هذا هو السؤال الذي يشغل العالم اليوم، فالإجراءات الصارمة المتخذة -بشمولها وصرامتها- لم تُتخذ حتى في أثناء الحرب العالية الثانية، إذ تكاد الحياة العامة والخاصة تتعطل، وقد تم تقليصها إلى الحد الأدنى الذي يضمن البقاء، ولكن حتى البقاء يصبح مهددًا، إذا استمرت هذه الإجراءات مدة طويلة، وقد شمل انتشار الوباء 186 دولة في العالم. لذلك يبرز السؤال الملح المقلق: كم ستطول هذه الإجراءات؟ والجميع يترقب الجواب!

بحسب تحليل منطقي قاس، يتوقع، أو بالأحرى من غير الممكن، أن تطول هذه الإجراءات أكثر من أسابيع قليلة، والسبب ليس احتواء المرض أو القضاء عليه عبر الوصول قريبًا إلى إنتاج لقاح ودواء، وهذا هو الأمل، بل لأن إيقاف الحياة بهذه الطريقة أمرٌ غير قابل للاستمرار أكثر من أسابيع قليلة، ربما بين الأربعة حتى الثمانية كحد أقصى، فالصين التي أغلقت مدينة ووهان ومنطقة هوباي عدة شهور، لم تغلق كامل الصين، وهي تشكل جزءًا صغيرًا من الصين، بينما بقيت الحياة العامة في بقية أنحاء الصين تسير كالمعتاد تقريبًا، بينما تشمل الإجراءات الصارمة بلدانًا عديدةً بكاملها. وبالتالي فستكون خسائر الإيقاف والحظر أكبر بكثير، مقارنة بخسائر رفع الإجراءات، التي يصعب على أي بلد تحمّلها، فالإيقاف شبه الشامل يهدم الاقتصاد، ويهدم الحياة العامة أكثر من الحروب الشاملة.

لماذا لا يمكن تحمّل الخسائر:

إضافة إلى الضغط الكبير على الحياة اليومية للسكان الذي تشكله إجراءت التقييد، التي تصل في بعض البلدان إلى حد منع التجول الشامل تقريبًا، فإن الإجراءات تهدد بانهيار اقتصادي، وليس مجرد أزمة ركود يمكن تحملها ولو بخسائر غير قليلة.

فتقديرات خسائر الاقتصاد العالمي تتصاعد مع توسع انتشار الفيروس، وتتوسع إجراءات مواجهته في دول جديدة كل يوم، فقد بلغت خسائر التجارة العالمية 50 مليار دولار، خلال شباط/ فبراير، وقد تضاعف الرقم خلال آذار/ مارس الحالي، ومنظمة الطيران الدولية “إياتا” “IATA” تصرّح بأن كورونا قد يكلف قطاع الطيران العالمي 252 مليار دولار في العام، بينما تُقدر خسائر قطاع النفط، الذي هبطت أسعاره من 55 – 60 دولار للبرميل الواحد إلى أقل من 25 دولارًا، بنحو 3 إلى 3.5 مليار دولار يوميًا، وبنحو 100 مليار دولار في الشهر، وأكثر من تريليون دولار حتى نهاية 2020، في حال استمرار الإجراءات الصارمة، عدا خسائر قطاع الغاز. إضافة إلى خسائر قطاعات تتوقف أو تتراجع بشكل كبير، مثل التجارة الداخلية، بسبب إغلاق الأسواق والنقل الداخلي والنقل بالسيارات والنقل السككي والبحري، وقطاع المقاولات والبناء والصيانة، وقطاع المطاعم والمقاهي والفنادق، إضافة إلى نشاطات الرياضة والحفلات، وأي نشاط له طابع ترفيهي. وقد توقفت شركات خاصة كثيرة عن العمل، واستمرّ بعضها يعمل عن بعد جزئيًا، وانخفض عدد العاملين في الدوائر الحكومية في بعض الدول إلى الثلث. ولم يبقَ سوى القطاع الصحي يعمل بطاقة مضاعفة، إضافة إلى بعض القطاعات، مثل المياه والكهرباء وقطاع نقل بعض المنتجات وجزء من قطاع النقل، إضافة إلى الشرطة والجيش التي تراقب التزام السكان بالإجراءات. وسيؤدي هذا الوضع إلى إفلاس عدد كبير من الشركات، في حال استطالت فترة تطبيق الإجراءات، ومن الصعب إعادة تشعيل الشركات التي ستفلس ويتم تصفيتها، ولن تكفي مخصصات الدول لمساعدة هذه الشركات، في حال استطالت الأزمة. ونضيف فوق كل ذلك إغلاق المدارس والجامعات والمعاهد، وهذه تشمل نحو خُمس سكان أي دولة، وسيكون لها تداعيات سلبية كبيرة على العملية التعليمية. وسيؤدي هذا إلى ارتفاع معدلات البطالة، وقد قدرت منظمة العمل الدولية أن سوق العمل حول العالم مرشحة لفقدان 25 مليون وظيفة، نتيجة تفشي فيروس كورونا، في أول تقييم مبدئي للمنظمة، وبالتأكيد سيرتفع الرقم إلى أكبر من ذلك بكثير، في حال استمر تطبيق الإجراءات الصارمة. وذكر تقرير نشرته مجلة “ناشيونال إنترست” الأميركية أن التكلفة المتوقعة للمال المفقود في الولايات المتحدة يمكن أن تصل إلى 1.7 تريليون دولار عام 2020، بينما قدرت بعض الدراسات الأولية أنه في حال استمرار الإجراءات لكامل سنة 2020 قد تكلف الاقتصاد العالمي نحو 2.7 تريليون دولار. وهو بتقديري أقلّ من المتوقع.

ببساطة لا تستطيع أي دولة في العالم فتحمّل تطبيق هذه الإجراءات الصارمة وهذه الخسائر الهائلة، ولا يستطيع أي مجتمع تحملها. فهي إيقاف شبه كامل للحياة لفترة طويلة.

بلغت خسائر التجارة العالمية 50 مليار خلال شباط/ فبراير وقد تضاعف الرقم خلال آذار/ مارس الحالي.

هذا يعني أن الدول ستجد نفسها مضطرة إلى استراتيجية بديلة لمواجهة الفيروس، وقد تتوجه نحو تخفيف كبير للقيود، وعودة إلى الحياة الطبيعية تقريبًا، مع استمرار فرض قيود محددة تتعلق بالوقاية، وبعض إجراءات التدقيق في القادمين والمغادرين، وقيود معينة أثناء السفر والانتقال والاختلاط، مع استمرار إجراءات خاصة لحماية كبار السن، أي قد يطلب من كبار السن استمرار العزل مع تأمين مرافق أكثر لهم، بحسب قدرات كل دولة، ولكن هذا لن يحميهم بالكامل.

هذه الاستراتيجية تعني قبول إصابة عدد أكبر من السكان بفيروس كورونا، ويقدّر الأطباء أن 80 بالمئة من السكان المصابين قد لا يشعرون به، ويكتسبون مناعة بعد الإصابة، من جهة، ولكن الفيروس من جهة أخرى سيتسبب في وفاة عدد أكبر من المصابين بالفيروس، وتقدر النسبة بين 2 – 4 %. وقد يعني هذا وفاة 0.4 % من السكان، وخاصة كبار السن والمرضى، بينما يشفى البقية، مما يخلق “مناعة جماعية”.

سيخلق هذا البديل الاستراتيجي ضغوطًا مؤقتة على المؤسسات الصحية، وسيستمر وقوع الخسائر بالحياة إلى حين إيجاد دواء ولقاح وإنتاجه بكميات كبيرة وجعله بمتناول الجميع، حتى سكان العالم الثالث، وهذا يتطلب مساعدات من المنظمات الدولية ومن الدول الغنية، للدول الفقيرة، ومن الفئات الغنية في كل دول العالم إلى فقرائها، وعلى الحكومات أن تفرض ذلك، إضافة إلى الدعم الحكومي بحيث يؤمن اللقاح والدواء للجميع. وعليه؛ يُقدر أن نرى نهاية كارثة فيروس كورونا في مطلع العام 2021، بحسب بعض التقديرات، أو في موعد أقرب مثل شهر أيلول/ سبتمبر المقبل، بحسب تقديرات أخرى، وقد يكون قبل ذلك، في حال تحقيق تقدّم أسرع في اعتماد الدواء واللقاح وإنتاجها بكميات كبيرة، ويُتوقع أن تساعد حرارة الصيف في خلق بيئة قاتلة للفيروس، أو أن تحدّ من قدرته على الانتشار.