على الرغم من الثقة الكبيرة التي كان يكنّها السوريون للديمقراطية، عندما انتفضوا عام 2011، كطريق اختاروه لتغيير أوضاعهم، والتخلص من نظام الأسد؛ فإنّ مسار الأحداث خيّب أملهم، وفرض عليهم تغريبه التهجير والنزوح والموت، التي يبدو أن لا حلَّ قريبًا لها. ولكن كيف يعيد السوريون تعبيد طريقهم نحو الديمقراطية، بعد أن حُرموا منها مدة تزيد عن نصف قرن من الزمان؟ وكيف يقرّبون أنفسهم منها، كأفراد وجماعات؟ وهل عملوا ما عليهم أن يقوموا به؟ 

ينتمي المجتمع السوري -كحال المجتمعات التي عانت الاستبداد سنوات طويلة- إلى ثقافةٍ لا تحمل تقديرًا للنقد الذاتي، ولا تُحمّل المجتمعَ جزأ أساسيًا من المسؤولية عن المشكلات، على الرغم من وحشية النظام الأسدي وهمجيته. وقد دفعهم هذا الوضع إلى التركيز على مقاومة نظام الأسد، سياسيًا وعسكريًا، من دون أن يُولوا لمهمة مقاومته، ثقافيًا وديمقراطيًا، الأهمية التي تستحقها.

ولعلّ هذا ما أدى -كما تبيّنَ- إلى ظهور نُخب من المعارضة في الخارج، وقيادات للمعارضة في الداخل، لا تؤمن بديمقراطيته السوريين التي ينشدون؛ إذ تريد المعارضة أن تحلّ محلّ نظام الأسد، بأي طريقة. ولأن تلك المعارضة كانت منشغلة بذلك الهدف، فقد نسيت مطلب السوريين الأساس، وتفرغت لمطالبها. وهكذا استمدت المعارضة الخارجية قوتها من المحافل الدولية، مثلما استقوت المعارضة الداخلية بقوة السلاح. أما السوريون فتُركوا وحدهم يواجهون المجهول.

أصحاب القلوب الضعيفة من السوريين طلّقوا السياسة، وبعضهم عاد إلى مجموعته الدينية أو العرقية أو المناطقية، التي بقيت تحت الرماد بفعل سياسات النظام الأسدي التمييزية. وبعضهم دخل في نوبة مظلومية عارمة، محتميًا بنظرية المؤامرة المعكوسة، وكثيرٌ منهم فقد ثقته بالجميع حتى بالسوريين الآخرين. ولكن الأكثرية لا تريد إعادة رسم الخريطة، والقيام بنقد عقلاني يعطي للسوري دورًا في التأسيس لنفسه ومستقبل بلده!

نقد السوريين لطرق تفكيرهم في السياسة أمرٌ في غاية الأهمية في هذه المرحلة؛ لأنه يساعد في توضيح الأسباب التي أوصلتهم إلى هذه الحال، ويسهّل الطريق لجمعهم من جديد، على أسس يقبلها الغالبية منهم على الأقل؛ إذ لا يمكن الجمع ين السوريين، بمختلف قومياتهم وطوائفهم ومناطقهم وتوجهاتهم السياسية، إلا عبر الديمقراطية، ولا يمكن أن تعود الثقة بين السوريين إلا عبر الديمقراطية. في الغرب يقولون إن أي عمل يحتاج إلى بيئة إيجابية، من دونها لن يكتب للعمل النجاح، وهذا ينطبق على تفكير السوريين بقضايا السياسة، فمن دون بيئة ديمقراطية بناءة، لن يكون للسياسة أي معنًى في سورية.   

القضية تتعلق بمدى إيمان السوريين بأولوية قيم الديمقراطية؛ ذلك أن تهاونهم بهذه القيم هو الذي يمكّن الآخرين، سواء كانوا النظام الأسدي أو المعارضة التي لا تؤمن بالديمقراطية، من تجاوزهم والتعدي على حقوقهم. ومن الأخطاء الكبرى في تاريخ البشر أن يؤجل الهدف الأساس، من أجل تحقيق أهداف مرحلية. وهذا يعني أنْ ليس من الحكمة أن نضحّي بمطلب الديمقراطية، من أجل إسقاط النظام الأسدي على يد قوًى لا تؤمن بأولوية الديمقراطية؛ لأن القضية الأساسية ستضيع، وسنصل إلى وضع يشبه من يستبدل سلطة استبدادية بسلطة استبدادية أخرى.

قيم الديمقراطية، القائمة على المساواة الكاملة واحترام الحقوق وحرية الأفراد وتأسيس حياة الناس على العدالة، هي في النهاية خيار إستراتيجي وطريقة في التفكير، وقاعدة للبناء الكلي، وليست أي شيء آخر أقلّ من ذلك. والإيمان بها شرطٌ سابقٌ على الثورة أو أيّ عمل سياسي، ومن دون تدريب الذات على الالتزام بهذا الشرط وفرضه على الآخرين؛ سيبقى باب التنازلات مفتوحًا على مصراعيه. الديمقراطية بالنسبة إلى السوريين هي، بلغة المشتغلين بالدساتير، “مبدأ ما فوق دستوري”، وبلغة أهل المنطق هي “بديهية”، تنطلق منها أي عملية تفكير، أي إنها المبدأ الذي يجب أن تُؤسس عليها كلّ خياراتنا الوطنية وتصوراتنا السياسية وانتماءاتنا القومية، وهي المرجع الذي نعود إليه لإقامة علاقتنا بالحياة والمجتمع والأديان.

غير أن الإيمان بالديمقراطية ليس بالأمر السهل، ويستدعي إعادة تنظيم فكرنا السياسي، في كثير من القضايا. وهذا يعني أن علينا التنازل عن كل أحلامنا السياسية، والتوقف عن الانسياق وراء النزعات الشعبوية في السياسة، وتقديم مصالح السوريين الأفراد على الأيديولوجيات، والتخلي عن المزاودات القومية الجوفاء، كما يعني تقديم مطلب تحرير الإنسان على تحرير الأرض، لأن الإنسان أهم من الأرض. الديمقراطية تعني أن نبوح لبعضنا بمخاوفنا من بعضنا البعض، وأن يتملك كلّ طرف جرأة التحدث عن عيوبه وأخطائه.

طبعًا، بعد عشر سنوات من مسار الثورة السورية المعقد، بات واضحًا أن ليس هناك طرق مختصرة للديمقراطية، وأن لا ديمقراطية من دون شعوب تؤمن بها كأولوية ومبدأ وتبني عليها كل تفكيرها في السياسة. لقد كان مطلب تأجيل الديمقراطية اللعبة المحببة لدى حافظ الأسد وجمال عبد الناصر، وبقية دزينة الحكام العرب، وإن أي تأجيل لها أو تهاون مع من لا يؤمن بأولويتها يعني العودة إلى مربع الصفر، المربع الذي جهد النظام الأسدي على إبقاء السوريين فيه، بكلّ ما أوتي من قوة.

يمكن للسوري اليوم أن يتبنى ما يشاء من الخيارات السياسية أو الأيديولوجية، كأن يكون قوميًا أو غير قومي، إسلاميًا أو غير إسلامي، مع المركزية أو ضدها، ولكن لا يمكنه أن يبني أي موقف، من دون أن يحدد الأولوية الديمقراطية لكل مواقفه السابقة، فمن دون الديمقراطية لا يوجد أساس يمكن أن تبنى عليه السياسة في سورية.

لقد بينت عشر سنوات من الانتفاضة أن كل سوري لا يؤمن بالديمقراطية لا يمكن أن يكون مع انتفاضة السوريين ومطالبهم؛ لأنه لا يؤمن بالسوريين أصلًا، فكيف سيؤمن بحقوقهم وكرامتهم. أما هؤلاء الذي يقولون إنهم يؤمنون بالديمقراطية، ويضيفون كلمة “ولكن”، فهم الفئات الأخطر على السوريين، لأن كلمة ” ولكن” ليست أكثر من ذرّ رماد في العيون، أو كمن يدخل الديمقراطية من الباب، ويُخرجها من الشباك.