وافقت الولايات المتحدة الأميركية على قيام إسرائيل بضمّ ما يحلو لها ضمّه من الضفة الغربية، التي كان العالم قد اعترف بها كأرض وطنية فلسطينية، وأقرّ بحق شعبها وممثليه في إقامة دولة وطنية عليها، مستقلة وسيدة، شأن دول العالم الأخرى، وهو حل تم التوصل إليه بدعوة من الولايات المتحدة الأميركية، وتحت إشرافها، وتعهدها بتقديم الضمانات الكافية لإنجاز ما سيعرف منذئذ بـ “حل الدولتين”، الذي يقوم على تبادل الاعتراف والتعايش بسلام، إحداهما إلى جانب الثانية. 

لم تفِ أميركا بتعهداتها، وتبنت سياسةً غلّبت مصلحة إسرائيل على مصلحة فلسطين، لكنها حافظت على حق الفلسطينيين في إقامة كيان وطني خاص بهم، يتفق قيامه مع القرارات الدولية التي صدرت عن منظمات الشرعية الدولية، منذ بدء الصراع على فلسطين إلى اليوم، وتشكيل منظمة الأمم المتحدة بعيد الحرب العالمية الثانية.

 إلا أن تحولًا نوعيًا بدأ مع وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، واعتماده سياسات تسحب اعتراف أميركا بوجود شعب فلسطيني، له أرض وطنية ومن حقه إقامة دولته عليها من جهة، وتعيد الفلسطينيين، من جهة أخرى، إلى ما دون وضعهم السابق كلاجئين، وتريدهم شتاتًا بلا هوية، من جهة أخرى. لذلك، طالبت بحل المؤسسات الدولية، التي تكفلت وما تزال برعايتهم في أماكن عيشهم الحالية، داخل وطنهم وخارجه، وقطعت ما كانت تقدمه لها من مشاركات مالية ومعونات، وليذهب القانون الدولي والقرارات والتفاهمات الدولية، ولتخضع المؤسسات الدولية لقرارات واشنطن، وليذهب مبدأ عدم التدخل في شؤون الآخرين، والحفاظ على الأمن والسلم الدوليين، إلى الجحيم، ولتوضع مطامع إسرائيل التوسعية فوق أي قانون أو اعتبار، ولتأخذ من أرض الدولة الفلسطينية ما تقرر أخذه من القليل المتبقي منها، الذي انحدر من 46% من إجمالي مساحة فلسطين في قرار التقسيم عام 1947، إلى 22% عند التوصل إلى اتفاقية مدريد، وقرابة 17% اليوم، تم تقطيعها وتشطيرها بأسافين استيطانية تخترقها طولًا وعرضًا، جعلت من المحال  إقامة دولة في بقعها المتناثرة والمبعثرة!

منذ عام 1942، سنة انتقال مركز ثقل المشروع الصهيوني من إنكلترا إلى أميركا، تبدلت هوية هذا المشروع، ولم يعد قائمًا على القبول بوجود شعب آخر في “أرض الميعاد” اليهودية. لذلك، لم تلتزم الحركة الصهيونية بأي قرار دولي حول حقوق الطرف الفلسطيني الوطنية، وقررت التهام فلسطين شبرًا شبرًا، بغطاء من البيت الأبيض، الذي لم يعمل يومًا لوقف استيطان إسرائيل للأرض الفلسطينية، مع أن بعضها كان يدعي أن التوسع الاستيطاني يضرّ بالسلام، لكن ترامب طبع سياسات واشنطن بطابع إسرائيلي صرف، فاعترف بضم القدس إلى إسرائيل، وبالجولان كأرض إسرائيلية، ضاربًا عرض الحائط بالقرارات الدولية بالنسبة إلى حالة القدس، المدينة الدولية التي لا تتبع لإسرائيل أو لفلسطين، والجولان، الأرض السورية المحتلة، التي لا يحق للاحتلال تغيير وضعها أو تضاريسها أو استيطانها، وعليه المحافظة عليها كما كانت في اليوم الأول لاحتلالها، ما دام مصيرها لن يكون الضم، بل إعادتها إلى أصحابها الشرعيين. بهاتين الخطوتين جعل ترامب السلام بين فلسطين وسورية وإسرائيل مستحيلًا، ولم يعد قيام الدولة الفلسطينية أو رجوع الجولان إلى سورية مسألة قابلة للتحقيق، أو تفاوضية، ولذلك يطلق يد تل أبيب في ضم ما يحلو لها ضمّه من الضفة الغربية، وسط صمت عربي/ دولي، فلا اجتماع لجامعة الدول العربية، أو لمنظمة التعاون الاسلامي، أو جلسة طارئة للجمعية العامة للأمم المتحدة، بل إلغاء لفلسطين وشعبها وتهديد كياني للأردن، بل قرصنة دولية تشرعن القوة وحق القوي في تدمير وجود الآخرين، وانتزاع أراضيهم، وتشريدهم وقتل اطفالهم ونسائهم، وهدم عمرانهم!

ثمة جملة عوامل تشجع واشنطن على انتهاج سياساتها الراهنة، حيال ما دأب النفاق العربي على اعتبارها “قضية العرب المركزية”، التي لا مراء في أنّ تخلي العرب عنها هو العامل الأول الذي يسمح لترامب بانتهاج سياسات تلغي وجود فلسطين. أما العامل الثاني فهو الانقسام الفلسطيني، الذي يغلب التناقض الداخلي بين حماس والسلطة الوطنية على التناقض مع العدو، ويجعل الأول منهما عدائيًا، ويجمد الثاني ويثلم حدته، ويتبع مسارات مدمرة أهمها تلك المقاومة التي تقاوم السلطة، وتلتزم بـ “قواعد اشتباك” قائمة على وقف إطلاق نار دائم، وتشنّ حربًا كلامية لا هوادة فيها على جهة فلسطينية رسمية اعترف العالم بحقها في إقامة دولة فلسطينية مستقلة، وفي تمثيل شعب فلسطين. يكمن العامل الثالث في واقعة أن صمت العالم على الجرائم الجماعية ضد الآمنين والعزل، التي يرتكبها النظام الأسدي منذ نيف وعقد، شجع إسرائيل على الاقتداء بربيبها في دمشق، وجعلها واثقة من أنه لن يستطيع أو يرغب في وقف جرائمها، بعد أن رفض وقف جرائم الأسد ضد شعب اتهم بالإرهاب فرادى وجماعات. فتح تدمير دولة سورية ومجتمعها البابَ لتدمير دولة فلسطين ومجتمعها، وستفتح هزيمة الثورة باب الإجهاز النهائي على ما بقي من فلسطين، أرضًا وشعبًا، لأسبابٍ عدة منها أن تدمير دولة ومجتمع سورية بيد حكامها، يشطبهما من معادلات القوة في المنطقة، ويطلق يد إسرائيل في فلسطين، بدعم أميركي هدفه تفكيك دول المنطقة وإعادة تركيبها، دون أن يكون لفلسطين حق أو وجود في أرض وطنية، كما تؤكد المؤشرات الراهنة. هناك عامل رابع هو سيطرة نزعة قومية ضيقة على سياسات الدول الكبيرة والمتوسطة القدرات، تتبنى بدفع منها سياسات تحتقر القانون الدولي وتعطل مؤسسات الشرعية الدولية، وتعتمد موقفًا يقول: “أنا وليذهب الآخرون إلى الجحيم”، أسوة بما يفعله ترامب في كل مجال ومسألة.  

ضاعت في الماضي فلسطين؛ فضاع العرب، ودمّرت إسرائيل بالقوة محاولة نهوضهم وأفشلتها. واليوم، ينعكس الخراب العربي على فلسطين ويضيعها، حتى إنه لن يبقى هناك شيء منها، إذا استمر الزحف الإسرائيلي عليها، وسط تخلي المنافقين الذين يعتبرونها “قضيتهم المركزية” عنها!