بعد انهيار المنظومة الاشتراكية، نهاية ثمانينيات القرن الماضي، نشر فوكوياما مقالته التي أصبحت كتابًا تحت عنوان “نهاية التاريخ“. تتلخص فكرته بأنّ نظرية الديمقراطية قد نجحت بشكل نهائي، وأنّه لم يعد هناك نسق عالمي قادر على منافستها، بعد فشل نظرية سيادة حكم الطبقة العاملة، أي البروليتاريا. اعتبر فوكوياما أنّ التحديات التي ستواجه الديمقراطية لن تكون من خارجها كنظام أو كمفهوم، بل من داخلها. أي أنّ العقلانية التي تقوم عليها نظرية الديمقراطية ستكون قادرةً على حلّ التناقضات التي ستخلقها ظروف المشاركة الشعبية في إدارة الشؤون العامة في الدولة، أي ظروف الواقع المعيش والممارسة العملية.

لكنّ فوكوياما اعتبر بشكل أو بآخر -كما كثيرين غيره من المفكرين الأوروبيين- أنّ الديمقراطية مُنتج غربي، وهي بالتالي لا تصلح بشكل كامل للتطبيق في بعض البيئات الاجتماعية المختلفة، مثل بيئتنا العربية الإسلامية. ويوافقه في ذلك، من حيث النتيجة، رائد اليمين المعاصر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لكن مع اختلاف بيّن واضح في الأسس التي ينطلق منها. فيطرح هذا الأخير مسألة أزمة الديمقراطية أو حتى فشلها في معالجة كثير من القضايا الاجتماعية، مثل التفاوت الكبير في مستويات الدخل بين الطبقات العليا والدنيا، وظاهرة الاغتراب الفردي، ونموّ معدلات الجريمة. لا يورد بوتين نظرية مقابلة للديمقراطية الليبرالية، كما يرى ذلك الدكتور عزمي بشارة في محاضرته “حول الشعبوية والأزمة الدائمة للديمقراطية”، بل يتمسّك بمفهوم سيادة الدولة فقط، الذي يلخّصه بشارة بعبارة “حقّ نظام الحكم في أن يفعل بشعبه ما يشاء في حدود سيادة الدولة”، ويصدّره كمنتج رابح قابل للبيع، وهو ما شهدناه بأمّ العين في سورية. وهذا هو ذاته ما يتمسّك به قادة الأنظمة التسلطية في منطقتنا العربية، من منطلق التمسّك بالخصوصية الوطنية، وكأنّ شعوب هذه المنطقة كانت وستبقى دومًا خارج سياق التطوّر السياسي الاجتماعي للإنسانية جمعاء!

وفي خضّم التناقضات بين الديمقراطية والليبرالية، تثور قضايا الأولويات من جهة أولى، وقضايا الهويّة من جهة ثانية. مثال على ذلك أولويّة المشاركة الشعبية المتمثّلة بالانتخابات، كما طُرحت في مصر، مقابل أولوية الاتفاق على أسس النظام الجديد المتمثّل بالدستور، والذي قامت الثورة أساسًا لبنائه، بعد أن ظنّ الثوار أنهم أنجزوا مهمة إسقاط النظام القديم، وبعد أن استلمت الأحزاب المنظّمة قيادة الصراعات والتجاذبات في غمار العملية السياسية. مثال آخر رأيناه في السنوات الأولى من الثورة السورية، ضمن إطار الصراعات بين قوى الحراك المدني السلمي، متمثلة بالتنسيقيات والتيارات السياسية الديمقراطية، وبين المشاريع الأيديولوجية الدينية التي طرحتها قوى الإسلام السياسي عامّة والسلفية الجهادية خاصّة. فالأولى كانت -إلى حدّ ما تسمح به ظروف نضوجها الفكري- تؤكد أولوية الاتفاق على أسس النظام الجديد، منطلقة من ضرورة تكريس قيم المواطنة، بينما ركبت الثانية موجة الشعبوية، واستخدمت الخطاب الديماغوجي، للوصول إلى تأييد الغالبية العظمى من الفئات الثائرة، مخاطبة حاجتها إلى عصبيّة تشدّ بها أزرها في مواجهة العنف الهائل الممارس ضدّها من قبل النظام.

بحثت القوى المدنية الديمقراطيّة عن بناء الهُويّة الوطنيّة الجامعة -وفق تصورها لهذه الهُويّة- في مستقبل سورية، بينما سعت التيارات الدينية عامّة والإسلامية منها خاصّة لبناء عصبيّة طائفيّة خاصّة. تقوم الهويّة الأولى على المشتركات بين جميع السوريات والسوريين، وعلى أساس وحدة الانتماء إلى وطن تسوده قيم العدالة والمساواة والحريّة والكرامة، بينما تقوم الثانية على العصبيّة الطائفية التي تجمع المسلمين السنّة، وتجعل منهم طائفة مُتخيّلة واحدة، بمواجهة طائفة النظام المُتخيّلة أيضًا. في الهُويّة الأولى تُبنى الـ (نحن) الجمعيّة على قواعد غير تمييزية بين أبناء الوطن الواحد، فلا وجود لـ (هم) مختلف خارج إطار قيم المساواة بين المواطنين. بينما في الهُويّة الثانية تقوم هذه الـ (نحن) على مفاضلة مع الـ (هم) الخارجيّة، والتي يمكن أن تكون عدّوًا دائمًا يجوز إشهار السلاح في وجهه، متى لزم الأمر أو سنحت الفرصة.

لم يتسنّ للقوى الوطنيّة السورية الوقت الكافي والمناخات المناسبة لاستكمال مشروع بناء الهُويّة الوطنية، فالعنف الهائل الممارس من قبل النظام وحلفائه، المترافق مع العصبيّة الطائفية للمشروع الإيراني المرفوع على حراب البنادق، وما قابلهما من عنف العصبيّة الطائفيّة التي جعلت الأكثريّة العددية السنيّة طائفة متخيّلة، إضافة إلى التقاعس الدولي غير المبرر (وإن كان مفهومًا) عن إيجاد روادع حقيقية لكلا العنفين، تلك العوامل كلها جعلت من مشروع الهُويّة الوطنية الجامعة أمرًا بعيد المنال، مؤجلًا على سلّم الأولويات إلى ما بعد إيقاف النزف المستمر بالديموغرافيا والجغرافيا والتاريخ، وإلى ما بعد إيقاف نزيف الروح الإنسانية المرهقة بالسعي لتوفير الحاجات الأساسية على سلّم هرم ماسلو.

من ينظر إلى الضحالة الفكريّة الواضحة عند كثيرٍ من السوريين -نظامًا ومعارضة وثوارًا- في مواجهة بعضهم البعض؛ يُدرك حجم الانهيار في منظومة القيم والمبادئ التي يُفترض أننا خرجنا في ثورة لبنائها. أحمقُ ورث دولة بكامل مقوماتها، بلا استحقاق، يُصرّ على أنّه انتصر في معركته مع الإرهاب! ولضحالة فهمه ووضاعته كفرد، لم يدرك أنّه انتصر بحربه على الدولة ذاتها التي يحكمها هو بسياط الرعب والإرهاب! تقابله شخصيات تراوح انتماءاتها الفكرية بين عقليّة القادم من جبال تورا بورا، وعقلية الانتهازي الذي لم يكن يومًا يحلم بتبوّء صدارة المشهد. وبين هذا وهؤلاء، تعوم بقايا هياكل وأشباه مؤسسات وحطامُ مجتمع. غاب صوت العقل عن الساحة مع غياب مشعل تمّو وعبد العزيز الخيّر وحسين العودات وميشيل كيلو، وغاب صوت الضمير مع غياب عبد القادر الصالح وحسن الحريري وميّ سكاف وعبد الباسط الساروت وفدوى سليمان ورزان زيتونة وسميرة الخليل، وغاب صوت الوطن مع غياب أبنائه وبناته عن ساحة الفعل وصناعة التغيير.

لا رثاء لنا ولا عزاء في نهاية التاريخ، كما يراها فوكوياما، ولا هناء لنا في سيادة الدولة، كما يراها بوتين، ولا مشاركة لنا في غيابنا عن مجال التأثير العام، ولا حقوق أو حريات لنا في ظلّ تسوّد العُنف المستشري. فهل نبقى كالأيتام على موائد اللئام، أم ننهض من كبوتنا مجددًا؟! هذا سؤال لا جواب نظريًّا له، فالإجابة الوحيدة الممكنة هي على الأرض، في السياسة وفي التعاملات والعلاقات التي تغيّر الواقع وتصنع التاريخ.