على كلّ الأصعدة، تشهد الساحة السورية حالًا من الغليان، وهذا أمرٌ طبيعي، بعدما وصلت إليه الأمور من تأزّمٍ غير مسبوق. المشهد كارثيّ بكل معنى الكلمة، وتوصيفه لن يزيدنا نفعًا، ولن يقدّم إجابات عن أسئلة السوريين العالقة في فضاء مشحون بالنار والبارود، كما بالآمال والآلام. مثل فطور الكمأة في بادية الشام بعد عواصف رعديّة، طفرت أجسام وكيانات سياسية واجتماعية سورية، خلال الأعوام الماضية، وكما هي روح الفطر رقيقة وعمره قصير، كانت كذلك أعمار أغلب هذه الكيانات والأجسام، والسبب الرئيس في ذلك هو انعدام احتراف السياسة وقلّة وجود السياسيين.

في الدول المتقدمة، تعتبر السياسة حرفة ومهنة، وهي تُدرّس كعلوم أساسية في المدارس العامّة، ثمّ يبدأ التخصص في مجالاتها المختلفة، ويتوزّع ما بين الجامعات والمعاهد العليا، وهناك أكاديميات للسياسة والإدارة، في كثير من بلدان العالم، متخصصة بتخريج رجالات الدولة والقيادات السياسية. ومن يدخل السياسة، سواء أتى من داخل مجالات الدراسة الأكاديمية أم من خارجها، لا بدّ له، كي يكتسب أصولها ويتعرّف إلى قوانينها، من الممارسة العملية. وتتم هذه الممارسة عادة ضمن الأحزاب والتنظيمات الأخرى المتداخل عملها في الشأن العام، كالنقابات والاتحادات الطوعية وغيرها من مؤسسات المجتمع المدني.

لا تُمارس السياسة فقط في الدول الديمقراطية، لكنّ الأخيرة تفسح لها المجال واسعًا للنموّ والتطوّر في اتجاهات حضارية تقوم على أسس واضحة وقابلة للقياس، من احترام كرامة البشر وحقوقهم، خاصّة عندما نتحدّث عن السياسة داخل الدول لا عنها في العلاقات الخارجية للدول أو بين الدول ككيانات سيادية. وفي الدول المحكومة بأنظمة أوتوقراطية بخلفيات ديكتاتورية عسكرية أو ثيوقراطية؛ تكون السياسة حكرًا على مجموعات محددة من الناس، أمّا بقية السكان، باعتبارهم رعايا لا مواطنين، فإنهم يمارسون السياسة خارج مجالاتها الرسمية، وغالبًا ما تكون ضمن أُطُرٍ سريّة، أو ضمن تورياتٍ اجتماعيةٍ أو ثقافيةٍ أو فنيّة تحاول التملّص من رقابة أجهزة الأمن وعسسها.

ولأنّ السياسة الداخلية بمفهومها العام في دولة ما، والتي تهمّنا في هذا المقال، هي نوعٌ من إدارة الحوارات المجتمعية وتوزيع النفوذ والقوّة وتصريف شؤون الثروة والسلطة ضمن حدود المجتمع المعيّن، فإنها لا تقوم بفعلها الصحي إلا ضمن أجواءٍ من الحريات العامّة والديمقراطية وسيادة القانون، فهي بحاجة إلى قواعد وأسس واضحة في أذهان الجميع ومتّفق عليها من جهة أولى، كما أنها بحاجة إلى مؤسسات دستورية ترعاها وتضبط ممارستها وفق تلك القواعد والأسس من جهة ثانية. لا يمكن أن ينتجَ عن الحوارات الخائفة أو المتوارية عن المجال العام أي نتاج حقيقي ذي قيمة راسخة، لأنّه سيكون ببساطة غائبًا عن النقد العام، والنقد هو ما يطوّر الأفكار والممارسات. بينما في الخفاء ينتج عن السياسة أفكارٌ متطرّفة تورثُ ممارسات عنفيّة تنقلب على المجتمع والسياسة ذاتها، أو بأفضل الأحوال تكون مُحصّلتها أفكارٌ مغلقة أو أقلويّة بحكم انحصارها ضمن بيئات محددة أو ضيّقة.

وفي سورية، حيث استولى العسكر باكرًا، منذ انقلاب حسني الزعيم عام تسعة وأربعين، على أجزاء من الفضاء السياسي العام، وحيث استكملوا ذلك مع انقلاب البعث عام ثلاثة وستين، ثمّ دمغوه بالفرديّة مع حافظ الأسد عام سبعين، وتوارثوه فيما بينهم عام ألفين، لم يبق للسوريات والسوريين من مجالٍ لممارسة السياسة في العلن، إلا ما ندر وعلى فترات متقطّعة، لم تأخذ وقتها لتنضُج أو لتترك أثرًا حقيقيًا أو لترسّخ قيمًا وتقاليدًا ثابتة وعريقة. لقد كانت السياسة في أغلب أعوامنا المئة الماضية، من عمر سورية الحالية، عنوانًا للاضطراب لا للاستقرار، وشكلًا للقمع لا للحوار، وأداة لشرعنة سيطرة فئات محددة ومحدودة جدًا من المجتمع لا وسيلة عامّة لتداول السلطة. ومن هنا، جاءت هذه الحالة العامة من التخبّط والعشوائية في الفكر وفي الفعل السياسيين، منذ انطلاقة الثورة المجيدة عام 2011 حتى اللحظة الراهنة.

حال التدافع والتنافس والتصارع لن يتغيّر، فهو جوهر السياسة، ما يمكن أن يتغيّر في المشهد السوري هو أساليب الممارسة، أي آليات السياسة. وقد (وهي حرف تحقيق وتوقّع) تكون ندوة الدوحة الأخيرة التي عُقدت في الخامس والسادس من شباط الجاري بداية الطريق لممارسةٍ من نوعٍ مختلف. هنا، وبالرغم من كثير من الانتقادات والتحفظات والتساؤلات التي ثارت حول الندوة، نجد بداية لعمل يجمع بين التنظير الذي نحتاج إليه بشدّة، وبين التطبيق الذي فشلنا فيه على الدوام. لكن يشترط في هذا المسار، كي يأخذ حظّه من التأثير، أن يتواصل وأن يستمر، ولا بدّ أن تكون الجولات القادمة مختلفة، من حيث الشكل والمضمون، فتقييم الندوة السابقة وتأثيراتها وردّات الأفعال حولها، ستشكّل جميعها -بلا ريب- حافزًا للتطوير، وستقدّم مجالات واسعة له. وقد تصنع هذه المحاولات والممارسات مستقبلًا سياسيين محترفين، بالرغم من انعدام البيئات الصحّية المناسبة لذلك، لكنّ الحياة بتنوّعها لا تقف عند نموذجٍ واحدٍ أوحد، بل هي غنيّة بما يمكن أن يجعل منها في حالتنا السورية مصنعًا لما نفتقده من سياسيين أكْفاء.

نحن بأمسّ الحاجة إلى الاتزان، لقد أرهقنا الطيش والاستعجال، لقد قتلتنا الخطابة والشعبوية، ودمّرنا أكثرَ من صواريخ الأسد وحلفائه استخفافُنا بالمصيبة التي أوصلنا إليها غياب السياسة. ومع أنّه لا يمكن تعبئة الناس ضمن حالة ثورية، من دون خطاب شعبوي يستنهض الهمم ويثير الحماسة، فإنّ الاستمرار به حاكمًا لسلوكنا سيودي بنا، بل بالأحرى أودى بنا وانتهى، إلى التهلكة. آن أوان التعقّل والتدبّر، آن لنا أن نتخلّص من هذا الخراب، وأن نبدأ من جديد، بداية لا تلغي ما سبق بجرّة قلم، بل تقرؤه وتستوعبه وتهضمه وتعيد إنتاجه بشكل آخر، فاعلًا منتجًا نافعًا مفيدًا، فالسياسة في سورية ضرورة وليست ترفًا.