كتب أحد الظرفاء: “أكيد فيروس كورونا من صنع النساء”. وانتشرت كثير من المنشورات ومقاطع الفيديو على وسائل التواصل الاجتماعي، يشكو فيها الرجال من تحكم نسائهم فيهم أثناء العزل المنزلي؛ فهذا ملّ صنع المكدوس، وذاك تعب من قطف الملوخية، وآخر اعترف بأن الجلي والتنظيف أصعب -بما لا يقاس- من عمله الوظيفي… لكن ذلك كله لا يعدو كونه أشكالًا من الدعابة أو “التنكيت” (بالإذن من خطيب بدلة).

وإذا نظرنا إلى الأمر بشيء من الجدية؛ رأينا أن عالم ما بعد كورونا قد يكون بالفعل أكثر عدالةً تجاه المرأة، في البلدان العربية على الأقل. ليس لأن الرجال سيكونون قد تعودوا مشاركة نسائهم في الأعمال المنزلية فحسب، بل لأن -وهو الأهم- فُرص عمل النساء (مقابل أجر وليس مجرد العمل المنزلي المجاني) ستكون أوفر.

من المعروف أن معدل مشاركة المرأة العربية في النشاط الاقتصادي كانت، منذ بداية تنفيذ خطط التنمية، وما زالت حتى اليوم، أقلّ بكثير من معدل مشاركة الرجل. فعلى الرغم من تحسن وضع النساء العربيات في بعض المجالات، نتيجة لنضال المنظمات النسائية ومنظمات حقوق الإنسان، ولتأثير القوى العالمية الداعمة للديمقراطية والمساواة، ولتأثيرات عولمة الثقافة والإعلام في رفع مستويات الوعي العربي بأهمية مشاركة المرأة.. إلخ؛ ما تزال حصة النساء من الثروة أقل بكثير من حصة الرجال، وحظوظهن في العمل والحصول على دخل مستقل أقلّ، وما تزال الميادين التي تعمل فيها المرأة أقلّ أهمية، بوجه عام، كما أن مشاركتها في الحياة السياسية والعامة ومساهمتها في اتخاذ القرارات المهمة ما تزال ضئيلة.

والسؤال الجوهري هنا لماذا؟ 

في الإجابة، لا نرى فائدة كبيرة في تعداد جميع الأسباب المؤدية إلى مثل هذا الوضع الذي تعانيه المرأة العربية، إذ إن هذه الأسباب أو العوامل عديدة جدًا ويصعب حصرها. فهناك عوامل تتعلق بالوعي الاجتماعي (العادات والتقاليد والقيم السائدة، بعض عناصر الثقافة المتوارثة التي تلح على أن مكان المرأة البيت وليس المشاركة في حياة المجتمع، التفسيرات والممارسات الخاطئة للتدين، الهيمنة التقليدية للرجال…)؛ وهناك عوامل تتعلق بقوانين الأحوال الشخصية وغيرها من القوانين والتشريعات التي تحمل في طياتها تمييزًا ضد المرأة؛ وهناك عوامل تتعلق بنقص مشاركة النساء في المناصب السياسية ومراكز صنع القرار… إلى غير ذلك من الأسباب والعوامل التي يكثر تكرارها في الأدبيات التي تتناول مسألة المرأة. إن هذه العوامل وغيرها مؤثرة -بلا شك- في استمرار تدني الوضع الاجتماعي للمرأة العربية، لكننا نعتقد أن معالجة مشكلة المرأة يجب أن تنطلق من وضع اليد على العامل الجوهري الحاسم الذي يعوق حصول المرأة على حقوقها، وارتقاءها باتجاه المساواة الحقيقية مع الرجل، ألا وهو نقص المشاركة الفعالة في التنمية، ولا سيّما المشاركة الفعالة في العمل والإنتاج.

تبيّن المعطيات المتوفرة حول المشتغلين والمتعطلين (الباحثين عن العمل) في البلدان العربية، حقيقةً لافتة للنظر، تتلخص في أن عدد الراغبات في العمل هو دائمًا أكبر من فرص العمل المتوفرة، وأن نسبة الباحثات عن العمل هي في معظم الحالات أعلى من نسبة الباحثين عنه من الرجال، بل إنها تزيد في بعض الدول العربية، مثل مصر وسورية والسعودية، على الضعف أو ثلاثة أضعاف. وهذه الحقيقة تدلّ على أن مشكلة عمل المرأة لا تتعلق بنقص الوعي بأهمية تلك المشاركة (سواء وعي النساء أو الرجال)، ولا بضغط العادات والتقاليد أو غيرها من العناصر الثقافية، بل بعدم توفر فرص العمل الكافية بالدرجة الأولى. على العكس من ذلك، نعتقد أن العوامل الثقافية (زيادة الوعي بنتيجة ارتفاع المستوى التعليمي، تطور وسائل الاتصال وغيرها) إضافة إلى معدلات النمو السكاني العالية، وتزايد الحاجة إلى زيادة دخل الأسرة مع شروط التضخم المالي المتفاقم وغلاء الأسعار، وضغوط الطابع الاستهلاكي للمجتمع… كل هذه الظروف أدت إلى تزايد عدد النساء الراغبات في العمل، بينما تتناقص قدرة الفروع الاقتصادية، ولا سيما الإنتاجية منها، على الاستيعاب.

فإذا بحثنا عن الأسباب الكامنة وراء هذا التفاوت بين معدلات المشاركة الاقتصادية للجنسين، فسنضع يدنا على عاملين جوهريين: الأول يتعلق بتفضيل مؤسسات العمل تشغيل الرجال، تجنبًا للمشكلات الخاصة بالحمل وإجازات الأمومة والإرضاع وما شابه؛ والثاني ناجم عن عدم توفر بدائل للعمل المنزلي بوجه عام، وعدم توفر مؤسسات رعاية الأطفال المناسبة (من حيث نوعية الكادر التربوي، ومن حيث التكاليف)، ولا سيما في أماكن العمل، بوجه خاص.

تزايد مشاركة الرجال في الأعمال المنزلية نتيجة للعزل المنزلي، يلغي، ولو بالتدريج، أن يكون العمل المنزلي مهمة المرأة وحدها؛ ويدعوا للاستنتاج أن حقبة ما بعد كورونا ستكون لمصلحة النساء، في البلدان العربية على الأخص.

وقد تعددت المقترحات التي تهدف إلى إيجاد حلول لمشكلة عمل المرأة. ولعل أبرز تلك المقترحات، وأكثرها تكرارًا، مرونة أوقات العمل، والعمل عن بعد. فعندما تقاس نجاعة العمل بالإنجاز، بدلًا من ساعات الدوام؛ يصبح بمقدور المرأة أن تكيّف أوقات عملها مع احتياجات أعبائها المنزلية، وبالدرجة الأولى رعاية الأطفال. أما العمل عن بعد، أي العمل من المنزل، فهو الحل الأمثل، خاصة إذا ترافق مع مرونة أوقات العمل. وهذا النوع من العمل يصبح أكثر سهولة ونجاعة مع تقدم تكنولوجيا المعلومات، ووسائل التواصل الافتراضي، لا سيما أن كثيرًا من الأعمال لم تعد يدوية، وصار إنجازها يتم بواسطة الكمبيوتر، بل بواسطة الهاتف النقال أحيانًا.

يبدو -حتى الآن- أن ما ترافق مع انتشار فيروس كورونا، من عزل منزلي واسع النطاق، يساعد كثيرًا في التوسع في أشكال العمل عن بعد؛ فكثير من مؤسسات العمل تطور “مكاتب افتراضية” للعمل، وأنظمة لمتابعة إنجاز كل موظف، وبرامج لتسهيل الاجتماعات الافتراضية… إلخ. وفي هذه الحال، لا فرق بين الرجال والنساء في القيام بمثل هذه الأعمال. بل يمكنني القول، استنادًا إلى تجربتي مع الطلاب والطالبات والموظفين والموظفات، إن الإناث، بوجه عام، أكثر رغبة وأسرع إتقانًا في التعامل مع أدوات تكنولوجيا المعلومات على اختلافها.

فإذا أضفنا إلى ذلك تزايد مشاركة الرجال في الأعمال المنزلية نتيجة للعزل المنزلي، وتعودهم ممارسة تلك الأعمال وإتقانها، وهو أمرٌ يلغي، ولو بالتدريج، أن يكون العمل المنزلي مهمة المرأة وحدها؛ أمكننا الاستنتاج أن حقبة ما بعد كورونا ستكون لمصلحة النساء، في البلدان العربية على الأخص.