في المجتمع الذي لم يُؤسس دولةً مدنيةً، تفرض السلطة منطقَها مهما كان أعوج ولاعقلانيًّا، وسوف يتبعها الأفراد والجماعات بطريقة غير عقلانية، لأنهم لم يحققوا وعيهم كـ “مواطنين”، بل ما زالوا في ذلك المجتمع رعايا وخرافًا أو عبيدًا. وسوف يحتشدون حول تلك السلطةِ بلا وعي منهم، ويقيمون تماهيًا نهائيًّا معها، وهذا أمرٌ مفهوم حتى سيكولوجيًا. ومن خبث السلطات أنها ترتاح لهذا الأمر، وتعدّه نجاحًا في تدجين أفراد خاضعين لها، لسهولة تسييرهم!

والحديثُ هنا عن ظاهرةٍ، لا عن حالاتٍ فردية، مهما كانت كثيرةً، تقفُ ضد السلطة وتنتقد طريقتها في العمل والوجود أصلًا.

عبر تاريخنا الديني، كان هناك مؤسسة دينية مهيمنة وسائدة عبر مئات السنين، وذات طابع معيّن على وجه التحديد، وقد خلقَتْ حولها مناخها النفسي وبيئتها الثقافية والسياسية التي توفّر لرعاياها الأمنَ والحمايةَ، وهما غالبًا لعبتان سياسيتان لضبطِ حراك الجموع البشرية، ومسح الفروقات بينهم، ودفع من يناهض ذلك إلى الهامش أو إلى الموت أو المنافي.

وإذا كنا في “الدولة” العربية القديمة لا نلمحُ أثرًا لنشوء وعي مواطن، حيث ظروف تاريخ الفكر السياسي في تلك العهود لم تكن جاهزة لخلق مثل هذا الوعي، فنحن في العصر الحديث أمام مفهوم (الدولة الحديثة) التي لا يشعر المواطنون بأنهم معنيون بالالتفاف حول شخص الرئيس، أو المستشار، لأنه واحد منهم وموظف في مؤسسة الدولة. لذلك لا يقوم هؤلاء الأفراد -لأنهم مواطنون- بأي سلوكٍ يُخرجون به رئيسهم أو مستشارهم من إطاره البشري العادي، إلى إطار مقدس متعالٍ. هم يلتفّون حول دولتهم، حول عملهم، مستقبلهم، ويحاجّون الرئيسَ بذلك ويسائلونه، ويحاكمونه، كأنه واحدٌ منهم.

لهذا يندهش السوريون الآن -وغير السوريين- حين يقرؤون أخبارًا تفيد بأن رئيس الوزراء الفلاني تم اتهامه وإخضاعه للمحاكمة. كما اندهشوا وكادوا لا يصدّقون خضوع رئيس أميركا كلنتون لمحاكمة، مثله مثل أي مواطن أميركي. بل هم يندهشون من رؤية مسؤول سياسي يتمشى في الشارع أو ذاهبًا لعمله على دراجة عادية! هذه المظاهر تعدّ في دولة حديثة شؤونًا عادية لا تستوقف المواطن الأوروبي، ولا يعيرها أدنى اهتمام. لأنه وصل إلى مرحلة من الثقافة السياسية، بات معها ممتلكًا لوعيٍ قانوني مدنيّ يحتكم إليه في حياته وفي علاقته برموزه السياسية، مهما علا شأنها. فهي رموز في إطار بشري واقعي، لا في إطار قداسيّ مفارق لحركة البشر ويومياتهم. مواطن أوروبيّ يحيا ويتنفس في حيّز دولة مدنية حداثية حرة. قائمة على معرفة حقوقه وواجباته معًا في اللحظة نفسها.

عندما يرى السوري مجتمعه، وقد تمكّن من تحقيق الدولة المدنية، سوف يرى بأمّ عينه مثل هذه المظاهر، وسوف يألفها ولن تعود نشازًا في تقاليده. ولو وصل السوري إلى مرحلة قبوله للدولة المدنية كفكرة، فلن يهتمّ حتى بمن يكون حاكمه، من أي دين أو طائفة، ففي مفهوم الدولة لا وجود لهذه المفردات. وإلى ذلك الوقت، وهو بعيد بعيد بعيد، سيبقى الأفرادُ والجماعات يبحثون عن هوياتهم المستعارة في أشخاصٍ لا في (دولٍ). ونقدُ ذلك لا يكون بالتشهير بهم كتلةً واحدةً صمّاء، وكأنهم مصنّعون في آلة واحدة تفرزهم متشابهين. هم يستعيرون هوياتهم، لأنهم لم يعيشوا حراكًا ثقافيًا مبدعًا يتم فيه نقاش أفكار الدين والسياسة وكيفية علاقتهما بطريقة حوارية متكافئة. لقد استلم النظام السوري هذه النقاشات ليشوّه معناها، وينتج منها خطابًا ركيكًا يلائم عرشه ومنطقه الأحادي الوحيد.

القضية معقدة، والحديث عنها بتبسيط يزيد في تعقيدها، بل ربما جعلها سخيفة. القضية متصلة بضرورة تكوين وعي سياسي مدنيّ، وإعادة النظر في العلاقة بمحرّمات التاريخ البعيد والقريب، بمعضلاتنا المزمنة… لا بسنواتٍ عشرٍ عشناها ونعيشها.

نحن بحاجة إلى علم اجتماع سياسيّ هو غير موجود أصلًا في ثقافتنا السورية التي شاءت رؤية النظام الواحد ضغطها واختزالها إلى قنواتٍ ملائمة لتكريسه. وحين يحتكم السوريون إلى مصطلحات علم الاجتماع السياسي، ويعرفون كيفية تشكّل الجماعات والأنظمة، وآلية بناء مخيال الجماعات، سوف يتخلّون عن كثيرٍ من مفاتيحهم التي يتوهمون الآن أنها صالحة لفكّ مغاليق أزماتنا. وتحديدًا أولئك السوريين الذين يصرّون على خطاب تجديد البيعة، ونعم وألف نعم لسيادته.

نحن بحاجة إلى تأسيس فكرٍ يُسهم في تغيير رأي الناس -حتى من يسمّون موالاةً- بمفهوم الدولة المدنية نفسها، وإقناعهم بأنها لا تشكل أي خطر لا على المجتمع ولا على الأفراد، كل حسب معتقده الديني. بل هي ضمانة قانونية وأخلاقية للجميع. إن تخويف الناس من الدولة المدنية هو سلوك شائع، كرّسته السلطات المستبدة نفسها، حين أرادت تقديم نفسها لأنصارها على أنها هي حامية الدين والأقليات والشعائر والطقوس. كي تتحكم حتى في كيفية تعبير المؤمنين عن فرحهم بأعيادهم وثقافتهم الدينية. أما حقيقة الأمر، فهي أن تساوي الأفراد في المجتمع، أمام قوة القانون وسيادة الدستور، هو وحده الكفيل بحماية الناس قاطبةً وليس جهاز الأمن ولا سيادة رئيس يتلذذ بمحق شعبه ثقافيًا ووجدانيًا.

نحن بحاجة إلى ثقافة سياسية ينال الجميع نصيبهم منها.. ثقافة ليست مصنّعة في إعلام سلطةٍ متماهية مع رموزها الأسديّة، سواء أكانت هذه الرموز رئيسًا أم إمّعاتٍ تابعة له في كل ميدان سوريّ.. ثقافة قائمة على تدريب البشر على تحرير سؤالهم من الرعب والذعر والاستلاب، أمام فكرة أن هناك جهازَ مخابراتٍ قادمًا لينقضّ على فكرتك حين تكون مضادة للسلطة.. ثقافة تجعل الناس واعين أنّ التفكير بحرية هو أمر يحقق السعادة لا الموت! الفكر الحرّ معادلٌ لفرح الإنسان، بعقله وقدرته على طرح وجهات نظره وتصوراته في أيّ مسألة تخص دولته، من الرئيس الحاكم حتى أبسط موظف في الدولة.

ولهذا، علينا أن نتخيل كم كان السوريون محرومين، سنوات طويلة، من فرح الفكر وسعادته؟ كم كانوا آلات استقبال لثقافة السلطة وأجهزتها سرًّا وعلنًا؟  

أجيال من السوريين شكّل الإعلام الرسمي الأسديّ ذاكرتها ومزاجها ووعيها. ولدت مؤمنة بأن سورية هي “سوريا الأسد” فعلًا، وبأن لا مجال لأن نقرأ اسم رئيس لا يحمل كنية أسد.. أجيال (ترعرعت منذ نعومة أظفارها) على الجهل بمعنى الانتخابات الحقيقية، ومعنى مصطلح (الجمهورية). وماذا تعني في الدستور السوري (حتى ذاك الذي صنعه أسد التصحيح) أن فترة الرئاسة 7 سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة.

أجيال من السوريين باتوا مقتنعين أن (تجديد البيعة) هو الحق المسموح وحده في تحديد من هو رئيس البلاد (البيعة في الحقيقة تكون للخليفة لا للرئيس، لكن فات أولئك السوريين أنّ رئيسهم صار خليفة يورّث الخلافة من بعده لأحد أفراد العائلة).

أن تضيق البلاد على الخيارات، وألا يرى أحد إلا صورة واحدة لرئيس واحد وتمثالًا واحدًا لخليفة (دستوري مفبرك)، فذلك أيضًا ما صار أولئك السوريون منسجمين معه على أنه هو معنى السياسة.

هؤلاء كانوا حتى من قبل 2011 يستغربون أنّ هناك أشخاصًا يعارضون النظام!! هم أصحاب نظرية “كنّا عايشين”! والنظرية الشهيرة “كانت أخته ترجع الساعة 3 الصبح على البيت وحدها”! فلماذا هناك إذن سوريون مخبولون يقللون عقولهم ويرفعون راية المعارضة؟ هؤلاء السوريون أقنعهم النظام حتى قبل 2011 بأن كلمة المعارضة تعني الخيانة للوطن، وأن ألف كلمة لصّ وسارق وحشاش، ولا كلمة “معارض” يا خديجة!

هؤلاء أصدقاء وزملاء ومواطنون، عشنا معهم وبينهم وتشاركنا في كل شيء ممكن. لكنهم كانوا حاسمين لرأيهم السياسي، لأنه رأي مصنوع مسبقًا ولم يبذلوا جهدًا في تكوينه.

حين كانت “أخته ترجع الساعة 3 الصبح على البيت وحدها”، كان في الساعة 3 الصبح، هناك آلاف السوريين مغيبين في عتمة المعتقلات، آلاف السوريين تنهال على ظهورهم سياط وكرابيج النظام، وتطفأ السجائر على جلودهم، وتحشى مؤخراتهم بالعصيّ والخشب، ويتم تمزيق جلودهم على كراسي التعذيب، ومنهم من يقتل تحت التعذيب أو بإعدام عسكري أو بإعدام بالمشنقة.

“في الساعة 3 الصبح”، كانت “أخته ترجع للبيت”، وكانت عشرات آلاف الأمهات ينتظرن رجوع أولادهن من الغياب.. أي من السجون السياسية. لماذا؟ لأن أولادهنّ كان لهم رأي سياسي مختلف! لم يكونوا يتآمرون لإسقاط النظام، ولا للانقلاب عليه أبدًا. كانوا يريدون شيئًا غريبًا اسمه الديمقراطية! شيئًا مريبًا اسمه حرية التعبير والرأي والكتابة! شيئًا غامضًا من كوكب آخر اسمُه انتخابات رئاسية! شيئًا يسمى في علم السياسة تداول السلطة.

بفضل ثقافة الحركة التصحيحية؛ قُتلت هذه الأفكار كلها. وتم اختراع “الجبهة الوطنية” التي تضمّ أحزابًا جميعها بلا استثناء كانت مضمونة في جيب النظام، وكنا نسميها “أحزاب الجبهة لصاحبها حزب البعث”. ضحك النظام على أولئك السوريين، وأقنعهم بأن هذه الجبهة تضمّ أحزابًا تشارك في الحكم! وهي أحزاب كانت تشارك في المنفعة الخاصة، والانتهازية، وسرقة مال الشعب، ولكن بإشراف الحزب الحاكم! ففي ظل الحركة التصحيحية، كي تكون سارقًا محترمًا، يجب أن تسرق برعاية الحزب القائد.

لو تُركَ الدستورُ السوري نفسه، حتى قبل التعديل، صاحبَ الكلمة الفعلية حقًا في البلاد؛ كنّا رأينا رئيسًا آخر لسورية، بعد دورتين انتخابيتين فقط! وكنّا رأينا حركة سياسية في البلد، لو تم الاهتمام بها، مع عدم تسلط الأجهزة الأمنية على تفكير البشر؛ لأثمرت مناخًا سياسيًا سوريّا مقبولًا، ولكانت معضلات المجتمع أقلّ وطأة، وكانت أثقال الرعب أخفّ وزنًا. لكن الدستور -حسب العبارة المسرحية الشهيرة- “أكله الحمار”.. بل سوف يصح القول أكثر: الدستور أكله الأسد. فما حاجة الأسد إلى الدستور، وهو يركب في عربات الاستبداد والمخابرات والقمع، لتأخذه حيث يشاء، بلا وازع ولا قانون؟!