خسارة وطنية “واسعة”، خلال الأيام الماضية، مع رحيل فقدائنا الخمسة الأخيرين؛ من حسان عباس إلى محمد خليفة، مرورًا بحبيب عيسى وتيسير الحاج حسين، وصولًا إلى ميشيل كيلو، قد لا نُقدِّر حجم فداحتها.

حرارة الوجدان ومَلَكة الوفاء وثِقل هذا الرحيل الجماعي، قد لا تكفي لتكسر طوق الغصة أو توقف الانشداه نحو عمق التأملات الكبرى.

كوكبة من مناضلي الحرية والديمقراطية والحداثة، تميّزوا برهن حياتهم بالثبات على المبدأ والعمل والاجتهاد، كظل حاضر ساهر، بالرغم من عقود الضجيج والانحسار والتشويش، وكثيف الضباب وسعة تدمير سلطة الاستبداد الوظيفية لحاضر الوطن ومستقبله، لم تحتّ في إرادتهم وحراكهم السجون، صغيرها وكبيرها.

رجالات ونضالات بحجم “شهادة”، بل ربما الشهادة الأعظم بمقاييس الاحتراف والعطاء الطوعي المجرد من الحسابات الخاصة.

رجالات تميزوا بشرف نضال المعارضين الناشطين ما قبل الثورة، في مقاومة الاستبداد والطغيان والفساد، ومواجهة منهجية السلطة في ضرب قيم الشعب ووحدة نسيجه، وكانوا في مقدمة الفعل الوطني، ونثروا البذور الطيبات، على الرغم مما بهم -كغيرهم- من أعطاب المجتمع والمعارضة والسياسة والنضال المعروفة في بلادنا ومجتمعاتنا.

رجالات كانوا أيضًا وطبيعيًا -بالوعي والالتزام والمسيرة المعروفة- في مقدمة المنخرطين في انتفاضة شباب سوري ثائر، وشعب يلاقي موعده مع القدر، انتفاضة لا تنفصل عن نضالات المعارضة فيما سبق لعقود طويلة، وعن التضحيات الكبيرة.

رجالات سهروا على مثابرة الفعل الوطني والثوري، أوفياء لقضايا الحرية والكرامة والعدالة والحداثة، اجتهدوا في كيفيات فعلهم الوطني في الداخل والخارج، وكان طبيعيًا أن يصيبوا مرات، وأن يجانبوا أحيانًا، في مناخ مُلبّد وأوضاع مثقلة بالتحدي والمخاطر وغياب هياكل ثورية تنظم وتمنهج مسار الفعاليات والنضالات.

عرفتُ الراحل ميشيل كيلو “أبو أيهم” في دمشق، بمعية أخيه الدكتور العزيز عيسى (زميل الدراسة في الجزائر) أواسط الستينيات، بُعيد عودته من الدراسة في الخارج، ولقد تميز أبو أيهم بقوة حضوره وبنبرته المباشرة، وشفافية الوعي والحديث عن “دحشه” – بسبب حسابه على الشيوعيين- في وظيفة مراقبة الأفلام في وزارة الثقافة، مع التأشير إلى غطاء ما من قبل الوزير سليمان الخش، ولقد عملنا معًا، موسميًا، أواخر السبعينيات وطيلة الثمانينيات، سوريًا وفلسطينيًا، عبر ساحتي الجزائر وباريس؟

مع الثورة وعشريتها، وفي منفاه الطوعي، كان أبو أيهم يتنفس قضية شعبنا في التحرر والخلاص، وأصبح “يملأ الفضاء” بصوته ومتابعاته المتواصلة، ثابت الحضور، منسجمًا مع تقديره أن حرارة الحضور وملء الفراغ، بل المغامرة بالرأي والتقدير، أولى من توفير ضمان الصواب في أجواء مرتبكة شائكة، ومخاطر استمرار التحديات بشأن المخارج الوطنية ومستقبل الوطن والشعب.

مَن مِثل “أبو أيهم” يستحق الإنصاف والتأكيد على إيجابيات مسيرته الأكيدة والاستثمار الممكن فيها!

أما المناضل الصديق محمد خليفة “أبو خالد”، فقد عرفته عام 1989 في ملتقى التضامن مع نضالات جماهيرنا العربية في فلسطين ولبنان وسورية، شابًا متّقدًا، عزيز الظل، شفّاف الحديث عن قضايا النضال القومي العربي في مختلف ساحات المشرق والمغرب، وتعاونّا من خلال مجلة “النشرة” الفلسطينية المفتوحة للمعارضة السورية لمواجهة سلطة الأسد وأفعالها الوظيفية المدمرة بحق مختلف ساحات المشرق، من بيروت حتى بغداد والأحواز.

لا شك أيضًا في أن “أبو خالد” لم يتوقف لحظة واحدة عن متابعة مسيرته النضالية المتعددة الأبعاد، كان بدوره “يملأ الفضاء” حركةً واجتهادًا ومبادرات، اقتحم القدر وقهْرَ الحياة، ليصعد سلم عطائه في المبادرة والإعداد وإنجاح ملتقى الشعر بمناسبة ذكرى عشرية الثورة، والإعداد لملتقى آخر بمناسبة ذكرى الجلاء.

أبو خالد رحل وهو في قمة تدفقه وإشعاعه.

وإن كنت لا أعرف مباشرة بقية الفقداء، فإن خسارة هذا النموذج المتميز من المناضلين تتجلى أهميتها بالدرجة الأولى في تقدير مدى الحاجة إليهم وإلى أمثالهم، في المحطات القادمة من مسيرة النضال الوطني والحداثي، لتمتع كل منهم بسعة الصدر، والنفاذ في مختلف القطاعات الشعبية، وبمساحة العقلانية وشدة الحرص على مناعة الشعب والوطنية تجاه أمراض وأعطاب التخلف والعصبوية.

إنصاف هؤلاء ليس بمديحٍ لا تحتاج إليه مسيرة كل منهم، بل بالوفاء وبتطوير ومدّ كل ما هو إيجابي وأصيل في مسيرتهم، وتعويض الفراغ الحاصل.

ولا شك في أن شعبنا عظيم، وثورته أصيلة، وسيعرفون كيف يُحيون ذكرى ونضالات كل أبنائها، في مختلف مناحي العطاء وساحات الفداء.