أثار مقالي السابق حول كلمة الحقّ ثقافة وممارسة جدلًا بين الأصدقاء، ورآه بعضهم مفرطًا في جلد الذات، حيث يعتبر المشايخ مسؤولين عن تغوّل الاستبداد وتوحشه، مع أنهم في الواقع لا يملكون أي فرصة تغيير، وإنما هم يحافظون على حياتهم من تغول الاستبداد، وعلينا أن نعذرهم في ما يقدّمون من ولاء الطاعة، كما كنا نفعل باستمرار.

والحقيقة أن ما كان مبرّرًا، قبل تغول الاستبداد وانفجار الدم في الساحات والأرض وتشريد الملايين من بيوتهم، لم يعد يمكن تبريره فيما بعد، لأن حكم الضرورة يقدّر بقدرها، والضرورات تبيح المحظورات، ولكنها لا تبرر الجرائم والمنكرات.

وحتى لا نفرط في النظريات، سأقترب مع القارئ الكريم لتوضيح هذه الحقيقة من خلال خطبة العيد التي قدّمها أخيرًا الشيخ حسام فرفور، وهو أحد المشايخ المشهورين في الشام وهو يخلف والده الشيخ صالح في رئاسة معهد الفتح الإسلامي.

كانت فرصة الشيخ حسام في عيد الفطر أن يقول كلمة الحق أمام الدولة والرئيس، في أعقاب أفظع مصيبة نزلت بالسوريين أدت إلى إزهاق مئات آلاف الأرواح وتشريد عشرة ملايين إنسان، وفق تقارير الأمم المتحدة، وهبطت بالواقع المعيشي في سورية إلى أفقر بلد في العالم، وفق كل المعايير الدولية بلا استثناء، في بلدٍ لا يتجاوز راتب أستاذ الجامعة فيه ثلاثين دولارًا!!

كان من الواجب، شرعًا ودينًا، أن من رأى منكم منكرًا أن يغيّره بلسانه، حيث لا نملك التغيير باليد، والمنكر ليس فقط إنكار كأس الخمر أو لحم الخنزير، أو فتوى الحجاب أو المصارف خلاف الجمهور، بل الظلم والبطش، وإذا لم يكن قتل نصف مليون واعتقال نصف مليون وتعذيب ألوف منهم حتى الموت، وتشريد عشرة ملايين منكرًا… فلا منكر في الدنيا!!

وإذا كان من يقف على منبر العيد لا يملك أن يقول كلمة الحق، ووجد نفسه مضطرًا إلى الإنكار بالقلب، وهو أضعف الإيمان، فقد كان بالإمكان أن تذهب الخطبة إلى تعليم صلاة العيد وصدقة الفطر ولا تتعدى ذلك، حكمة ومداراة، كما كان يفعل الشيخ الزحيلي والسلقيني وغيرهم من الشيوخ الأبرار رحمهم الله!!

ولكن الشيخ رأى مصلحة الدعوة في مكان آخر، ورآها فرصة للحديث عن إنجازات القيادة العظيمة والانتصارات التي لا تنتهي التي قادنا إليها “القائد الملهم الحكيم”، وهي التي تجعلنا نبايعه المرة بعد المرة، ونزداد تمسكًا به وبإنجازاته العظيمة انتصارًا لديننا ووفاء لله ولرسوله!!

وكالعادة، نستدعي النص الديني لتأكيد موقفنا السياسي، وتم استدعاء نصوص هذه المرة، لم يُفلح البوطي ولا البوطيون في استدعائها من التراث الإسلامي من قبلُ، وبدلًا من أن يقول الشيخ: هذه أيام عيد ورحمة وعفو، وهناك عشرة ملايين سوري مشردون في الأرض لا يعودون خوفًا من قوائم الترصد، وأنت أبو هذه الأمة، وننتظر منك عفوًا شاملًا يعود فيه الناس بدون قيد ولا شرط، فكلّنا على مركب النقص والكامل الله؛ ذهب الشيخ إلى نص آخر، هداه إليه فقهه، ذلك بأن عودة اللاجئين والنازحين إلى الوطن لا تسرّ النظام الحاكم الذي يعتبر الملايين العشرة الشاردين محض خونة وإرهابيين، ولا يملك سجونًا لعشرة ملايين لاجئ، ولذلك فقد استحضر الشيخ واحدًا من الأحاديث الباطلة عن فضل الشام وأهلها، وتبرير البطش بأهلها للحفاظ على شرفها، وألحق به نصًا أشد ضعفًا ونكارة في السند، فوصل إلى هذا السياق: “أهل الشام سوط الله في أرضه، ينتقم بهم ممن يشاء من عباده، وحرام على منافقيهم أن يظهروا على مؤمنيهم، فمن خرج من الشام إلى غيرها فبسخط الله، ولا يموتون إلا همًا وغمًا”!!!

الشيخ فرفور أعلم الناس بأنه يروي حديثًا منكرًا باطل الإسناد، ولم يرد في الكتب الستة في فضل الشام إلا حديث واحد، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: “اللهم بارك لنا في شامنا ويمننا”، وليس من وراء هذا الحديث صحيح في فضل أهل الشام، وغالب ما يروى فيها تم وضعه على قياس السلاطين وحاجاتهم، يوم كان السلاطين يهتمون بمكذوب الرواية.

وهكذا، بكل بساطة، يمتدح الحديث سلطة الحكم في الشام في كل العصور، بأنهم “سوط الله وسيفه في الأرض”، وأن السلطة في الشام دومًا على حقّ طالما كانت غالبة، وأن المعارضين الذين خرجوا على السلطة منافقون، حرامٌ أن يعيشوا فيها ويجب أن يتم إخراجهم وأنهم يخرجون منها بسخط الله، ويجب أن يموتوا في غمًا وهمًا!!

لا أدري كيف يمكن تصديق روايات كهذه!! تكرّس البغضاء والكراهية وتمنح بوليس البطش والاستبداد شكًا على بياض لممارسة دورهم كسوط لله في الأرض، وقد امتدح سلفه البوطي الجيشَ بأنه يشبه “جيش الصحابة”، وأثنى على جهادهم ودعاهم للضرب بيد من حديد على الخونة الذين لا تعرف جباههم السجود!! وبرر -من حيث لا يدري- تدمير مدن كاملة على رؤوس أهلها، وبدلًا من توجيه النداء لرئيس الدولة بسلوك طريق الحوار مع الناس والاستماع إليهم والبحث عن خطة سلام، وإعادة الملايين العشرة الذين أُخرجوا من ديارهم بغير حق، فإن الشيخ أضاف اليوم رواية مجانية لم ينتبه إليها مشايخ السلطة من قبل، وهي صريحة ومباشرة، أن من يَغلب في هذه الحرب القذرة هو المؤمن البار الحقيقي، وأن الذين يخرجون على هذه السلطة الغالبة في الشام هم المنافقون الذين يستحقون الهوان والذل، وحرام عليهم أن يموتوا إلا ذلًا وغمًا وكمدًا!!!

لا أدري كيف يمكن أن نفهم رواية كهذه، يفترض أن الرسول قالها حين كان قيصر يحكم الشام ويسحق الآريوسيين الموحدين، فهل قيصر وجيشه هو سوط الله في الشام!!.

كيف يتم تصديق رواية كهذه، مع أن أدنى دارس للشريعة يعلم أن رسول الله مات والشام في قبضة الروم، وأنه لا يعلم ما في غد، وإذا قلنا بأنه يعلم الغيب، فقد أنكرنا عشرين نصًا في القرآن الكريم تنصّ على أن الرسول لا يعلم الغيب!!

يروي الشيخ هذه الأحاديث الباطلة المنحازة بالمطلق إلى السلطة الغاشمة في بلد الشام تحديدًا، وهو يعلم أنها أحاديث باطلة سندًا ومتنًا، حتى في معيار أهل الحديث الذين نص علماؤهم بوضوح على أن هذا الحديث بشكل خاص فاسد وباطل، سندًا ومتنًا، وقد أعرض عنه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأبو داوود ومالك، وكانوا أحرص الناس على جمع الصحيح والحسن.

الشيخ نفسه سيقول عند المساء لخاصة تلاميذه المقربين: لقد قلنا ذلك لمصلحة الدعوة، ولولا هذا الموقف لشلّحتكم المخابرات عمائمكم!! وسيقول التلامذة: ما أحكم شيخنا وأفقهه وأتقاه!!

في الليل، سيرتفع التقرير من يهوذا الإسخريوطي إلى المخابرات بأن الشيخ قال لتلاميذه إنه فعل ذلك اتقاء لشر الظلمة، وحماية لطلبة العلم، وأنه يعلم أن السلطة وجلاوزتها لا يحللون ولا يحرمون، ولا يرقبون في مؤمن إلًا ولا ذمة. وسيقرأ الاستبداد هذه التقارير بمكر وشماتة وفرح، فالرجل ليس فقط برر للاستبداد كل ما يريد أن يبرر، ولكنه أيضًا قدم لتلامذته نموذجًا فظيعًا في الاستخذاء والتلون والمداهنة، لا تبقي له وللعمائم المكوّرة من حوله في ضمير أي حرّ ذرة احترام.