شهدت إيران، في الأسابيع الثلاثة الماضية، سلسلة انفجارات غامضة استهدفت نطاقًا واسعًا من الداخل الإيراني، حيث لمعت شرارات النيران، وصعدت سحب الدخان الناجمة عن هذه الانفجارات، من داخل النقاط المستهدفة التي شملت كلًا من المواقع النووية الإيرانية، والقواعد العسكرية، والمصانع العسكرية والصناعية، وأنابيب النفط، ومحطات الطاقة.

وأثارت هذه الانفجارات والحرائق الغامضة العديد من التحليلات، بخصوص التوترات الكامنة وراء الستار وإمكانية أن تكون مؤشرات على بداية حربٍ بين إيران وإسرائيل، خاصة بعد فترة طويلة من الانقطاع، ومرور أعوام على حقن فيورس (إستاكس نت) داخل منشأة نطنز النووية في عام 2010، وقضية اغتيال العلماء النوويين الإيرانيين، وقد دفع هذا الأمر العديد من المراقبين إلى القول إن هذه الأحداث ليست عرضية البتة، بل إنها حرب حقيقة واضحة للعيان تجري على أرض الواقع.

ربما ما يزال الإيرانيون، شعبًا وحكومة، غير مدركين لحقيقة ما يجري بالضبط، لأن سلسلة التفجيرات هذه جاءت على غفلة، من دون أي سابق إنذار، لكن ذلك لا يمكن أن ينكر حقيقة أن الشعب الإيراني يشاهد الآن حربًا حقيقة تجري على أرض الواقع، ذلك إضافة إلى ما يشاهدونه من الآثار والتداعيات المدمرة للانهيار الاقتصادي، والتضخم، وارتفاع البطالة، ووباء فيروس كورونا الذي هاجمهم بوحشية.

وبالتوازي مع إعلان إسرائيل بدء مرحلة طرد إيران من سورية، يبدو أن الهجمات الإسرائيلية، سواء الجوية أو السايبرانية أو غيرها، قد وسعت نطاقها لتشمل أهدافًا في قلب العمق الإيراني، لتتحول بذلك طهران إلى صورة طبق الأصل عن دمشق.

الإيرانيون الذين لم يشاهدوا مثل هذه الأحداث والاستهدافات إلا في أجواء دمشق ومحيطها، تراهم اليوم في كل ليلة يحملون كاميرات هواتفهم المحمولة، محدقين في السماء بانتظار لمعان الانفجارات في الأفق، لتسجيلها وبثها على وسائل التواصل الاجتماعي.

خلال 21 يومًا فقط، وقع 14 انفجارًا غامضًا (بعضها حدث في يوم واحد، وبعضها لا يفصل بينها سوى عدة أيام) غطت كامل خريطة إيران، وهذه الانفجارات شملت النقاط التالية:

  • * 25 يونيو/ حزيران: حدث انفجار في مجمع بارشين، بالقرب من موقع يشتبه بقيامه بتجارب نووية (انفجار خجير).
  • * 25 حزيران/ يونيو: حدث حريق في محطة شيراز للكهرباء.
  • * 30 حزيران/ يونيو: حدث انفجار في عيادة سينا ​​أطهر في طهران.
  • * 2 تموز/ يوليو: دمّر انفجار كبير في موقع نطنز النووي في مدينة أصفهان عملية تخصيب اليورانيوم.
  • * ليلة 2 تموز/ يوليو: حدث حريق آخر في مدينة شيراز.
  • * 4 تموز/ يوليو: حدث انفجار وحريق في محطة مدحج زرغان، في محيط محافظة الأهواز.
  • * 4 تموز/ يوليو: حدث انفجار وحريق وتسرب للكلور، في مجمع كارون للبتروكيماويات في مدينة ماهشهر.
  • * 4 تموز/ يوليو: وقع حادث مشبوه في مجمع البتروكيماويات في توندغويان.
  • * 7 تموز/ يوليو: حدث انفجار في مصنع بجنوب مدينة طهران.
  • * 9 تموز/ يوليو: حدث انفجار في غرب طهران أدى إلى انقطاع التيار الكهربائي عن حيّين كبيرين، ومدينة “القدس”.
  • * 12 تموز/ يوليو: حدث حريق في مجمع توندغويان للبتروكيماويات مرة أخرى، حيث نفت السلطات الإيرانية حدوث الحريق السابق الذي وقع في 4 تموز/ يوليو، في حين أكدت وقوع الحادث في 12 تموز/ يوليو.
  • * 13 تموز/ يوليو: اندلع حريق في مصنع لمكثفات الغاز في بلدة كافيان في محافظة خراسان.
  • * 15 تموز/ يوليو: حدث حريق واسع النطاق في معمل في مدينة بوشهر.
  • * 19 تموز/ يوليو: حدث انفجار في محطة للكهرباء في محافظة أصفهان.

إن سلسلة التفجيرات هذه لا يمكن -بطبيعة الحال- أن تكون سلسلة من الأحداث العشوائية، بل إن استمرارها ضمن حلقات مسلسل نشاهدها مرات عدة في اليوم الواحد، أو لا يفصل بينها سوى أيام معدودة، تشير إلى أن هناك شخصًا أو ربما جهة ما قد أعلنت الحرب على إيران، معتمدةً مبدأ “سحق الضعفاء”، وذلك نظرًا إلى حالة الجمود، وردّة الفعل الصفرية من جانب طهران، حيال هذه الضربات المستمرة.

في الحقيقة، ليس فقط الشعب الإيراني هو الذي اختلطت عليه الأمور، بسبب هذه الانفجارات، فالحكومة الإيرانية أيضًا في حيرة من أمرها، تارة تنفي، وتارة تؤكد بعد نفيها، وفي أغلب الحالات أعلاه، كانت تتحدث عن حدوث خطأ فني، أو بشري.

صحيح أن إسرائيل تصمت رسميًا حيال ما توجهه من ضربات داخل سورية، أو في العمق الإيراني حديثًا، وتلمح بذلك من خلال رسائل داخلية تقول فيها إن على إيران عدم تجاوز الخطوط الحمر في ما يتعلق بتغلغلها العسكري في الداخل السوري، أو الوصول إلى صنع قنبلة نووية في داخل إيران، إلا أن الثابت الوحيد يبقى هو حالة الجمود وردة الفعل الصفرية من جانب طهران حيال هذه الضربات، وإذا ما استمرت الحال في قادم الأيام؛ فسنجد أن طهران قد تحولت فعليًا إلى صورة طبق الأصل عن دمشق، خاصة في ما يتعلق بصور الانفجارات الواقعة، وصور الأقمار الصناعية الملتقطة للمواقع المستهدفة.

قد يقول قائل إن عدم الرد الإيراني، على هذه الضربات الموجعة، لا يعني أن طهران لن ترد بالمطلق، لكن حالة الصمت الإيراني على جدول الاستهدافات الإسرائيلية للأهداف الإيرانية في سورية، الذي بدأت غاراته الأولى في 30 كانون الثاني/ يناير 2013، تشير إلى أن إيران ستستمر في الصمت، معتمدة مبدأ التحمل وتلقي الضربات من دون التجرؤ على الرد، مما يذكّرنا بسياسة “الاحتفاظ بحق الرد” الخاصة بالنظام السوري، وهذا أحد أوجه التشابه المشتركة الأخرى بين طهران ودمشق.

وفي الوقت ذاته، ستغوص إيران بمنشآتها النووية والعسكرية الحساسة أكثر نحو باطن الأرض، وفي قلب الأنفاق والملاجئ، (كما تفعل في سورية)، حيث لا تبلغها الصواريخ الإسرائيلية والأميركية المطورة، التي يبدو أنها تسير وفق خطط وبرامج مدروسة ومرسومة.