أثارت هبّة الفلسطينيين الأخيرة، دفاعًا عن حقّهم بالحياة الطبيعية في أرضهم التاريخية، ودفاعًا عن حقوقهم الإنسانية بالتملّك والسكن وممارسة العبادة ضمن أماكنهم المقدسة، مجموعةً من الأسئلة حول موجة التطبيع الأخيرة لدى بعض الدول الخليجية. وكان للتعاطف العربي والإسلامي والعالمي الكبير الذي حظيت به هذه الهبّة دورٌ واضحٌ في تعميق معنى هذه الأسئلة وتجذيرها. لو نظرنا إلى المستوى غير المسبوق في تبدّل الرأي العام العالمي -وخاصّة في أميركا وأوروبا- حول إسرائيل والقضيّة الفلسطينية، لعرفنا أهميّة الربط بين القضايا التحررية الوطنية من جهة، وبين القيم والمبادئ الإنسانية من جهة ثانية. على سبيل المثال، انخفضت نسبة تأييد إسرائيل، لدى شريحة الشباب الأميركي من بين أتباع الكنيسة الإنجيلية (الذين يشكلون الداعم الأكبر لإسرائيل في أميركا والعالم) من 75% عام 2018، إلى 33,6% عام 2021، بحسب استطلاع للرأي أجرته مجموعة (بارنا) بتكليف من باحثين في جامعة كارولاينا الشمالية خلال العامين المذكورين.

لقد استطاع الفلسطينيون -عبر نضال طويل ومرير- أن يستخدموا الأدوات المناسبة لمخاطبة الرأي العام العالمي، وقد حققوا نجاحات لافتة للانتباه في هذا المجال. في دراسة صادرة عن مركز الحوار السوري، تمّ تسليط الضوء على هذا التناغم بين المحلي الوطني والإنساني العالمي بشكل غير مباشر. (نجح الناشطون الفلسطينيون خارج فلسطين في التقاط بذور الحدث ومتابعته، واستثمار هذه الحملات والحشد لها بشكل بارع على مواقع التواصل الاجتماعي…. ساعدت أعمال التوثيق والتدوين والمقالات والخبرات السابقة في توفير محتويات علمية جاهزة أو تحضير محتويات جديدة تتناسب مع الشريحة المستهدفة في فترة زمنية قصيرة … وبالنظر إلى شكل الخطاب وشكل المحتوى المقدّم لتغطية الحدث، يمكننا ملاحظة أنّ المحتوى على مواقع التواصل محتوى ناضج، وإن كان يُدار شعبيًا، فحمَلَ رسائل واضحة ولغة إيجابيّة محفّزة، كما استخدم صورًا من قلب الحدث تظهر الجانب الإنساني المقاوم عند الفلسطيني، ولم تظهر جانب الضعف والاستجداء…)[1]

أعاد الفلسطينيون رسم ملامح قضيّتهم وقضيّة العرب الأولى، بطرق خلّاقة أحرجت أنظمة التطبيع أمام شعوبها وأمام العالم. من هذه الطرق، مخاطبة منظمات المجتمع المدني الفلسطيني (التي شكلت عام 2005 فيما بينها تحالفًا يضمّ 170 منظمة تحت مسمّى المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات BDS[2]) للرأي العام الغربي والعالمي، عبر المنظمات المدافعة عن حقوق الإنسان والمنظمات العاملة بالشأن الإنساني، لإيصال رسائل الشعب الفلسطيني بالشكل المفهوم للعقل الغربي. أدّت هذه الجهود الفلسطينية، والجهود الذاتية للمنظمات الدولية، إلى رفع مستويات المقاطعة للمنتجات والبضائع الإسرائيلية من جهة، وإلى تشديد النقد واللوم والمقاطعة على كثير من الشركات التي تخرق موجبات حقوق الإنسان في تعاملها مع إسرائيل. واحد من أمثلة النجاح التي حققتها حركة BDS قدرتها على إرغام شركة VEOLIA الفرنسية، وهي جزء من تكتل فرنسي إسرائيلي من الشركات الخاصة اسمه CITYPASS، على الانسحاب من تنفيذ مشروع مدّ القطار الخفيف الذي كان مقررًا له أن يربط المستوطنات الإسرائيلية بالقدس المحتلة.

بالعودة إلى موضوع التطبيع الذي استشرى كجائحة كورونا في عهد الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، نجد أنّه أتى فعلًا في الزمن بدل الضائع أو في الزمن المستقطع، بحسب تعابير ومصطلحات رياضة كرة القدم. يشهد العالم حاليًا تصاعدًا كبيرًا في الضغوطات التي تمارسها منظمات حقوق الإنسان، مثل منظمة العفو الدولية (Amnesty International) ومنظمة حقوق الإنسان (Human Rights Watch) ومرصد الأعمال وحقوق الإنسان (Business & Human Rights Resource Centre) وغيرها الكثير، على حكومة إسرائيل، بسبب جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ترتكبها بحق الفلسطينيين، وبسبب سياسات الفصل العنصري والتهجير القسري للسكان العرب، والاستيلاء على أراضيهم وبيوتهم، وحرمانهم من التنقل من خلال جدار الفصل العنصري والحواجز وتصاريح التنقل بين مدنهم وقراهم. بالمقابل نجد تهافتًا غير مبرر ولا منطقي لحكومات بعض دول الخليج على التطبيع مع إسرائيل.

لقد عرّت الهبّة الفلسطينية الأخيرة هذه الأنظمة، فباتت تبحث عن أي ستار تتلطّى خلفه، كمن يريد مداراة سوأته بأي شكل بعد سقوط ورقة التوت عن جسده العاري. حاولت هذه الأنظمة استغلال الأخطاء السياسية الفادحة التي ارتكبها قادة (حماس)، بانحيازهم غير المبرر إلى إيران و”حزب الله” والحوثي وبشار الأسد، وبهدرهم جزءًا مهمًا من سمعة وشرعية النضال الوطني الفلسطيني بهذا الانحياز الأيديولوجي الانتهازي، لتبرر تطبيعها وتحالفها مع إسرائيل. لكنّ الجمهور العربي والإسلامي بدأ يتلمّس طريقه للخروج من هذه الازدواجيّة القاتلة. ليس بالضرورة أن تصطفّ خلف محور إيران المتاجر بالمقدسات وبالقضية الفلسطينية لتكون مناصرًا للحق الفلسطيني، وبالمقابل، لست مضطرًا إلى الوقوف إلى جانب إسرائيل وخلف أنظمة التطبيع، بحجّة اصطفاف قادة بعض التنظيمات الفلسطينية مع المحور الآخر. هناك طريق ثالث يمكنك أن تتبعه، هو الخيار الديمقراطي الليبرالي الإنساني الذي يقف مع الحقوق الإنسانية والوطنية للشعب الفلسطيني، من دون أن يضع يده بيد القتلة من أمثال بشار الأسد ومن خلفه نظام الملالي في طهران، ومن دون أن يستسلم للرواية الصهيونية العنصرية.

هنا علينا نحن، السوريين، أن ننظر إلى هذه المسارات بعينٍ فاحصة، وعلينا أن نستفيد من تجارب أهلنا الفلسطينيين، فليس مطلوبًا منّا اختراع العَجلة كل مرّة، والمثل الشعبي يقول: (الشاطر من يتعلّم من كيس غيره)، فلماذا لا نتعلّم من تجارب أخواتنا وإخوتنا الفلسطينيين، ولماذا لا نعزز فرص إبقاء قضيتنا السورية على مسرح الأحداث العالمية؟ علينا أن نستغلّ كلّ المنصّات المتاحة لنا لعرض قضيتنا، وعلينا أن نأخذ المبادرة ونقتحم هذه المجالات، لأنّه ببساطة شديدة لن يقوم أحدٌ بهذا الأمر نيابة عنّا، وما نيلُ المطالب بالتمنّي… ولكن تُؤخذ الدنيا غِلابا … وما استعصى على قومٍ منالٌ…. إذا الإقدامُ كان لهم رِكابا.

تتحوّل القناعات وتتغيّر المواقف ليس فقط تفاعلًا مع عدالة القضايا المطروحة، بل لأنّ القائمين عليها قادرون على التعامل بمرونة، ويستطيعون مخاطبة الناس حسب ما تدركه عقولهم، ويمكنهم استخدام الأدوات المناسبة في الزمن الملائم. يربح المثابرون القابلون للتطوّر، ويندثر الكسالى المتكئون على افتراضات غير قابلة للإثبات بدون جهد حثيث. إنّه عصر ربيع الشعوب وعصر حقوق الإنسان، وسيزهر وتتفتّح براعمه رغم أنف الأنظمة الاستبدادية ورغم العوائق الهائلة.


[1] الإدارة الشعبية والإعلامية للحدث الفلسطيني الطارئ – دروس مستفادة لأصحاب القضايا العادلة – تقرير صادر عن الوحدة المجتمعية في مركز الحوار السوري بتاريخ 2/6/2021  

[2] المخبر الاقتصادي – ما الذي سيخسره الاقتصاد الإسرائيلي من المقاطعة؟ – قناة أشرف إبراهيم على يوتيوب تاريخ النشر 5/6/2021