من ينظر إلى حال سورية اليوم، من الصعب أن يرى أيّ أمل من هذا البلد المهزوم والمحطّم والجائع والمُعاقب والخاضع لاحتلالات مركّبة داخلية وخارجية؛ فبقاء الأسد على رأس السلطة كان أعظم انتصار لهزيمةٍ في تاريخنا الحديث، إن لم يكن تتويجًا لكلّ الهزائم التي مرّت بها سورية منذ نشوئها ككيان، قبل مئة عام، وتجميعها في عهد رئاسي واحد. فكلما زاد حجم الموت والدمار والتوغل في الانحطاط؛ زاد انتصار الهزيمة، وتحوّلت من هزيمة مؤقتة وجزئية إلى هزيمة وجودية وشاملة للبشر والحجر والهواء والماء والتاريخ والجغرافيا والاجتماع السوري، وكلما شحّ الأمل وانقطعت سبل الحياة أكثر؛ أصبحت الهزيمة أكثر انتصارًا، وغرق البشر في التوحش أكثر.

ليس انتصار الهزيمة تناقضًا منطقيًا للكلمات، وما علينا إلا تغيير المعيار الإنساني العام لتوجّه البشرية من التوحّش إلى الحضارة، ومن الحيوانية إلى البشرية، ومن التاريخ إلى المستقبل، ومن الولادة إلى الموت.. إلخ، لكي نفهم كيف تنتصر الهزيمة! فعندما يصبح المعيار الأعلى هو عكس توجّه البشرية، يصبح انتصار الهزيمة هو الغرق أكثر في الموت والبربرية واليأس وانعدام الأمل، وكلما أوغلنا في تلك العناصر المضادة للحياة؛ انتصرت الهزيمة لذاتها، وعاشت نشوة انتصارها في تعميم الموت وثقافة الموت على نحو أوسع.

إن بقاء الأسد على رأس السلطة ليس بقاءَ شخص واحدٍ حلمُه أن يصبح دكتاتورًا، ولا بقاء نظام حاكم لسلطة في عالم تتوسع فيه الأنظمة الدكتاتورية، إنما هو رمز وطني وإنساني عام لانتصار الهزائم، وانتصار التفاهة، وانتصار الموت على الحياة؛ فالأسد لا يحكم سورية فعليًا، ولكنه حاكمها، ولا يحتل سورية فعليًا، بل ليس لديه أو لدى نظامه قوة على احتلال سورية كاملة، ولكن وجوده شرطٌ لكل احتلال، فكل الاحتلالات تحتاج إليه وتحتاج إلى وجوده لتبقى مشروعة، بغض النظر إن كانت شرعيّة أو غير شرعيّة، وليس لدى أي محتل هناك تصوّر خاص بسورية، بل هي مجرّد بلد لاختبار الموت ومنازعة الآخرين، حقلٌ لتجريب الأسلحة الروسية الفتّاكة على الأجساد الحيّة، مقبرة مغلقة الحدود على سكانها، ساحة للاستراتيجيات الأميركية الضائعة منذ أوباما، حديقة خلفية للمشروع الإيراني الأسود في المنطقة، مكبُّ زبالة نووية، مكان تجميع لعملاق الإرهاب “الأسطوري” الدولي في قمقم الصحراء السورية، والأهم من كل ذلك هو أنها رمزٌ تحتفي به جميع الأنظمة العربية، لمصير الثورات الشعبية التي انطلقت عام 2011، حيث بات على الشعوب العربية أن تشكر ربّها على نعمة الأنظمة التي لم تجعلها تصل إلى مصير الشعب السوري، وبات عليها أن تجلد ذاتها وتؤنب نفسها على الثورات التي أخطأت بالانجرار نحوها، وأصبحت ترى المشكلة في ثقافتها المتخلفة وغير المؤهلة للثورات الديمقراطية، وهذا كلّه بات يستخدم لإعطاء المصداقية لكلام شاعرٍ يجمع كل وضاعة المتعالي، مثل أدونيس، ويجعله صحيحًا عند بعض المثقفين الذين يشاركونه انحطاطه وتعاليه في رؤية المشكلة المركزية لشعوبنا، في ثقافتها.

ليس انتصار الهزيمة شيئًا جديدًا بالمطلق علينا، فمنذ الانتصار “الأسطوري” في حرب تشرين “التحريرية”، وصولًا إلى الانتصار “الإلهي” لحزب الله ومحور المقاومة عام 2006، ونحن نمضي قدمًا في ذلك الطريق المعبّد بالهزائم المنتصرة؛ حيث لم يكن هناك أسعد من أعدائنا في انتصاراتنا الصوتية وهزيمتنا الواقعية، ولكن الجديد هذه المرة هو تحوّل الهزيمة المنتصرة إلى نموذج أعلى، نموذج منفصل عن الواقع الاقتصادي، والسياسي، والاجتماعي للسكان بشكل مطلق، نموذج الكذبة الشاملة التي لا تطاق، والتي تريد أن تقنع الميت بأنه يتوهّم موته وبأنه حيّ، وتريد أن تقنع الجائع بأن جوعه كاذب، وتقنع المشرّد بأن له وطن، واللاجئ بالعودة لحضن الوطن.. وعندما تصبح الهزيمة المنتصرة نموذجًا أعلى، بهذا الشكل الشامل لكل مناحي الوجود، يصبح السعي نحو هذا النموذج قيمة وطنية عليا، وكلما غرق الناس الواقعيون في هوّة وظلام الهزيمة أكثر؛ انتصرت كذبة الانتصار لنفسها وأصبحت حقيقة.

المشكلة الكبرى الناتجة عن كل ما سبق هي أنه لم يعد لسورية كبلد، أو للشعب السوري، أو القضية السورية، أو الثورة، أو الحرب الأهلية -سمّها ما شئت- أيّ معنى أو تأثير إيجابي وفاعل، على الصعيد العالمي، لقد تحوّلنا من غير مرئيين سابقًا، إلى رؤيا مزعجة للجميع اليوم، وهذا ليس على مستوى سياسات الدول فقط، بل على مستوى مجتمعاتها وشعوبها، لا يطيقنا اليسار ولا اليمين هناك، بل إن أعداءنا من اليسار باتوا أكثر من رفاقهم في اليمين، ضمن تلك المجتمعات، ولم تعد تلك الشعوب ترى في سورية ومأساتها وقضيتها سوى مصدر إزعاج مركب ومعقد ولا طائل منه لأحد. ليس هناك معنى تحرري لكفاحنا، بعدما اصطدم بحائط الإرهاب، وكان أفضل إنتاجاتنا في “المناطق المحررة” جبهة النصرة، بعد (داعش)، وحكومة مؤقتة تابعة لتركيا. وليس هناك معنى إنساني لكفاحنا، بعدما أصبح الاسم المعتمد لصراعنا هو “حرب أهلية” يحارب فيها الجميع ضد الجميع. وليس هناك معنى وطني لكفاحنا، ما دام المحتل الأساسي لوطننا هو نظامه “الوطني” ذاته، بينما حاميه الدولي الأكبر، بوتين، هو الآخر “وطني” ومغرم بالسيادة الوطنية، ولا همَّ له في الحياة، ولا في مجلس الأمن، إلا الدفاع عن “السيادة الوطنية” للدول والمناطق التي يحتلها.

إنّ ما يكمل الهزيمة المنتصرة داخل سورية هو خسارتنا لمعنى القضية السورية في الخارج، وهذا ما يميّزنا عن الفلسطينيين الذين سبقونا، والذين لم تستطع (حماس) ابتلاع التعاطف مع قضيتهم، أو ابتلاع قضيتهم ذاتها، ويميزنا عن الأكراد الذين استطاعوا ربط قضيتهم السورية بقضيتهم الكردية، واستخدام التعاطف مع الثانية لتعزيز الأولى، بالإضافة إلى فصل أنفسهم عن الإرهاب الذي لزق بنا، بجهود الإسلاميين وحكمتهم العظيمة في استعداء العالم، وكفاحهم المرير ضد العصر.

وصف حازم صاغية، في مقال له، الحاصل في لبنان بأنه “نكبة”، ويحاجّ بأنّ ميزة الاسم “نكبة” هي بجعل المصيبة تبدو كحدث طبيعي، لا صانع لها، ولا قوى سياسية مسؤولة عنها. ومن جهتنا، لا نرى أن هناك داعيًا لتسمية الحاصل في سورية بأي من تلك المسميات “العقلانية”، أو ربما يمكننا استدعاء شعار ممانع وقديم، للقول إن سورية ولبنان هما شعبان بنكبة واحدة، أو شعب واحد بنكبتين، أو للقول إن النكبة اللبنانية هي خاصرة النكبة السورية، لكن الفارق الأكبر، ضمن ذلك التسابق الشرق أوسطي نحو الهاوية، أو نحو من نَكبتُه أكبر، ومن نكبته أكثر شبهًا بالنكبة الأصلية الفلسطينية، هو أنه لا الشعب ولا القوى السياسية عندهم يُنكرون نكبتهم، أو لا يحتفلون بها على الأقلّ، بينما تصبح النكبة عبارة عن درجة متوسطة من درجات التفوق في الامتحان النهائي للهزيمة عندنا، بل تصبح احتفالية، يحتفل فيها الرئيس المنتصر على ثمانين دولة وحده؛ ثم يخرج “ببراءة الأطفال” ليأكل الشاورما، ويحتفل فيها الشعب بإعادة انتخاب رئيسه المنتصر إلى ما بعد الأبد “دستوريًا”، ويحتفل فيها العالم الذي استطاع إقناع روسيا أخيرًا بفتح المعبر الإنساني الوحيد في الشمال السوري.

من أين سنأتي بوصف أعمق للهزيمة، بعد ذلك، أكثر من إعلانها انتصارًا!