اليوم، نودعك أيها الجميل يا عاشق الحرية.. مسيرتك خلال نصف قرن من الكفاح والعمل الثقافي والسياسي والحضور الإعلامي تتحدث عنك.

يصعب عليّ الكتابة عن شخصية عامة مميزة، تربطني بها علاقة صداقة عمرُها أكثر من أربعة عقود، حزن عميق يسيطر علي، الإحساس بخسارة رفيق دربٍ عشنا معًا محطات مهمة من تاريخ سورية، خاصة المرحلة السريّة في مواجهة الاستبداد في عهدي الأسد الأب والابن.

كان لقائي الأخير معه قبل شهرين، في مسكنه في منفاه الاختياري باريس، بحضور زوجته، وتحدثنا في أمور كثيرة تداخل فيها الخاص بالعام، أخبرني بمشاريع كتبٍ يحضّر لها، وأهداني كتابه الذي صدر حديثًا (من الأمة إلى الطائفة/ سورية بين حكم البعث والعسكر)، وقد وقّعه بعبارة مؤثرة (إلى صديقي رفيق العمر والنضال..)، كان كعادته يطلعني قبل النشر على قسمٍ من أعماله، وربما يرسلها إلى بعض أصدقائه المقربين. مع بداية إصابته بفيروس كورونا، تحدثنا طويلًا عبر الهاتف، وأراد أن يعرف تجربتي في تجاوز هذا المرض اللعين، قبل ثلاثة أشهر من تاريخه. فقدّمت له استخلاصاتي وتمنيت له الشفاء وقهر المرض. تواصلنا طوال مدة إقامته في المشفى، وكان آخر ما أرسله إليّ كلمات مكتوبة كفقرات، وكذلك إلى بعض الأصدقاء، ونُشرت كوصية له. كانت معنوياته عالية، وعاش لحظات جميلة من مشاعر الاحتضان الكبير من أصدقائه ومحبيه، وأدرك حجم الاحترام الذي يكنّه له غالبية السوريين حتى المختلفين معه.

تعرّفي الأول إلى الراحل ميشيل كان في النصف الثاني من السبعينيات، في بيته في دمشق، حيث زرته برفقة صديق مشترك. كان حديثه ممتعًا ومركزًا، وأعترفُ أنه بهرني بطريقة عرضه لأفكاره ووجهة نظره، كنظم لا حشو فيه، كانت لديّ فكرة عامة عن طروحاته، لكني تيقنت أني تعرفت إلى مثقف عقلُه منفتح على عالم الإنسان، ومجتهد في تحليلاته، ومفعم بالروح الوطنية.

توطدت العلاقة بيننا، بعد خروجه من سجنه الأول الذي دام نحو سنتين، على إثر حملة الاعتقالات الواسعة التي طالت حوالي 250 شخصًا من كوادر الحزب الشيوعي السوري/ المكتب السياسي، ولم يكن ميشيل كيلو عضوًا منظمًا في الحزب، ضمن الهيكلية التنظيمية، لكن دوره الفكري السياسي لا يقلّ عن دور أي قيادي في الحزب، حيث كانت له إسهاماته ومشاركاته، وكانت السلطات الأمنية تعدّه خصمًا عنيدًا يجب إسكاته، لأنه يملك مساحة تأثير واسعة خاصة في القطاع المثقف، وسعت هذه السلطات إلى طمس الطرح الوطني الديمقراطي الذي بشّر به الحزب والتجمع الوطني الديمقراطي، وكذلك النقابات المهنية، وهذا الخط الوطني الديمقراطي يُلغي شرعية حكم العسكر ومقولة الحزب القائد، ويقوض أركان النظام الشمولي الاستبدادي.

كان التحذيرُ شديدًا إلى ميشيل كيلو، عند إخلاء سبيله، جاء على لسان حافظ الأسد بالتهديد بالقتل، إذا تابع نشاطه المعارض. من هذه الزاوية، أَكْبرت بميشيل كيلو شجاعته في المبادرة بالاتصال بي، وكنت في تلك الفترة، في حالة توارٍ في دمشق، إذ كنتُ مطلوبًا لأكثر من جهاز أمني، وفي موقع القرار في قيادة الحزب، بعد اعتقال معظم قادة الحزب في ذلك الحين: رياض الترك وعمر قشاش وفايز الفواز ومنذر الشمعة، وكان شرطه الوحيد ألا يعرف أحدٌ بالعلن عن هذه العلاقة.. وفعلًا، استمرت الأمور سنوات، ولم يعلم بهذه العلاقة بعد مدة سوى الصديق المشترك عبد الله هوشة، الأمين الأول الأسبق لحزب الشعب الديمقراطي السوري (الحزب الشيوعي/ المكتب السياسي سابقًا).

في تلك السنوات، كان يقدّم رأيه ومشورته، ويسهم في تحرير مواد جريدة الحزب المركزية في ذلك الحين (نضال الشعب)، وكذلك في مواد سياسية داخلية يجري تداولها بين الأحزاب الخمسة للتجمع الوطني الديمقراطي، ثم قرر الخروج إلى فرنسا ليمارس نشاطه بهامش من الحرية. كان لديه مشاريعه الثقافية التي تخدم قضية التغيير الجذري الديمقراطي والمشروع الحداثوي النهضوي.. كتاباته في الصحافة اللبنانية أو الفلسطينية لم تتوقف. عكف على ترجمة العديد من الكتب المهمة من اللغة الألمانية إلى اللغة العربية، وهي كتب تخدم الفكر السياسي والمفاهيم الحداثية وتجربة النهضة والثورات في أوروبا. كان من أبرزها (لغة السياسة) و(الإمبريالية وإعادة الإنتاج) و(الديمقراطية الأوروبية) و(الوعي الاجتماعي).. وخلال تلك الفترة، أنتج كتابًا تحليليًا في بنية النظام السوري، بقي مطبوعًا على ورق الآلة الكاتبة، وأصدر جانبًا مما تضمنه فيما بعد، في كتابٍ نُشر في دار مدبولي في مصر بصيغة حوارات حول سورية، سؤال وجواب، باسم مستعار (محمود صادق).. بالإضافة إلى أعمال أدبية من وحي تجربته في السجن.

 تمتنت علاقتنا أيضًا من خلال تفاعلنا وتأثرنا المشترك بالمفكر الكبير إلياس مرقص، وبمنهجه النقدي، إذ يرتبط به ميشيل بعلاقة تاريخية، وكنتُ على تواصل معه في السنتين الأخيرتين قبيل وفاته عام 1991. علاقة ميشيل بالفكر والثقافة كانت الأساس في توجيه نشاطه السياسي، كان يعمل بمنظور تاريخي، وكانت ثقته كبيرة بقدرات الشعب السوري على التغلّب على كل قوى الاستبداد.

مع بداية التسعينيات، عاد ميشيل إلى سورية ليستقر فيها، ولم ينقطع التواصل بيننا، سواء عبر الرسائل أو من خلال اللقاء المباشر.. وبعد حرب الخليج الأولى عام 1991، بات متحمسًا للتوجه الجديد للتجمع الوطني الديمقراطي، في سعيه لانتزاع شرعية علنية في النشاط وفرضها كأمر واقع، بالرغم من حملات الاعتقال التي طالت عشرات من كوادر التجمع الوطني الديمقراطي، وكان دائمًا مواكبًا لكلّ ناشط معارض، وكان يشارك أحيانًا في لقاءات مع بعض قيادات التجمع، أو في افتتاحيات نشرة الموقف الديمقراطي (1991 – 2011) التي يصدرها المكتب الإعلامي للتجمع، وهو صاحب الاقتراح بتسمية المنتدى الذي أحدثه (التجمع)، ورعاه في نهاية عام 2001 خلال ربيع دمشق، باسم منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي. 

كان دور ميشيل كبيرًا ضمن المجموعة الفاعلة من المثقفين السوريين في ربيع دمشق: بيان المثقفين، وبيان الألف ونشاط المنتديات، وفي تشكيل لجان إحياء المجتمع المدني، وفي إعلان دمشق، ثم في إعلان بيروت دمشق، الذي اعتُقل على إثره عددٌ من المثقفين والناشطين الحقوقيين، كان هو من أبرزهم، وكذلك المحامي أنور البني، ومرة أخرى يدخل ميشيل كيلو السجن، لكن في عهد بشار الأسد، ويقضي ثلاث سنوات كاملة في سجن عدرا (2006 – 2009).

وجاءت الثورة لتشكّل مرحلة جديدة في عمله السياسي والوطني، وربما تعدّ الأكثر تعقيدًا وأكثر إشكالية. ولستُ بمعرض سرد أو تقييم الدور الكبير الذي لعبه ميشيل كيلو، خلال مسيرة طويلة كنتُ شاهدًا على معظمها، سيُكتب عنها الكثير، لكن المحزن في الأمر هو الخسارة الوطنية لغيابه المبكر. فعلى الرغم من تقدّمه بالسنّ، كان يتمتّع بحيوية ونشاط وأداء عقلي وسياسي متميزين، وكان يحاول الاستفادة من تجربته وأخطائه وأخطاء المعارضة والثوار الحقيقيين. وظلَّ يقدّم ويعطي ويجتهد ويبادر، بالرغم من الاستعصاء الشديد في الأوضاع السورية، بعد انقضاء عشر سنوات على انطلاقة الثورة، وتخاذل المجتمع الدولي عن واجباته وقراراته ووعوده في حماية الشعب السوري والدفاع عن المنظومة القيمية لحقوق الإنسان المُقرّة من الأمم المتحدة.

محبّو ميشيل كيلو وخصومُه كلاهما يعترفون بحضوره القويّ والمؤثر، ليس فقط لسرعة بديهته وذاكرته القوية وطلاقة لسانه بل لقدرته المستمرة على المبادرة واقتراح الحلول، سعيًا منه لخروج السوريين من مأساتهم واستعادة الوطن وبناء عقد اجتماعي جديد، يحدد الشعب فيه خياره الديمقراطي الذي يحقق أهداف ثورة الحرية والكرامة. 

وبالرغم من عقلانيته الشديدة، كانت العاطفة وتأجج المشاعر تطغى على شخصيته، كان وطنيًا بامتياز، معطاء بامتياز، شديد الحماسة.. وكانت هذه الخصال المعبّرة عن الطيبة والصدق توقعه في الخطأ أحيانًا، مع من احترف الخداع، كما توقعه في تقديرات فيها من المبالغة ما يجعل خصومه يتربصون له تجاه أي هفوة.. وهو في الدفاع عن قناعاته كان جسورًا، ولا يخاف من فتح الجبهات الفكرية أو السياسية، ويشعر باستقلالية كبيرة، ولديه نزعة تمردية غير قابلة للتأطير.. من يعرفه جيدًا عن قرب لا يمكن إلا أن يحبّه.. قد ينحني للعواصف، وقد يقع في الأخطاء، لكنه يعترف ويقول: البشر خطاؤون.. ومن لا يعمل لا يخطئ. كيف لا وهو بمفرده ورشة عمل… لقد أحبّه السوريون، وصدق من رثاه: “لو كانت البلاد بلادنا لمشت دمشق في جنازتك..”، و”بكتك سورية”.. وإننا نودع جثمانك الآن وفي القلب ألف غصة.. وداعًا أيها الجميل.