات والظروف الداعمة لتطورها.

هنا، يؤدي منح المرأة حصة نسبية في الهيئات المختلفة دور المعزز، يكون بمنزلة التمييز الإيجابي، استدراكًا وتعويضًا لما لحق بها من تمييز سلبي معادل لتهميشها وتنميط أدوارها عبر زمن طويل، يُسهم في ردم الفجوة الجندرية. وقد تبنّت هيئة الأمم المتحدة مبدأ الحصة النسبية/ الكوتا، وتدعو البلدان المختلفة للأخذ بالمبدأ، خصوصًا في المناطق التي شهدت نزاعات داخلية، وتمر بمراحل نمو انتقالية.

ما الأساس النظري الذي يبرر اعتماد الكوتا بشكل عام؟

لقد أدت أبحاث بيير بورديو (Pierre Bourdieu ) عالم الاجتماع الفرنسي إلى فهم المزيد عن الآليات التي تُمكّن الطبقات الاجتماعية المهيمنة من انتاج وإعادة إنتاج ذاتها، واستمرار بقائها في أعلى السلم الاجتماعي، بمساعدة منظومة التربية، باعتبارها الجهاز الذي يقوم بوظيفة الاصطفاء الاجتماعي وممارسة العنف الرمزي بحق الطبقات المحرومة، وبالتالي استمرار دورها في توليد الطبقات الاجتماعية.

إن العامل الحاسم في نجاح جهاز التعليم بعملية الاصطفاء الاجتماعي هو ما يحوزه أبناء الطبقات العليا من رأس مال ثقافي Capital Cultural[1]، وهذا يعني -بحسب بورديو- “جملة المــوارد التــي يحوزها الفاعل الاجتماعي من خلال علاقتــه بالثقافة، سواء كانت مــوارد موروثة، من خلال كل ما يحوزه الفرد في عملية التنشئة الاجتماعية، كاللغة وأنماط التفكير والاستعــدادات ونُظم المعاني، أو موارد مكتسبة من خلال المؤهــلات التعليمية التي يتم التعبير عنها من خلال عدد السنوات التي يقضيها الفرد في التعليم”. جميعها تشكل ظروف حياة الشخص، ومن شأنها أن تساعده في تحقيق مكانة أفضل في التسلسل الهرمي الاجتماعي.

 وهكذا، فالطبقات الغنية -صاحبة رأس المال الثقافي الأرفع- تولِّد الأغنياء، والطبقات الفقيرة تولِّد الفقراء. في البلدان النامية، على الرغم من اختلاف الديناميات الاجتماعية السائدة فيها عمّا هي عليه في البلدان الغنية، رصدت دراسات اجتماعية – تربوية ظاهرة العنف الرمزي، ودور رأس المال الثقافي والنظام التعليمي في احتفاظ الطبقات الاجتماعية بمراكزها وقواها واستقرارها النسبي.

واستنادًا إلى دراسات اجتماعية تربوية، حول المرأة الريفية السورية، توصلت دراسات محلية [2] إلى ما يمكن أن نطلق عليه بـ “متلازمة الحرمان”، وترجمتها تعني جملة الحرمانات: المادية والثقافية – التعليمية، والصحية والاجتماعية والبيئية، فضلًا عن الحرمان من الحرية والمشاركة السياسية، فهي بمجموعها، عند وجودها لدى فئات اجتماعية معينة، مثل فئات من النساء، تشكل متلازمة متآزرة ومتفاعلة، تعوق المآل النهائي عن إمكان تحرر هذه الفئات، وتحد من قدرات أفرادها على تغيير موقعهم/ن الاجتماعي، من دون توافر عوامل دعم تأتي من خارج منظومة الفقر المستحكمة.

ونضيف إلى ما تقدّم ثقل الإرث الاجتماعي على الفئات المحرومة ذاتها، بما يضمّه هذا الإرث من أعراف وتقاليد وأفكار ذات صبغة دينية من رجال دين تقليديين، في مجتمعات تقع على حافة التخلف قد مارس نفوذه وسطوته على الأنثى منذ صغرها، وطبَّعها على قناعات مثل: الرضا والقبول والتسليم بما هو متعارف عليه، فأفقدها ذلك ثقتها بنفسها وبقدراتها وإمكاناتها، إلى الحد الذي باتت عنده تصدق رواية أنها كائن لا يكافئ الذكر في العائلة وفي المجتمع، ولو سُئلت عن حقوقها، فقد لا تدري بمَ تجيب.. فبعض البيئات تَعُدُّ المرأة التي تطالب بحقها عند أي مستوًى متمردةً، بل عاقّة.

ما يهمّنا، من خلال عرض فكرة بورديو حول الاصطفاء الاجتماعي والعنف الرمزي ورأس المال الثقافي ودور المؤسسة التعليمية في ذلك، في سياق تناولنا مسألة تمكين المرأة والكوتا النسائية، هو القول بأنه ليس يسيرًا على من يقع في أدنى السلم الاجتماعي (الأكثر حرمانًا) النهوض اعتمادًا على قدراته الذاتية لا غير، والتمكن من تغيير وضعيته ومكانته الاجتماعية، كي يكون قادرًا على المنافسة المُنصِفة في السّباق على الفرص التي توفرها الحياة. فغالبًا ما يكون الفوز من نصيب أبناء الطبقات الأكثر تمتعًا بالقدرات الثقافية بالمعنى الذي قصده بورديو، ما يعني انسداد آفاق الحراك الاجتماعي الاقتصادي لأبناء الطبقات المحرومة. فالطبقات الغنية كانت قد بنت آليات اجتماعية – اقتصادية، تمكنها من إعادة إنتاج ذاتها واستمرار هيمنتها.

وبالرغم من ذلك، فقد أفادت دراسات الأمين والمعلولي[3] بأن ثمة إمكانية في المجتمعات النامية لظهور حراك اجتماعي رأسي بين الطبقات، يُمكِّن بعض الفئات المحرومة -وفي مقدمها المرأة- من الصعود في السلم الاجتماعي، بفعل توافر عوامل وشروط التحفيز الايجابي لدعم تلك الفئات، من خلال دفعات أولى تمكنهم/ن من النهوض. فقوة الإرادة السياسية وجملة الإجراءات القانونية والتعليمية والاقتصادية… يمكن أن تُحفز على إحداث بعض التقدّم في أوساط الفئات الضعيفة، ولكن بشرط سياسي – ثقافي، يوفر الحد المقبول من الحرية والعدالة الاجتماعية.

ينفي المقصد من الترويج للتمييز الإيجابي للمرأة قيمةَ ما تفعله بعض النظم السياسية التي تدعي المساواة الجندرية، من خلال إحضار عددٍ من السيدات ووضعهنّ في بعض الأطر الوظيفية (القيادية) لتكون بمنزلة دعايةٍ لتلك النظم في المحافل الدولية، ولتبدو ذات سلوك حضاري-إنساني.

لكلّ ما سبق، أدعو إلى ضرورة دعم حضور المرأة، من خلال الأخذ بمبدأ “التمييز الإيجابي“، في مقابل مواجهة التمييز السلبي المعادل لمبدأ عدم الإنصاف واستمرار التهميش.


[1] Pierre Bourdieu. (1980), The Forms of Capital, In J.G. Richardson (ed), Handbook of Theory and ـ 7 Research for The Sociology of Education, Greenwood press, New York,

[2] راجع: دراسات المعلولي:

 * خصائص الأسرة الريفية المهاجرة والمقيمة في مناطق السكن العشوائي في دمشق وضواحيها، 1999 بحث علمي منشور بعنوان: كفاية التربية منشورات دار الإعصار العلمي الأردن – عمان 2015.

* بنية الأسرة الريفية وعلاقتها بالتربية – دراسة في غوطة دمشق، منشورات وزارة الثقافة- دمشق. 1996

* ميزان ساعات العمل المنزلي المأجور وغير الماجور للمرأة الريفية وقيمته المالية المنظورة والمقدرة، مجلة جامعة دمشق للعلوم التربوية والنفسية العدد 30، 2014.

[3] انظر الأمين، عدنان (1999): التعليم والفقر في لبنان، اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا، سلسلة مكافحة الفقر، رقم 9، شركة المطبوعات، بيروت، لبنان.

انظر المعلولي، الدراسات السابقة.