ماذا تحقّق في لبنان بعد مرور ثلاثين عامًا على انتهاء الحرب الأهلية، وستة وأربعين عامًا على انطلاقها؟ وهل اختلف الوضع هناك عن عشيّة تظاهرات صيادي الأسماك بقيادة معروف سعد، يوم 15 شباط/ فبراير 1975 في صيدا، ضد احتكار شركة بروتين؟ وهل تقادمت صوَرُ الحرب الأهلية وذكرياتها في نفوس اللبنانيين؟ وهل يُتصوّر وقوع ذلك وما زال كثيرٌ من اللبنانيين مفقودين قسريًا أو معتقلين في سجون مخابرات النظام السوري وفي سجن روميّة دون محاكمة؟ هل تغيّر شيء في نظام الحكم الأمني بعد خروج قوات جيش الأسد من لبنان عام 2005؟

لا شكّ في أنّ لبنان تغيّر جذريًا في العمق، منذ ذلك التاريخ، فتوازنات القوى السياسية والاجتماعية والطائفية لم تعد هي ذاتها بعد كلّ هذا الزمن الطويل وما تخلله من حوادث جسام.

الحقيقة الصارخة التي لا يمكن التغاضي عنها هي الانقسام المتعدد الاتجاهات، فلا يمكن القول بغياب الدولة شكلًا؛ فالمؤسسات قائمة من رئاسة الجمهورية إلى الحكومة والبرلمان مرورًا بالجيش والمؤسسة القضائية وأجهزة الشرطة والمخابرات والجمارك… لكن بالمقابل لا يمكن الحديث في الجوهر عن دولة سيّدة تحتكر بواسطة أجهزتها الرسمية السلاح وقرارات السلم والحرب، أي العنف المشروع بالدستور والقوانين. كذلك لا يمكننا الحديث عن المواطنة والحقوق المتساوية وسيادة القانون، فهذا الأخير يطبّق على فئات دون أخرى وعلى أفراد دون غيرهم، بحسب الانتماء الطائفي والموقع الاجتماعي والمركز الاقتصادي. ليس هناك خدمات تقدمها الحكومة للشعب، بل فوق ذلك يتمّ نهب مدخرات الناس من خلال سياسات مالية ومصرفية تخدم أصحاب السلطة ورؤوس الأموال، ومن خلال تقاسم واضح لمصادر الدخل بين ملوك الطوائف الحاكمين مباشرة أو مداورة.

لبنان الآن أشبه باليونان، بالوصف الجغرافي لا السياسي، مئات الجزر المتناثرة حول برّ مقسّم بالمصالح هو الآخر. لبنان اليوم مقطّع الأوصال بين طوائف سياسيّة وأخرى دينيّة عابرة للسياسة، أهله بين مُهجّر في أصقاع الأرض المتباعدة، وبين نازح داخليًا من آثار الحروب المتواصلة. حتى على مستوى الهويّة الوطنية لا يكاد المرء يعثر على رمز يجتمع عليه اللبنانيون، ولولا اشتراكهم بشجرة الأرز التي يضمّها العلم، لكان لهم ألف راية وراية.

اختلف اللبنانيون على رمزيّة الاستقلال عن الانتداب الفرنسي، وبعضهم يرغب لو أنه لم يحصل، تقاتلوا مع بعضهم حول فلسطين والوجود الفلسطيني في لبنان، واختلفوا حول احتلال جيش الأسد لبلدهم في مبتدئه وفي منتهاه، أطلق بعضهم المقاومة ضدّ الاحتلال الإسرائيلي من منزل الشهيد الراحل جورج حاوي في بيروت، ووقف بعضهم معها، بينما ساند آخرون قوات الاحتلال، وعندما نأى لبنان الرسمي بنفسه عن حرب نظام الأسد على الشعب السوري، كان “حزب الله” حاضرًا في صدارة المشهد مع الجلاد الذي ثبّت أقدامه على قلوب اللبنانيين ودولتهم من قبل، فالسياسة لا تميّز بين العدوّ والصديق أوقات الحروب والأزمات إلا بالقدر الذي تتحقق فيه مصالح أصحاب السلطة والمال والمشاريع العابرة للدول والتاريخ.

منذ نشوئه كانت أزمة لبنان مركّبة، لكنّها الآن أقرب لأن تكون برميلًا من البارود وسط حفلة ألعاب ناريّة، والغول الإيراني القابض على عنق البلد يعمل مباشرة أحيانًا، وغالبًا بواسطة عميل محلّي مدجج بالأساطير وبالأسلحة، يعاونه حلفاء أقلّ شأنًا لكنّهم ضروريون لاستمراره، وأقصى غاياتهم تحقيق مصالح شخصية أو في أحسن الأحوال عائلية محدودة. بين كمّاشة إسرائيل ونظام الأسد من جهة، وبين مطرقة إيران و”حزب الله” والفساد الداخلي من جهة ثانية، يقضي لبنان أصعب أيامه بعد انتهاء الحرب الأهلية، وما عمّره الشهيد الحريري خلال أعوام، دمّره “نصر الله” بحرب تموز 2006، واستكمله بتفجير مرفأ بيروت في آب 2020.

إنها لعنة الجغرافيا، فمن هنا خرج الفينيقيون باحثين عن أسواق لتجارتهم، فوجدوا متّسعًا لهم حيث وصلوا فمكثوا وعمّروا، ولربما تختصر الطرفة حال اللبنانيين اليوم، وهي التي تقول: إنّ أكثر أهل لبنان معرفة وحظًّا هم أجدادهم الفينيقيين الذين هاجروا منه. هي لعنة التاريخ أيضًا، فلم يعرف لبنان حقبة استقرار متواصلة منذ وجد، فمن احتلال إلى آخر، ومن سطوة إلى أخرى. لم يسلم من لعنة السياسة وتقاطعاتها مع الأديان والطوائف، فطائفة دينيّة تشكّل طائفيّة سياسية، والأخيرة تعيد إنتاج الطوائف المتخيّلة لتجعل منها حقيقة واقعيّة.

من جبل عامل وجنوب لبنان، حيث مرّ أبو ذرّ الغفاري، كما قيل في كُتب التاريخ يومًا، وحيث نشأ التشيّع وتأصّل في بلاد الشام منذ القرون الأولى بعد الهجرة، وحيث استوردت الإمبراطورية الصفوية فيما بعد معلّمي المذهب الرسمي لها، وحيث اغتال “حزب الله” فيما بعد حسين مروّة ومهدي عامل ولقمان سليم، من جبل عامل ومحيطه، خرجت قوافل المقاتلين لغزو سورية والعراق واليمن، بعد أن احتلّت لبنان رسميًا إثر غزوة بيروت في السابع من أيار عام 2008، فضلًا عن خلاياه في السعودية والبحرين والكويت وأفريقيا وأميركا اللاتينية، ولا غرابة في ذلك، فمستعظم النيران من مستصغر الشرر.

لو نظر لبنان في المرآة لوجد نفسه قد تغيّر فعلًا، فبعد أن كان مركزًا لجذب الصراعات واستيراد الخصوم الباحثين عن مسارح لحروبهم، بات مخزنًا لأنواع الفساد والعنف والإجرام المغطّاة بالقانون والسياسة، وموئلًا للفاريّن من العدالة، مثل المدير التنفيذي السابق لشركة (نيسان)، ومنبعًا لتصدير المقاتلين والإرهابيين والبنادق المأمورة عقديًّا المشحونة طائفيًا إلى المنطقة كلها. في لبنان، بات من المألوف خروج أصوات تطالب بقوننة زراعة الحشيش المخدّر والسماح بصناعة المخدرات تبعًا لذلك، ومنه تخرج مئات الأطنان سنويًا لتجوب العالم. في لبنان، يجد عملاءُ الاحتلال الإسرائيلي أنفسهم معززين مكرمين، لأنهم تبعٌ لطائفة حزب مسيطر، بينما يُحكم على المطرب فضل شاكر بالحبس اثنين وعشرين عامًا، لأنه اتهم باتخاذ موقف أخلاقي منحازٍ إلى ثورة الشعب السوري. لا تجد في لبنان الآن إلا صور الخميني والخامنئي وسليماني وحافظ وابنه بشار وربيبهم حسن نصر الله، بينما لا تتّسع ساحاته لبعض المتظاهرين المدنيين المطالبين بحكومة لا طائفية وبدولة مواطنة!

لم يتّسع لبنان لأفكار لقمان سليم، وضاقت به صدور الأوغاد القابضين على القرار هناك، لم يعد بإمكانهم الصبر على جهره بالحقيقة، فأتبعوه ميشيل سورا الذي قضى على أيديهم قبل عقودٍ أيضًا. لبنان مختلف الآن مختلف تمامًا عنه قبل نصف قرن، هو خيالُ بلدٍ عتيق غائب، وصورة مُحتلّ إيراني في إطارٍ من خشب الأرز، تعلوه ربطة سوداء على زاويته اليسرى كعمامة أو غمامة، تشي بأنّ القادم أخطر من كلّ ما مضى. لبنان الآن في مرآة نفسه على شفا حفرة من عشيّة دامية، كان عنوانها قبل أربعة عقود ونصف تاريخ 15 شباط/ فبراير 1975.