(فليذهبْ أحدُكم بوَرِقُكم هذه إلى المدينة!)

عندما اقتفى ديكارت خطى أفلاطون عادًّا الجسد أخفض في السلّم التفاضلي من الفكر، لم يزدر الجسد، كما فعل سابقه، بل أعطاه بعض القيمة، ولكنّه ظلّ موضوعًا، سفينة ينبغي أن يتحكم فيها الفكر الذي هو الربّان. وعندما قلب نيتشه ظهر المجن على هذه الثنائية، بعدّه الجسد هو الذات، وأن ما يسمى وعيًا ليس إلا عقلًا صغيرًا مندرجًا ضمن العقل الكبير الذي هو الجسد، وهو ذات وموضوع، مهّد لرؤية ميرلو بونتي الذي بلور هذا التطور من منظوره الفينومينولوجي: “لسنا فكرًا وجسدًا، لسنا وعيًا قبالة العالم، بل نحن فكر متجسد وكيان في العالم”، وعليه؛ فإن “العالم ليس ما أتعقله بل ما أحياه”.

مفهوم الجسد الذي لا يستطيع الفرد أن يدرك إلا أطرافه وبعض أجزائه في حياته تطوّرَ في الحداثة تطورًا أقصى الكوجيتو الديكارتي، وأحلّ محله الكوجيتو الجسدي: “أنا جسدي”، وليس ديكارت فحسب هو الذي أصبح قديمًا بثنائيته التي تبخس الجسد حقه، بل كل الفلسفات التي لا تمنح الحسّ حق المواطنة في نظرية المعرفة الأفلاطونية قديمًا والكانطية حديثًا.

وبناء عليه، فإن الجسد ليس الطرف مهيض الجناح في ثنائية العقل والجسد، بل هو ذاتي التي تمثل موضوع إدراكي، كما تمثل وجودي وترسم حدودي. ولعل الثنائية السابقة إنما يمكن فهمها في سياق شغف الفكر الغربي في بدايات انعتاقه من قروسطيته بالثنائيات ديني -علماني، شرقي- غربي، عقلي، جسدي. وهي ثنائيات أصبحت لكثرة تداولها وانتشارها معايير للتصنيف لا يفطن كثير ممّن يتخذونها معايير إلى أن الشرطة (-) بين طرفي كلّ منها تُخفي ما يصعب القبض عليه من المحاولات والانتصارات والانكسارات ومن الافتراضات الثاوية المشبوهة وغير المشبوهة.

أردتُ من هذه المقدمة أن أستنبط ما أراه عاملًا مفسرًا لإخفاق معظم المشاريع التي تسمي نفسها تنويرية، على اختلاف أيديولوجياتها. ولعل القصة تبدأ بوصول جحافل التشكيل الاستعماري إلى سواحل بلادنا غازيًا مستعمرًا، وقد خصف على سوءة نيته القبيحة قشرة مهمّةِ تحضيرنا لأننا شعوب متخلفة، فعاملنا ككتلة مصمتة، جسد بلا عقل.

هذه الثنائية، فضلًا عما ذكرناه آنفًا، كان لها استخدام وظيفي؛ فباستثمارها يمكن التمييز بين غرب متقدم وشرق متخلف، بين عقلاني وغيبي، بين علماني وديني، وبذلك يصبح من حق الطرف الأول في الثنائية أن يعبث بالطرف الثاني، كموضوع للاستغلال في الحقيقة، وكموضوع للتجريب في الظاهر.

ليس سرد القصة من هذه البداية مرادًا لذاته، وإنما المقصود أن هذه الثنائيات فرضت نفسها على أسلافنا، ممن شهدوا صدمة اللقاء الأول بالتشكيل الكولونيالي، فانقسموا شيعًا تنظر كل شيعة إلى الأخرى من منظور منطق ثنائي، فبينما يتخذ العلمانيون المسيحيون من الغرب غاية ينشدون التطابق مع منجزاتها، ومستقبلًا يجب حثّ الخطى إليه، يرى الإصلاحي الإسلامي (المعتدل والأصولي) أن محمّدًا وصحبه هم الغاية التي ينبغي استعادتها من وراء سجف القرون، إما للحلول محلّ الحضارة التي ترفض المتعالي أو للتكيّف معها والتماكن في حيز واحد.

ولا يقصد بالمسيحي هنا دلالة الانتماء إلى دين، وإنما فئة ذات سمات معينة، برز منها مثقفون يبحثون للمسيحي عن تأهيل في وطنه خارج العالم الديني، وهو طموح سياسي اجتماعي كان لا بدّ من تسويغه بعلمنة التاريخ ونزع الرؤية الدينية له، وبعلمنة الدولة والمجتمع، ومن هنا ترى صخب شبلي الشميل الذي لم يكن يساوم في أن النظرة العلمية التجريبية هي التي يجب أن تسود، ومن هنا ترى فرح أنطون لا يجد غضاضة في الدعوة الصريحة إلى إعادة النظر في تأويل القرآن لكي يتوافق مع النظرة العلمية التي ظنها نهائية، وإلى استخدام الدين مجرد استخدام أداتي لتعبئة الجموع ضد الإمبريالية.

وكذلك، ترى آخرين مثل يعقوب صروف يدعو إلى احترام مكانة الدين كضابط للأخلاق، ولكنه في الوقت نفسه لا يساوم في الاستبدال بالعقلية الدينية العقلية العلمية، وهو منهج لا يعنى أصحابه كثيرًا بالبحث عن الجذور الفلسفية للعلم، بقدر ما يعيرون جلّ اهتمامهم لنفع العلم عبر مكتشفاته واختراعاته.

وهم -عمومًا- يطالبون بحكومة دستورية تنزع الأسس الاجتماعية والسياسية للسلطات القائمة، ولا يجد بعضهم حرجًا في الترحيب بالحضور الغربي كقوة متحضرة تساعد في انتشال الشعوب المتخلفة من وهدة التخلف.

أما الإصلاحي الإسلامي، فإنه يستلهم عصرًا ذهبيًا، ويستفرغ الجهد من أجل استعادته، ولكنه يتوجس خيفة من العلمانية التي يدعو إليها المثقفون المسيحيون، ويناصب العداء أكثر الشباب المسلمين الذين يتبنون هذه الدعوة، ولخشيته مسوغ موجود في أن الفرقاء يلمّحون أحيانًا، ويصرّحون أحيانًا أخرى، بالاكتفاء بعالم حلولي مكتف بنفسه ونبذ العالم المتجاوز الذي يمثل نبذه أو عدم الاعتراف بوجوده أو عده فضلة زائدة هدمًا للمنظومة الإسلامية من أساسها في نظر الإسلامي، وشرطًا لازمًا للولوج عالم الحداثة في نظر العلماني.

ولكن الإصلاحي لا يستطيع أن ينكر تفوق الغرب، فيعزو ذلك إلى امتلاك أسرار العلوم، وهي علوم أخذها الغرب من حضارة أسلافه، وبمجرد امتلاك ناصيتها ستعود القوة إلى أيدي المسلمين.

أما البرنامج الاجتماعي المقدّم من كلا الطرفين، فيعييك البحث عنه ما خلا مناداة بالاشتراكية أو بشكل من أشكالها، لدى أنطون وشميل، وإصرار على ضرورة تحقيق العدالة الاجتماعية، لدى الأفغاني وعبده.

المهم أن الثنائيات التي برر بها التشكيل الاستعماري مشروعه كانت حاكمة للتيارات في بلاد العرب، ولكنها هنا اصطدمت بكتلة صلبة لا يمكن تجاوزها إلا بتحطيمها، وهي المنظومة الإسلامية، ولقد كان الطرفان على نهايتي المتصل الهندسي ينطلقان من منطلقات جد متغايرة، وإن كانت الافتراضات الثاوية لموقف كل منهما يمكن العثور عليها في الواقع الاجتماعي، وليس في ما يدعيه كل طرف من توسّل بالعقل المجرد وتشوّف إلى الحقيقة العلمية.

فطرف يبحث عن هدم الأسس الشرعية لسلطة الآخر السياسية والاجتماعية، سعيًا وراء تثبيت قدم أرسخ في عالم معلمن لا يظللّ الدين زواياه بالركون إلى ركن شديد، هو ركن العلم والفلسفة الغربية، ولكن من دون الحفر العميق في مدى إمكانية توافقها أو اصطدامها مع الأسس الفلسفية لمنظومة المجتمع، وآخر لا يجد مصلحة في تغيير الواقع القائم، ولكنه يتصرف بردة الفعل تجاه واقع استعماري متفوق في المعرفة والصناعة والتشريعات، فيلوذ بماضيه لكي يعوّض نقصه بفيض رومانسي ماضوي من جهة، وتجاه غريمه الذي يريد أن يستبدل بالعالم المتجاوز عالمًا حلوليًا لا موضع فيه للمتعالي إلا كخيار شخصي زائد عن الحاجة من جهة أخرى.

والغريب أن القاسم المشترك بين الطرفين أن كليهما يتصرف بأسلوب الوصاية على المجتمع الذي ينظر إليه كموضوع، يحاول كل منهما أن يطبق عليه رؤيته، فهذه الجموع جاهلة في نظر التنويري المحاكي للغربي، وهي جموع ابتعدت عن سرّ قوتها، فأصابها الخور وجافت نور ربها، فتمكن منها الأبالسة، في نظر الأصولي الماضوي.

والحقّ أن الغرب قد شرع في مراجعة أسس الفردانية التي قام عليها صرحُ الليبرالية الكلاسيكية، وهي عينها التي مثلت الإطار الأساسي للتجربة الكولونيالية والتي بررها بعض فلاسفة الليبرالية على أساس أنها مهمة حضارية تجاه الهمج المتخلفين من غير الغربيين، وتساءل بعضهم عن أبناء هذه الشعوب: ألهم أرواح أم أنهم كائنات بلا أرواح! ومع أن هذه النزعة لاجتراح شكل جديد لليبرالية، لم تخل مع جون ستوارت مل من نظرة عنصرية استعلائية لشعوب المستعمرات، فإنها انطوت على تقدم معرفي متمثل في إرهاص للفكر الجماعاتي، وهو ما تبلور أكثر مع الليبرالية المعاصرة، على يد راولز وبريان باري وبيخو باريخ وكيملكا الذين أصبحت حقوق الجماعات في بؤرة اهتمامهم، وإن كانت نواة الفردية ظلّت حاضرة مع توسيع مداراتها وتليين صلابة تخومها.

وهي تتزامن مع هيمنة الليبرالية الجديدة التي تحتكر مواقع النفوذ الاقتصادي والسياسي، التي بدأت مع فريدمان ومن يسمّون أبناءه من تلاميذه الذين بشّروا بنظريته، وجلبوا الويل والثبور لبلادهم عندما عادوا إليها، وأشاروا على قياداتها بفتح أبواب بلادهم على مصاريعها أمام الاستثمارات الأجنبية.

المفارقة أن الليبرالي اتخذ أشكالًا مختلفة في الغرب كفئة معرفية، وأن اللبرلة كتصور تحليلي، والليبرالية كأيديولوجيا، كانت تشتق تنويعاتها وتبدلاتها من الواقع المحسوس ومقتضياته، بينما تركت أسلافَنا وأقراننا اليوم على تخندقهم القديم، بعد أن فرضت ثنائية صُنعت صنعًا لغرض وظيفي، وقد مارس كل طرف وصايته باستيراد لنظريات لم يسبر غور افتراضاتها التأسيسية جيدًا، وهي افتراضات لا يمكن فصلها عن سياقها والمزاج الفكري لهذا السياق، أو بمحاولة يائسة لاسترجاع ماض مجيد.

ولعل طول المكوث في الخنادق قد أحال كلا الطرفين إلى شيخ عجوز، وأحال خندقه إلى كهف، وجعل تطاول الانفصال عن المدينة عملة كلّ منهما عملةً كاسدة، فالباحث عن المجد التليد يتهم التغريبي بالعمالة، والتغريبي يصمه بالتخلف والفوات، والأول يصف الجموع بالفسق والجاهلية، إذا لم تلتزم بما يقوله، والآخر يصفها بالقصور؛ لأنها لا تستطيع قطف ثمار الحضارة التي يبشر هو بمنتجاتها.

ولعل في مجاز أهل الكهف ما يفسّر جهل الناس بهؤلاء، وعدم قدرتهم على التعرف على عملاتهم، فالناس أفراد في مجتمع، ولكل منهم جسد هو ذاته، وقد ينزع هذا الجسد/ الذات نزوعًا إيمانيًا في لحظات، ونزوعًا لا أدريًّا في أخرى، وقد يندفع خلف غرائزه طورًا، وقد يهيم في سهوم روحي في أخرى.

ولكل جسد/ ذات حدودُه التي تفصله عن غيره، وهو جسد فينومينولوجي ملقى في العالم، لا يقتصر على عقل مجرد، ولا يستطيع أدعياء العقل المجرد أن يسدوا حاجاته كلها، فالعالم الحلولي الذي يرفض المتجاوز لا يتسع للحاجة إلى المتجاوز الذي تمثل الحاجة إليه تلبية لقصور وجداني من جهة، وأساسًا متناسجًا مع عقل ووجدان جمعيين من جهة أخرى، ولا يستطيع الماضوي إقناعه، لأن واقعه -شاء أم أبى- واقع علماني معولم. 

إنّ رفض داعية التغريب فرض منظومة متخلفة عليه وعلى المجتمع ليست دعوى استنبطها عقل مجرد، وإنما هي تفاعل جسد- ذات، مع عالم يحياه ويريد أن يحياه كما يشاء، ورفض داعية التراث فرض منظومة غربية عليه ليست نتيجة تأمل عقل مجرد؛ لأنه لا وجود لهذا العقل أصلًا منفصلًا عن الشخصية بكل أبعادها التي يحتويها الجسد، بمعناه الذي ذكرناه. وهو برفضه هذا إنما يعبر عن تفاعل من نوع آخر مع عالم يحياه قبل أن يتعقله.

ولعلّ صنفًا آخر ظهر مع بدايات اللقاء مع القوى الاستعمارية، هو العلماني الإسلامي الذي كان مع أنموذج كقاسم أمين متوازنًا، يحاول ألا يصطدم بعنف مع منظومة المجتمع، وألا يقابل الفكر الوافد برفض عدمي لا يستطيع صاحبه تبيّن الغث من السمين، وإن كان هذا لم يشفع له لدى الطرف الإسلامي الإصلاحي. ولدى خَلَف هذا الصنف ما يؤكد عدم فعاليته ومعاناته من معضلة النخبوية نفسها؛ لأن عدم تجذّره قد أفضى إلى نكوص في أنموذج علماني مسلم، يزدري تراثه ويذهب بعيدًا في المزايدة على العلماني غير المسلم في هذا الازدراء، وفي تبنيه لعلمانية تتبنى الحلولية، وتطالب بتسويدها كامل الفضاء.

كما عاملتنا القوى الاستعمارية كجثث بلا عقول، عاملت النخب المجتمع كمواضيع تمارس عليها الوصاية ذوات متوهمة أنها غير مشروطة بحيثيات اجتماعية ثقافية تاريخية؛ الأمر الذي جعل  واقع التنوع الذي تفرضه كثرة الذوات/ الأجساد، بكل ما تنطوي عليه من لا نهائية في الخصوصيات، يرفض تنميطه؛ لأن تنميطه بعلمانية مصاغة وفق إرادة فاعل ذي غايات يحددها واقعه، أو بإسلامية يتوهم متبنوها أنهم وكلاء الحق وفي غفلة عن كونهم نتاج تفاعل جدلي بينهم وبين شروطهم التاريخية، هو الشذوذ الذي يريد أن يحلّ محل القاعدة، وهي قاعدة تنوع الأجساد/ الذوات التي مهما أمكن تحديد ملامح مشتركة بينها تظل عصية على التنميط والاختزال. ولأجل هذا، اقترح راولز مفهوم الإجماع المتشابك العابر للعقائد، واقترح هابرماس نظرية الفعل التواصلي الذي تصنعه عقول مفردة تعمل في إطار تداولي حرّ محدد بسياق.

ليست الجموع أيتامًا تبحث عن أولياء يصونون مصالحها ويمنحونها حقوقها حين تبلغ أشدها، وإنما هي، في عثراتها وفي إصابتها نفعَها، الأصلُ الذي تمثل محاولات الوصاية عليه حالة الشذوذ التي لا يمكن لها بحكم شذوذها أن تمكث في الأرض، وهي ذوات فاعلة تشتغل على ذواتها كمواضيع، ومن يريد أن يقدم اقتراحًا ينفعها ينبغي أن يكون من بينها، لا مخارجًا لها، وإلا فإنه سيُنبذ في كهفه، ويكون نَسيًا منسيًا.