تنقّل الحجاب في سورية من جاهزية دينية تقليدية إلى جاهزية سياسية، بفضل الأسدية ومشتقاتها من اليسار، وبفضل الإخوان المسلمين ومشتقاتهم من الإسلاميين. وبات الحجاب رمزًا سياسيًا، على الصعيد السوري، أما على الصعيد الغربي، فلا يختلف الموضوع كثيرًا، فحتى النقاب في أفغانستان والسعودية، لم يكن بالنسبة إلى الأميركي جاهزية سياسية، وقد تحوّل إلى جاهزية سياسية في أفغانستان، فالمحجبات هن نساء المجاهدين الذين يريدون طرد السوفييت من أفغانستان. وبعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر 2001 لم يكن الحجاب رمزًا سياسيًا وحسب، بل تحول إلى رمز للإرهاب. وترافق هذا التحول منذ بداية الثمانينيات مع مجيء الخميني، وفرضه للحجاب في إيران أيضًا 1979. قبل هذا التاريخ، كانت جماعات الإخوان المسلمين جماعات معارضة في أغلب الدول الإسلامية، وكان شغلها المعارض سياسيًا يطغى على مسألة إعطاء الحجاب رمزية سياسية سجالية. ونستطيع القول ببساطة إن ترميز الحجاب، سياسيًا، كان بفعل أميركي على المستوى الدولي.

سأحاول تناول بعض التحولات التي ظهرت على قضية الحجاب في سورية، حيث ترافق ذلك لاحقًا مع مستوى احتدام الصراع الإبادي الذي ما زال يتعرّض له الشعب السوري منذ عشر سنوات، تاريخ انطلاق الثورة السورية. وسأتناول تحوّلين مهمّين، يغطيان ظهور الحجاب في سورية، بعيدًا عن الحقل السياسي وتجاذبات الحركة النسوية، ومعارك الإسلاميين والعلمانيين.

التحوّل الأول أتى نتيجة هجرة الريف إلى المدينة، وقد ترافق هذا التحول أيضًا مع التحول الثاني، وهو انتشار التعليم في المدن والريف السوري.

التحول الأول

بعد الاستقلال في 17 نيسان/ أبريل 1946، كانت سورية تُحاول أن تصوغ عقدها الاجتماعي ومؤسساتها السيادية والخدمية وتجربتها في بناء حاضرها ومستقبلها. هنا لا بد لنا من تسجيل ملاحظة لعبت دورًا مهمًا في تاريخ سورية اللاحق، تتعلق بتأسيس جيشها. وكما هو معروف، بعد خروج الاحتلال العثماني 1916، تم تأسيس جيش تحت قيادة الملك فيصل الأول 1918، ثم تأسيس دستور للبلاد 1920. ولم تمض شهور حتى أتى إنذار غورو الفرنسي في احتلال سورية (14 تموز/ يوليو 1920)، وأول مطلب له كان هو حلّ هذا الجيش الذي لم يكن قد تأسس فعليًا بعد. وبالفعل تم حلّ هذا الجيش، ودخل الفرنسيون بعد ما عرف بمعركة ميسلون، ثم أسست فرنسا ما يعرف بـ “جيش الشرق”، وهو الجيش الذي انتقل ليصير جيش الدولة السورية المستقلة. جنرالات هذا الجيش أتت بهم فرنسا. هذا ما اتضح بعد الاستقلال، وبعد الانقلابات التي جرت في سورية، ثم فتح باب التطوع للسوريين في كليات ومدارس هذا الجيش الوليد في سورية!! حيث كانت النسبة الغالبة من المتطوعين هم من أبناء الريف. بالجهة المقابلة، كانت مؤسسات الدولة الناشئة تتأسس وتحتاج إلى موظفين ودواوين. وأيضًا تقدّم أبناء الريف والمدن الصغيرة، حيث من المعروف أن أبناء دمشق لا يحبّذون العمل في الجيش ومؤسسات الدولة، لاعتباراتٍ لسنا بصددها هنا. هذا سبب رئيسي من أسباب هجرة الريف إلى المدينة في سورية. واستمرت هذه الهجرة وتطورت لاحقًا، واتسعت في عهد البعث ثم في عهد الأسدية.

في تلك الفترة، أي بعد بدء هذه الهجرة، كانت دمشق قد بدأت تأخذ شكلًا أوروبيًا في أحيائها الجديدة، وهي أحياء الميسورين و”المتنورين” والعائلات الغنية: (أبو رمانة، عين الكرش) كمثالين. بالمقابل، كانت هناك دمشق الشعبية أو التقليدية أو القديمة، حيث كان لباس المرأة في هذه الأحياء -كالميدان والشاغور وساروجة والقيمرية وغيرها- هو اللباس العثماني، وهو عبارة عن” مانطو” أو معطف إلى ما تحت الركبة، وغطاء رأس مع ما يسمى “ملاية” سوداء شفافة. لباس المرأة في مسلسل (باب الحارة) حيث الحارة الشعبية الدمشقية صحيحٌ تمامًا، بغض النظر عمّا حيك دراميًا في هذا المسلسل. هذا اللباس العثماني ذو “الملاية” السوداء كان يقابله اللباس نفسه، لكن بـ “ملاية بيضاء”، للعائلات الأرستقراطية العثمانية. أو حتى الدمشقية الغنية. المفارقة هنا أن “الملاية” البيضاء بدأت تندثر بالتدريج، مع خروج الاحتلال العثماني. ليحل محلّها لباسٌ أوروبي، بالمعنى النسبي للعبارة، بعد أن انفتح باب التعليم للنساء، خاصة من بنات العائلات الميسورة والغنية والمتنورة، وانتشر السفور في دمشق. وكانت هذه نقلة أولى. أما النقلة الثانية فهي التي سببها انتشار التعليم في الأحياء الشعبية المذكورة أعلاه. انتشار التعليم هذا، وخروج بنات هذه الأحياء وانتقالهن من شيخ الكتّاب إلى مدارس حكومية أو خاصة، أحدث نقلة في اللباس الأنثوي؛ إذ تحوّل من ملاية سوداء إلى “مناطو” وغطاء رأس، أو ما يُعرف اليوم بالحجاب. هذا الحجاب سأطلق عليه تسمية “الحجاب العالم”، بالنسبة إلى فتيات سكان دمشق. وسببه انتشار التعليم في تلك الأحياء الشعبية، أي إن هذا الحجاب الجديد ارتبط بالعلم والتعلّم. ومن كان يعيش في دمشق يلاحظ تراجع الملاية السوداء لصالح الحجاب العالم، حتى قبل مجيء البعث، وببساطة، انتشر الحجاب العالم في دمشق، مدارسها وجامعتها، إضافة إلى وجود السفور. هذا بين نساء دمشق الأصلية. ولا أريد تضخيم دور المرأة في المستويين السياسي والثقافي، في تلك الفترة، أي فترة الاستعمار الفرنسي وما بعد الاستقلال قبل مجيء البعث.

التحول الثاني

كثافة الهجرة من الريف إلى المدينة أدّى إلى انتشار ما يمكن تسميته “الحجاب المتمدّن”، الذي تخلت فيه نساء الريف القادمة مع هذه الهجرة عن لباسها التقليدي الريفي لصالح لباس مدني منتشر، لا يتعارض كثيرًا مع اللباس الريفي من جهة، ويُبقي على غطاء الرأس من جهة أخرى. هذا الحجاب المتمدن هو حجاب أمّي، التي قدمت إلى دمشق عام 1960، بلباسها الحوراني “شرشر وشنبر” وعصبة تغطي الرأس، وتحوّلت أمّي لاحقًا إلى الحجاب المتمدن وفستان أو مانطو. في الغالب، كان اللباس الحوراني أسود، مع الحجاب المتمدن، ثم صار فيه ألوان أخرى، وبحكم سكنها في المدينة وصديقاتها من نساء حوران اللواتي أتين معها في تلك الفترة وتحوّلن إلى الحجاب المتمدن وغيرهن من القادمات إلى دمشق- تخلت عن اللباس الحوراني أو اللباس الريفي بشكل عام لصالح اللباس المتمدن. وفقًا لظروف تلك الفترة في عملية التمدن ذاتها. وقد أسهم هذا الأمر بشكل كبير في انتشار الحجاب في شوارع دمشق.

نستطيع الاختصار هنا بالقول: إن هذا الحجاب انتشر في دمشق وحلب أيضًا، كمركز اقتصادي مهم في الشمال ومدن أخرى. وهو تعبير عن نقلة اجتماعية، وليس شيئًا آخر مما نشاهده في السجال، سواء عن الحجاب العالم أو عن الحجاب المتمدن. الأول هو نتيجة لانتشار التعليم في أحياء دمشق الأصلية، والثاني نتيجة لهجرة الريف إلى المدينة. إذًا الحجاب العالم هو نتيجة لانتشار العلم، والحجاب المتمدن هو تقليد للحجاب العالم.

هذا على صعيد دمشق، وربما حلب وحمص وغيرها أيضًا. والحديث بأن المدن الكبيرة كانت الحالة العامة فيها هي السفور، في الخمسينيات وما بعدها، فهو أمرٌ مناف للحقيقة وللواقع جملة وتفصيلًا، السفور كان جُزرًا منتشرة أمام أحياء شعبية لا تخرج منها الفتاة من البيت، بعد أن تنهي مرحلة الكتّاب الذي يعادل التعليم الابتدائي إلا إلى بيت زوجها.

انتشار الحجاب العالم في الريف السوري لم يكن ردّة، بل هو تطوّر مدني بدأ يتسرب إلى الريف السوري مع بدء انتشار التعليم بين نساء الريف. والتخلي عن اللباس الريفي التقليدي لصالح الحجاب العالم وما يناسبه من أزياء، انتشر في الأرياف كلّها. وتحديدًا الأرياف “السنية” التي هي في مرمى النيران العلمانوي الآن الذي فيه بذرة فاشية واضحة.

في غالبية قرى حوران مثلًا، كانت المدارس الإعدادية والثانوية مختلطة، وتخلى نساؤها عن اللباس التقليدي بلباس الحجاب العالم. وانتشر الحجاب العالم في القرى منذ الستينيات، لدرجة أنك منذ منتصف السبعينيات ستجد غلبة واضحة للحجاب العالم، على اللباس التقليدي، نتيجة لانتشار التعليم بين الإناث. ثم إن هناك خريجات جامعيات يغطين احتياجات هذه القرى في أغلب المجالات. هذا الانتشار للحجاب العالم يُعدّ نقلة في خروج المرأة للعلم والعمل. وهناك مدرّسات ذهبن للعمل كمدرسات في الخليج، وهنّ عازبات، في نهاية السبعينيات والثمانينيات. أيضًا هناك طبيبات، ومنهن خريجات من مختلف فروع الجامعة. قياسًا بما كان سائدًا قبل انتشار التعليم، ويعدّ هذا الأمر نقلة تطورية مهمة في حركة المرأة واستقلاليتها. ودفاعها عن حقوقها. وإن كانت غير كافية، لأننا أمام جريمة اسمها نظام الأسد. وكما أن المرأة السافرة لا تقبل أن يضربها زوجها، المرأة المحجبة أيضًا كذلك. ومنهن من يقبلن من الطرفين!! الحجاب المنتشر في ريف حلب وإدلب لا علاقة له بتنظيم القاعدة والجهاديين. ربما الحديث عن النقاب هو الذي له علاقة بهذه بالسلفية والجهادية، والذي يعدّ نقلة متخلفة عن الحجاب، وعن اللباس الريفي التقليدي، بل هو نقاب سياسي بامتياز، بكل المعاني، وعلى كل المستويات. وهو مستورد جهاديًا وسلفيًا للريف السوري من الخارج، مستورد إسلامويًا سياسيًا. النقاب قهرٌ، وانتشر بشكل ضعيف قبل الثورة نتيجة لعاملين، بعض الإسلام السياسي، ونتيجة لهجرة السوريين لدول الخليج وتحديدًا السعودية.

من دون النظر إلى هذه الخلفية التاريخية لانتشار الحجاب؛ لا يمكن أن نفهم وضعية المرأة في سورية وكيفية التعاطي معه، سياسيًا وحقوقيًا. “الحجاب العالم” كان في صالح المرأة السورية، ونتيجة لانتشار العلم ودخول للمرأة في سوق العمل من أوسع الأبواب حتى في ميدان السياسة والنشاط المدني، دون أن يعوق هذا الحجاب حركتها. ونستطيع القول إن معادلة ستر/ كشف، في تناول مسألة الحجاب، بدأت تتأصل مع بعض الجيل الأخير من الحركة النسوية المنخرط في الموجة الهوياتية النسوية وغيرها المنتجة أميركيًا؛ ففي سورية ليست المعادلة كشف/ ستر، وإنما حرية/ قمع. الحجاب العالم نقلة غير كافية، لكنها نقلة في سياق نضال المجتمع السوري، من أجل دولة قانون ومساواة وحقوق إنسان ونظام ديمقراطي ودولة حيادية دون تمييز جندري أو طائفي أو اثني. أما معادلة كشف/ ستر، ففيها من التضليل الكثير. وربما يتسنى لنا العودة لمناقشتها وحدها.

تناول الحجاب في السجال السياسي وقضية ترميزه سياسيًا، ليمثل الإسلام السياسي، هو تناول زائف، من قبل الإسلام السياسي في دفاعه، ومن قبل الجهات المقابلة في وسمه بالتخلف والإرهاب وما شابه. هو تناول لا تاريخي من قبل الطرفين. هذه أيضًا قضايا تحتاج إلى قراءات أخرى.