تطوّرت نظرة البشر إلى ذواتهم عبر التاريخ، وخلال القرنين الماضيين تحديدًا، بدأت -نتيجة لتأثيرات عصر النهضة ومن ثمّ الثورة الصناعية- مساحة الحريات الفردية تتّسع ويتعاظم شأنها. لقد حررت الرأسمالية الصناعية قوّة العمل من التبعية لعلاقات الإنتاج الإقطاعية، فبات الأفراد -من حيث المبدأ- أحرارًا في بيع قوّة عملهم لمن يؤمّن لهم الوظيفة، بعد أن كانوا مرتبطين بالأرض وبنمط الإنتاج الزراعي. وبالانتقال إلى المدينة، زاد الاغتراب الفردي؛ فبعد أن كانت المجتمعات الريفية مغلقة على نفسها وتؤمّن البيئة الاجتماعية الضرورية لعيش أعضائها، وجد العمّال أنفسهم معزولين في بيئات جديدة غريبة كليًا عنهم. ودفعهم هذا إلى تطوير آليات جديدة لتنظيم أنفسهم، فلم تعد الكنيسة قادرةً على تغطية هذه الجوانب المستجدّة كما يجب. ومن هنا، انخرط الأفراد في الحيّز العام أكثر فأكثر، من خلال جمعياتهم ونقاباتهم بداية، ثم من خلال الأحزاب التي بدأت تتقرّب منهم لاكتساب أصواتهم الانتخابية.

لم تكن مشاركة الأفراد في الحيّز العام كما هي اليوم على الدوام، فلم يكن حقّ الاقتراع، على سبيل المثال، ممكنًا لغير الرجال، بل لم يكن لكلّ الرجال إنما كان للمتعلمين منهم، أي أبناء الطبقات العليا والمتوسطة. في البداية، كانت جلّ الحقوق السياسية خاصّة بالرجال من أعضاء هاتين الطبقتين. لكن مع تغيّر نمط الإنتاج، وانتقال الناس من الأرياف إلى المدن، وتوسّع طبقة العمّال، بات من الطبيعي أن يكون لهم مشاركة في الحقوق هذه. وهكذا توسّع حق الاقتراع ليشمل النساء المتزوجات والعمّال، ثم بات -بالتدريج- يشمل الجنسين ممن بلغوا السنّ القانونية كما نعرفها اليوم. لم تكن المساواة -كقيمة عُليا- موجودة على الدوام كما نفهمها اليوم، بل تدرّجت حتى وصلت إلى الوضع الراهن.

لكنّ هذه الحقوق تصبح مع الزمن كونيّة أو بالأحرى إنسانيّة عامّة، فلا يمكننا الآن أن نقبل بأي طرح يقول بوجوب التدرّج في منح حق الاقتراع، مثلًا. بالتزامن مع ذلك، وخلال عملية الانتقال هذه من نمط الإنتاج الزراعي إلى النمط الصناعي، خرجت مجالات عدّة من سيطرة الجماعة المحليّة، لتدخل ضمن عداد الحقوق الفردية. فمسألة الزواج -مثلًا- باتت أكثر انفتاحًا، بعد أن تخلّصت من قيود المؤسسة الكنسية. لكنّ مؤسسة الزواج هذه لم تعد مطلقة، كما كانت قبل عقود. لقد تقلّصت مساحة الحيّز الخاص مع توسّع صلاحيات الدولة؛ فلم يعد من حقّ الآباء والأمّهات -على سبيل المثال- الفصلُ في مسألة ذهاب أولادهم إلى المدارس: أيدعونهم يذهبون أم لا! حيث فرضت الدولة إلزامية التعليم إلى سنّ معينة، تتناسب طردًا مع غنى الدولة وتقدّمها وطبيعة نظام الحكم فيها، بكل تأكيد. كذلك موضوع خدمة العلم أو التجنيد الإجباري، ومواضيع التأمين الصحي، وغيرها من المواضيع التي أفرزتها الحياة بعد الثورة التقنية ونشوء العوالم الافتراضية أو الرقمية.

وفي عالمنا العربي، تطرح الحياةُ علينا أسئلة كثيرة كلّ يوم، وإذا ما استثنينا الحياة الخاصّة لنا كأفراد وهمومها ومشاكلها، وركّزنا على الحياة العامّة؛ وجدنا أنفسنا أمام أسئلة جوهرية لم تلقَ بعدُ أجوبة ناجزة ونهائية عنها. بعض هذه الأسئلة -كسؤال الهويّة مثلًا- لا يمكن الإجابة عنها نظريًا فقط، أي من خلال الأبحاث والدراسات والكتب، فهي واقع معيش يخلق التفاعل بين بنات وأبناء الهويّة ذاتها، أي أنها نتاج الحياة والممارسة إضافة إلى كونها نتاج النظرية. صحيح أنّ التنظير هو أحد الأركان الأساسية لبناء الهويّة، لكنّه من دون فعل الفئات المجتمعيّة المختلفة يبقى قاصرًا لا يمكنه حمل هذا البناء الهائل وحده.

يُجيب العقل عن سؤال ماذا يمكنني أن أعرف؟ فالعقل هو مناط المسؤولية البشرية، وهو محرّك التغيير ومستودع المعرفة. لولا العقل ما كان ليختلف الإنسان عن أي كائن عضوي آخر. لذلك تزداد معارفنا كلّ يوم وكلّ ساعة، بسبب هذا العقل، وبسبب خروجه من إسار الأسطورة والخرافة والغيب، ودخوله في غمار مجالات العلوم. وهنا يطرح السؤال نفسه علينا -العربَ- بعفوية ومباشرة: ماذا أعددنا للإجابة عن أسئلة هذا المُشكل؟ هل نحن راضون عن أداء عقلنا الجمعي، كما سمّاه محمد عابد الجابري في مشروعه “بنية العقل العربي”؟ الحقيقة أننا لم نفعل شيئًا يُذكر، لذلك بقيت معارفنا مستندة إلى ما تنتجه عقول الآخرين الجمعية، من غربية أميركية-أوروبية، وشرقية شرق آسيوية.

تجيب الأخلاق على سؤال ماذا عليّ أن أفعل، أو ماذا يجب أن أفعل؟ وهنا يدخل المرء في دائرة الأسئلة المباشرة أيضًا حول واقعنا العربي؛ فهل كانت إجاباتنا، عن أسئلة التغيير والحداثة والتحرر من الاستبداد والمضّي في طريق الديمقراطية، أخلاقيّة بالمعنى المذكور أعلاه، أم لم تكن؟ هل فعل السوريون -جميع السوريين- مثلًا ما كان عليهم فعله، مع انطلاق ثورة الكرامة والحرية؟ وبالتعميم، هل فعل المصريون والليبيون واليمنيون والتونسيون أيضًا ما كان عليهم أن يفعلوه؟ الحقيقة أنّ الإجابات الأخلاقيّة تبقى مجرّدة، ولا يمكنها أن تتطابق مع الواقع بشكل مطلق، للواقع قوانينه الأخرى غير تلك التي تحكم الأخلاق.

تُجيبُ الأديان عن أسئلة من مثل: ماذا يمكنني أن آمل؟ وهي أسئلة تُطرح الآن لتهدئة النفس البشرية الباحثة عن السكينة والخلاص والطمأنينة، لكنّ إجاباتها مؤجّلة إلى آجال غير مسمّاة، فمن يعلم بالغيب أو يعرف متى يمكن للإنسان أن ينتقل إلى العالم الآخر؟ ويحقّ لنا أن نسأل أنفسنا الآن: هل تركنا للأديان الإجابة عن أسئلتنا الوجودية هذه، كما ينبغي لها أن تفعل وفق قوانينها الخاصة، أم استحضرناها إلى ساحات السياسة للاستقواء بها على بعضنا؟ لقد أثخنّا الجراح بأنفسنا مستعملين أسلحة الدين، ولم نترك حجّة إلّا سقناها ضدّ أنفسنا قبل الآخرين، نحن محترفون باستحضار الإجابات المؤجّلة، وبتأجيل الاستحقاقات الراهنة إلى المستقبل البعيد. في خضمّ نقاشاتنا عن الحاضر، نستحضر الماضي برغبويّة تعبّديّة، ونجرّده من سياقه الحقيقي ونسقطه على واقعنا. نتفاخر بماضينا -وكأنّه كان محلّ فخر على الدوام- لنجيب عن أسئلة الحداثة والمعاصرة! هي إذن خيبة العقل، إذ توصل إلى ساحة الأمنيات بعيدًا عن قوانين الأخلاق وموجباتها.

استعار كارل ماركس، في مقدّمة كتابه (رأس المال)، مقولة من الميثولوجيا اليونانية “هنا رودس اقفزْ هنا hic Rhodes hic salta التي ردّ بها أحد المتحاورين على نظيره الذي ادعى أنه قام قفزة هائلة عندما كان في جزيرة “رودس”. ونحن نستعيرها ذاتها، لنقول لأنفسنا: هنا الواقع، فلنستخدم موجبات الأخلاق ولنفعل فعلنا هنا، لا هناك حيثُ كانت آمالنا على الدوام معلّقة.