“العالم بات قرية صغيرة”. عبارة نسمعها كثيرًا في المناسبات والأماكن المختلفة، من أشخاص من مستويات واختصاصات مختلفة. وهي عبارة لا تجانب الصواب؛ بل تشير إلى واقع الحال الذي يتمثل في تشابك وتفاعل العلاقات والمصالح والمؤثرات والنتائج، بين جميع أصقاع عالمنا الراهن؛ فارتفاع أسعار الطاقة والمواد الخام يؤثر في الجميع، وكذلك ارتفاع أو انخفاض نسب الفائدة، كما تؤثر الحروب وقوافل اللاجئين والأوبئة والمجاعات والمشكلات البيئية في الجميع.

وفي المقابل، هناك ظواهر أخرى تنعكس نتائجها إيجابًا، بهذه الصورة أو تلك، على الجميع، ومنها ثورة الاتصالات والمعلومات، والنهوض الاقتصادي، والاستقرار الأمني، في هذا الجزء أو ذاك من المعمورة، هذا إلى جانب التقدّم في ميادين البحث العلمي. ولعل ما شاهدناه أخيرًا بخصوص الأبحاث والاستثمارات المشتركة، من أجل الحصول على لقاحات ناجعة لمواجهة جائحة كورفيد-19، يؤكد بوضوح طبيعة عصرنا التي باتت العولمة الواقعية معلمًا رئيسًا من معالمه الحيوية التي نعيشها، وستكون من معالمه المستقبلية أيضًا. هذا بصرف النظر عن المواقف الأيديولوجية، والحسابات السياسية، والتخوفات المشروعة أو اللا مشروعة، التي تعاملت مع ظاهرة العولمة -سلبًا أو إيجابًا- في مختلف المناسبات.

فأن يشتري العامل أو الموظف السويدي من متوسطي الدخل بيتًا في إسبانيا أو تايلاند، أو أن يسافر العامل الألماني أو الفرنسي في إجازته إلى جزر الكاريبي أو مصر أو المغرب أو الهند، وأن يهاجر الطبيب والمهندس أو العامل والفلّاح المغربي أو السوري أو العراقي، إلى أوروبا وأميركا وكندا وأستراليا، بحثًا عن فرصٍ أفضل، وأن تتحول التجارة عبر الإنترنت إلى ظاهرة عالمية، وأن يقدّم الهندي أو الباكستاني أو الفليبيني خدماته التقنية إلى زبائنه في مختلف أنحاء العالم، وهو في بلده وفي بيته، ومع أسرته، وأن تقوم بعض الدول والشركات بامتلاك الأراضي الزراعية والموانئ والشركات في دول أخرى، وأن تتخصص مصانع في الهند والصين ودول جنوب شرق آسيا لإنتاج السلع لصالح شركات أوروبية أو أميركية، وأن يستثمر الناس في أسواق الأسهم في مختلف أنحاء العالم، وأن يشتري النرويجي أو الدانماركي الفواكه والخضروات والمواد الغذائية المستوردة من دول أميركا اللاتينية أو الشرق الأوسط وأفريقيا؛ كلّ هذه الظواهر، وغيرها الكثير، تؤكد أن عالمنا المعاصر قد تحوّل بالفعل إلى قرية صغيرة، ولم يعد في مقدور أحد التهرّب من مسؤولياته تجاه هذه الوضعية الجديدة التي تجسّد واقع التمازج الحضاري والثقافي، وتبادل المصالح والتأثيرات بين مختلف مجتمعات العالم.

وهذه الظاهرة لا تعدّ من جهة النوعية ظاهرة جديدة، بل كانت موجودة على الدوام؛ ولكنها لم تأخذ الطابع الشمولي الذي تتسم به في وقتنا هذا، وإنما كانت تحدث في أقاليم محددة في العراق القديم وسوريا القديمة، مثلًا، أو بين دول حول المتوسط، وبين الصين وشبه القارة الهندية، وصولًا إلى بلاد فارس وآسيا الصغرى، وفي منطقة إسكندنافيا وبينها وبين روسيا، على سبيل المثال. ولكن الذي باتت ملامحه واضحة، خاصة في العقدين الأخيرين، هو أن نزعة الانعزال، والتركيز على المصالح الخاصة بكل دولة، أو بكل مجموعة سكانية دينية أو اثنية، ضمن نطاق كل دولة، قد باتا يؤثران في السياسات والقرارات، ويؤديان إلى مزيد من التنافس والصراع والحروب، خاصة بعد تفاعل هذه القضايا مع تنامي ظواهر الفساد والاستبداد في العديد من بقاع العالم.

وقد تجسدت النزعة الانعزالية في الجدران الفيزيائية التي أقامتها بعض الدول على حدودها، أو فصلت بموجبها بين مناطق لم يتم التوافق بعدُ على أحقيّة السيادة عليها. هذا إلى جانب الجدران النفسية والاقتصادية التي أسهمت في توتير الأجواء الدولية، وزيادة حدة التشنج والتوجس بين الأطراف المختلفة. وبينما كان من المفروض أن تؤدي الأمم هيئة الأمم المتحدة، والمنظمات التابعة لها، في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، دورًا أكبر في ميدان حلّ الخلافات، وفض المنازعات، ومدّ أواصر التفاهم بني الجميع، والعمل على تأمين المساعدات المطلوبة للمحتاجين، خاصة في المناطق التي تعاني الكوارث الطبيعية والحروب والفقر والأوبئة، وجدنا أنها بقيت عاجزة عن كل ذلك.

عالمنا العولمي، إذا صحّ التعبير، يحتاج إلى إدارة تحرص على بناء الجسور، وإزالة العراقيل، وتحقيق التكامل من أجل تلبية الحاجات، ومعالجة القضايا التي تهدد الأمن والاستقرار في مختلف أنحاء العالم.. إلى إدارة تتخذ من الحاجات والتطلعات الإنسانية أولوية لها، وسيكون ذلك في مصلحة الجميع.

 لقد حقق العِلم تقدّمًا هائلًا لمصلحة الإنسان؛ ولكن المشكلة تتمثل في غياب هذه الإدارة. وكان من المفيد المنتظر أن تتوافق الدول بعد انتهاء الحرب الباردة عام 1991 على تجديد الأمم المتحدة ومنظماتها، لتصبح مؤهلة للتعامل الإيجابي المجدي مع الوضعية العالمية الجديدة؛ ولكن هذا الأمر لم يحدث، مع كل أسف. وقد تجلى عجز الأمم المتحدة بصورة فجة فاضحة، حينما فشلت -عبر مجلس الأمن- في اتخاذ قرارات ملزمة تنص على الحلول الواقعية لجملة الأزمات التي ظهرت عقب ثورات الربيع العربي، في عدد من الدول العربية، خاصة في سورية، وذلك نتيجة استمرار النظام في قتل السوريين، وتدمير مدنهم وبلداتهم، وتهجيرهم، ومع ذلك استخدم الروس، بالتنسيق مع الصين، حقّ النقض (الفيتو)، في مجلس الأمن، لعرقلة إدانة النظام 16 مرة.

ولم يتمكن المجلس المذكور من وضع حدّ للجهود الإيرانية التخريبية، في عدد من الدول العربية؛ وظل النظام الإيراني وميليشياته خارج دائرة الاتهام والتصنيف ضمن قوائم الإرهاب؛ بالرغم من أنه لم يستخدم سوى الإرهاب أداة لتدمير المجتمعات المجاورة، وقمع المجتمع الإيراني نفسه. ولم يتمكّن أوباما، بالرغم من الوعود الجميلة والتحذيرات العديدة التي أطلقها في مناسبات كثيرة، من الالتزام بتلك الوعود؛ ولم يلتزم بمآلات الاستهتار بتحذيراته، الأمر الذي أضعف كثيرًا من هيبة الولايات المتحدة الأميركية، وأدى إلى اضطراب العلاقة بينها وبين حلفائها التقليديين في العالم، خاصة في أوروبا والشرق الأوسط. وهذا ما أدى إلى عجز إدارته عن الدفع باتجاه قيادة رشيدة حكيمة للعالم. فقد ركز في منطقة الشرق الأوسط على الملف النووي الإيراني، مع علمه المسبق بأن المشروع هو في أساسه ورقة تفاوضية من بين الأوراق التي يستخدمها النظام الإيراني، وذلك للاستمرار في الحكم، بالرغم من رفض غالبية الإيرانيين له.

وكان التبرير المألوف هو أن منطقة الشرق الأوسط لم تعد من أولويات الإدارة الأميركية، مقارنة مع مناطق أخرى من العالم، مثل الصين وجنوبي شرق آسيا، والعلاقة مع أميركا اللاتينية. ولكن الإدارة المعنية لم تحقق أي إنجاز من الإنجازات التي بشّرت بها، ولم تلتزم بوعودها المعسولة، ولم تتحمل مسؤولية تحذيراتها، كما أسلفنا، خاصة ما يتعلق منها بموضوع “الخط الأحمر” الذي أعلنه أوباما في تهديده لنظام بشار، في حال إقدامه على استخدام الكيمياوي ضد المدنيين.

وجاءت إدارة ترامب لتبدأ معها الفوضى العارمة، على مختلف المستويات؛ وبات التوجس من توجهات الإدارة وقراراتها المزاجية المفاجئة هو المهيمن على علاقات الولايات المتحدة مع حلفائها. وهو الأمر الذي استفاد منه بوتين كثيرًا، وبنى عليه لتجاوز عقدة شبه جزيرة القرم، وذلك عبر الحرص على الظهور في مظهر المنتقم للروس وروسيا؛ وربما يذكرنا هذا الأمر بما فعله هتلر، بعد فرض شروط الاستسلام المذلة التي فرضتها معاهدة فرساي 1920 على ألمانيا، بعد الحرب العالمية الأولى؛ إذ وجد الروس أنفسهم بعد انهيار الاتحاد السوفيتي أمام اندفاع أطلسي، اجتاح ما كان يُعدّ تاريخيًا المجال الحيوي لروسيا في مختلف المراحل.

لقد كُتب كثير من الكلام على شعبوية ترامب، وحرصه على جمع النقاط الرخيصة عبر رفع شعار: “أميركا أولًا”، مدغدغًا في ذلك انفعالات العنصريين، إلى جانب استثماره في مشاعر المتدينين. كما كُتب الكثير عن تسبّب ترامب في تسميم العلاقات مع الأوروبيين، وتشجيعه لبريطانيا (بوريس جونسن) على الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، واستغلاله للسلطة، حتى باتت أشبه بالتشاركية العائلية، هذا إضافة إلى إثارته لنزعات الكراهية ضد المسلمين بصورة عامة، إذ حمّلهم مسؤولية مجموعات من المتطرفين المتشددين الذين يدور جدل كبير حول الجهات التي صنعتهم وسوقتهم، واستفادت منهم. والأمر ذاته اتبعه مع الصين والصينيين، بإصراره على مصطلح “الفيروس الصيني”، في إشارته إلى فيروس كوفيد-19.

الآن، وقد أصبحت هذه الإدارة جزءًا من الماضي، وسط ارتياح أميركي وعالمي، باتت الأنظار جميعها متوجهة نحو إدارة جو بايدن الذي بدأ عهده باتخاذ جملة من القرارات التنفيذية التي جاءت لتلغي بعض الآثار السلبية لمرحلة ترامب، ومن بينها العودة إلى اتفاق باريس للمناخ، والعودة إلى منظمة الصحة العالمية، وإلغاء أوامر ترامب الخاصة بمنع دخول مواطنين عدد من الدول ذات الغالبية المسلمة إلى الولايات المتحدة الأميركية. وفي خطاب التنصيب، أدان بايدن النزعات العنصرية الخاصة بتفوق الرجل الأبيض، كما أدان العنف السياسي والإرهاب المحلي. ودعا إلى الوحدة، واحترام الاختلاف على المستويين الأميركي والعالمي. وشدد على أهمية اعتماد الدبلوماسية في معالجة القضايا الخلافية.

وكل ذلك يُعدّ من المطلوب المنتظر الذي يدفع باتجاه قيادة عالمية، تتناسب مع عصرنا العولمي وموجباته، هذه الموجبات التي تتمثل بصورة أساسية في الحوار والتفاهم، وبناء العلاقات المستدامة على أساس المصالح المشتركة للأمم، واحترام تطلعاتها، ومساعدة الأمم الضعيفة للنهوض، لتتمكن بدورها من الإسهام في عملية التقدم والإنتاج والمساعدة على المستوى العالمي؛ وكل ذلك يستوجب المزيد من الاهتمام بالجانب الإنساني والبيئي، والعمل على إيجاد حلول واقعية ممكنة لأزمات ونزاعات إقليمية مزمنة، في مختلف أنحاء العالم.

أميركا -بقدراتها وإمكاناتها الاقتصادية والبشرية والعلمية التقنية- ما زالت مؤهلة لموقع الريادة العالمية؛ ولكنها لا تستطيع إنجاز كل شيء بمفردها، وإنما تحتاج إلى علاقة تفاهم مستقرة مع حلفائها، خاصة الأوروبيين؛ وهو الأمر الذي سيعزز من إمكاناتها في مفاوضاتها مع المنافسين/ الخصوم، من أجل التوافق على مرحلة جديدة من العلاقات التكاملية التي تحدد نقاط الخلافات لتعالج بالتدريج، وتُبرز النقاط المشتركة للبناء عليها.

هل سيتمكّن بايدن، مع فريقه الخبير المتنوع المتميز، من تنفيذ وعوده، وهو الذي يمتلك خبرة واسعة في ميدان العمل الحكومي وعلى المستوى الشخصي الإنساني؟!

البديات الأولى مبشّرة، ولكن النتائج الواقعية على الأرض هي التي ستقدّم لنا الإجابة في نهاية المطاف.