عندما يبقى الفقيه حبيسَ كتبه الصفراء، مستلبًا بالتاريخ ومتناسيًا الواقع أو متجاهله؛ فإن النتيجة -حتمًا- أنه سيكون خصمًا لكل جديد ومستحدَث. وهذا ما حصل فعلًا لغالبية الفقهاء الذين عاشوا في كهف الأوليين، ولم يعاشروا الواقع، وما كانوا عضويين، ولا أعمَلوا عقولهم، معتقدين أن الخير كلّه في ما قاله السلف، وأن الشرّ كله في ما أنتجه الخَلَفُ!!

مشكلة العقلية الفقهية أنها لم تتربَّ قرآنيًا، إنما تربّت على أقوال الأوليين؛ فالقرآن يؤكد أن دائرة المباح/ الحلال هي الأوسع: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} البقرة:29. وبيَّن أنّ دائرة المُحَرَّم هي الأضيق في الحياة؛ فوضّحها لتكون مفهومة لكل كبير وصغير، ولخّصها بقوله: {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} الأنعام:151. ثم عدّدها بوضوح لا لبس فيه.

لكن معظم الفقهاء قلبوا معادلة الحلال والحرام، رأسًا على عقب، حتى جعلوا الناس يتساءلون، عند كل مُستَحْدث تحتاج إليه المعاصرة: هل هو حرام؟ على الرغم من أنّ أهل الفقه متفقون على قاعدة تقول (الأصل في الأشياء الإباحة).

نتيجة العقلية التحريمية للفقهاء، ومساكنتهم كهوف كتبهم الصفراء -وهي اجتهادات لزمانها فقط- أصبحوا يحرّمون كل ما لم تستطع عقولهم الضيقة استيعابه، فوقفوا ضد تطورات الحياة، خصوصًا التكنولوجية منها، وأصدروا فتاواهم التحريمية فيها، فخسروا احترام العقلاء.

وكي لا يقال إننا نتجنى عليهم، سأمرّ سريعًا على بعض تلك الفتاوى التي تبيّن عطالة عقولهم.

القهوة بقيت محرمة 400 عام!

أول مكتشِف للقهوة في العالم رجلٌ صوفي شاذلي من اليمن، اسمه علي بن عمر بن إبراهيم، عام 828 للهجرة، قطف قشرة البن وتناولها ليسهر ذاكرًا لله تعالى. وعندما وصلت الشاذلية إلى مكة، تم تحريم القهوة لاعتبارها من “المُسكرات”، وذلك بعد أن شاهد حاكم مكة في عهد السلطان قنصوه الغوري الأمير المملوكي (خاير بك) الناسَ يجتمعون لشربها، فاعتبرها منكرة، وجمع الفقهاء فأصدروا فتوى تحرّمها!

وعندما أحبّها الناس، وزع الفقهاءُ “مُخبرين” ليستدلوا على من يشرب القهوة؛ فأصبح الناس يشربونها في الأقبية خوفًا من الفقهاء وعقوبتهم، وبعد 130 سنة من اكتشافها في اليمن، اختلف العلماء في أوائل القرن العاشر الهجري في حكمها: أحلال هي أم حرام!! فحرّمها الشيخ الدمشقي شهاب الدين العيثاوي، ومن الحنفية القطب ابن سلطان، وفي مصر أوائل القرن الثامن عشر، أفتى الشيخ علي أحمد السنباطي بتحريم شرب القهوة، باعتبارها “مادة مُسكرة مُخدرة للعقل”! وظلّت القهوة محرمةً مدة 400 عام، على أنها من “المسكرات”! حتى أجازها الأزهر، بعد كل تلك الأعوام من التحريم، عندما أجرى تجربة على عشرة من طلابه تناولوا القهوة، فوجد أن تركيزهم الدراسي كان أفضل.

تحريم قراءة الصحف والمجلات!

في مطلع القرن العشرين، أفتى بعض فقهاء الكويت والعراق، بحُرمة قراءة الصحف والمجلات! لاحتوائها على حقائق علمية “غريبة”، مثل كروية الأرض واللقاحات ضد الأمراض. وكان على رأس هؤلاء الفقهاء الشيخ عبد العزيز العلجي (1868-1942) الذي كان يأتي إلى الكويت من الإحساء، وكان له أنصارٌ فيها، وحدث أن زار الشيخ رشيد رضا الكويت عام 1912، فكمن له أنصار الشيخ العلجي يريدون قتله، غير أن مصادفة تغيير طريقه المعتاد أنجته من محاولة الاغتيال. وعندما وصلت مجلة (المقتطف) المصرية إلى بغداد عام 1876، أجمع الزعماء الدينيون -من مختلف المذاهب السنّية والشيعية والمسيحية واليهودية- على رفض قراءة الصحف؛ لأنها كانت في نظرهم تحتوي على “عقائد فاسدة”.

“حصان إبليس”!

قبل حوالي 75 سنة، دخلت الدراجة الهوائية إلى نجد، فاعتقد بعضهم أنها “تسير بواسطة الجنّ”؛ فأفتى بعض مشايخهم، بأن على من يرى الدراجة أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، سبع مرات، وأمروا النسوة بتغطية وجوههن عنها، وأفتوا بأن ملامسة الدراجة الهوائية تنقض الوضوء، وبألا تُقبَل شهادة من يسوقها، وأطلقوا عليها “حصان إبليس”.

تخلّف فقهي!

عام 1890، بدأ الإنكليز بمصر تمديد أنابيب مياه الشرب للبيوت، وكان المصريون يشربون الماء من السقّائين؛ فاعترض السقاؤون على ذلك المشروع الذي جعلهم عاطلين عن العمل، وقدّموا شكوى لمشيخة الأزهر؛ فأفتى الأزهر بأن “الوضوء من ماء التمديدات باطل”! وبالتالي تكون الصلاة أيضًا باطلة. لكن فقهاء الحنفيّة اعترضوا على تلك الفتوى، وجرت مناظرات استمرت مدة طويلة، انتصر فيها رأي الأحناف على بقية المذاهب، وأجيز الوضوء بماء الصنبور؛ فأطلق المصريون على الصنبور اسم “الحنفية”، عرفانًا لهم بتلك الفتوى، وصار اسم الصنبور في كل مكان “الحنفية”.

الطماطم “مؤخرة الشيطان”!

في نهاية القرن التاسع عشر، دخلت الطماطم إلى حلب؛ فاستهجنها أهالي المدينة، ونفروا من استهلاكها وزراعتها، بسبب لونها الأحمر المخالف لكونها من الخضروات، فأطلقوا عليها لقب “مؤخرة الشيطان”، وأصدر مفتي حلب فتوى بتحريم أكلها! غير أن زراعة الطماطم خلال سنوات قليلة انتشرت في الشام، وسُمّيت بالبندورة، واحتاج إليها الناس في طعامهم؛ فخالفوا فتوى تحريمها.

المدارس وكر للانحراف!

يروي عالم الاجتماع علي الوردي، في كتابه “دراسة في طبيعة المجتمع العراقي”، أن العراقيين، مطلع القرن العشرين، نظروا إلى المدارس الحديثة وكأنها وكرٌ للانحراف! وعندما بدأت الحكومة العراقية افتتاح المدارس، أعلن بعض الفقهاء تحريم الدخول فيها، فلم يُقبِل الناس عليها.

وكانت أكثر الفتاوى تشددًا فتوى تحريم تعليم الفتيات؛ بذريعة أن تعليم المرأة سيكون وسيلة لإغوائها وفسادها! حتى إنّ الفقيه العراقي نعمان الألوسي، نهاية القرن التاسع عشر، ألَّف كتابًا سمّاه “الإصابة في منع النساء من الكتابة”، جاء فيه أن تعليم النساء القراءة والكتابة يُلحق بهن الضرر، وسيكون وسيلة لمعرفتهن بوسائل الغدر والخيانة، وكتابة الرسائل إلى العشاق، وقال: “اللبيب من الرجال هو من ترك زوجته في حالةٍ من الجهل والعمى، فهو أصلح لهن وأنفع”.

من الماضي القريب إلى عصرنا

ممّا تقدّم، يتضّح لنا أننا أمام عقليات فقهية غير عاقلة (طبعًا لا نعمّم القول على الفقهاء كلّهم) تعيش منفصلةً عن الواقع، وتجد معركتها مع التطور والحداثة “مقدسةً” و “عبادةً” تتقرب بها إلى ربّها. ولنا أن نتساءل: هل تغيّرت عقلية هؤلاء الفقهاء الذين نتحدث عنهم؟ تعالوا لنرى أمثلة تؤكد أن من بين المعاصرين مَن لا يزال في كهفه وصندوقه.

أحد هؤلاء الفقهاء حرّر فتوى، في 36 صفحة، تحرِّم كرة القدم، ووضع 16 شرطًا للعبها على الطريقة الإسلامية، كمنع وجود متفرّجين، وعدم وجود حكم، واعتراف اللاعب بالخطأ، وتشاور باقي اللاعبين في عقوبته، وإعلان توبته، ومنع استخدام التعابير الكروية المألوفة، كهدف أو (جول)، واستبدالها بعبارة “دخول الكرة بين القائمتين والعارضة”! وقد قال أحدُ الصحفيين الخليجيين في تلك الفتوى إنها “أغرب فتوى في التاريخ”.

ويأتي آخر، يخرج علينا بفتوى تحرّم الإنترنت على المرأة، بسبب “خُبث طويتها”! ولا يجوز تصفحّ المرأة الإنترنت إلا بوجود مَحْرَم!! ويصدح علينا فقيهٌ ثالث بفتوى تهاجم الفئران، لأن الشريعة سمّت الفأرة “الفويسقة”، ودعت إلى قتلها! وبناء على ذلك؛ لا يجوز للأطفال مشاهدة أفلام “توم وجيري”، و”ميكي ماوس”!!

جاءت أغرب الفتاوى، حينما فجّر شيخ خليجي مفاجأة بأن “البوفيه المفتوح” حرامٌ، لأنه نوعٌ من بيوع الغرر المنهي عنها شرعًا. ثم أتتنا فتوى لشيخين كبيرين يتبعهما الملايين، أثارت لغطًا كبيرًا إذ قالت: إن “القول بدوران الأرض قولٌ باطل! والاعتقاد بصحته مُخرِج من الملّة”! وما زال عدد من المشايخ يرددون تلك الفتوى، مما يدلّ على تغيب العقل وإنكار العلم.

فتوى بمرتبة جريمة!

صدرت فتاوى في الباكستان وأفغانستان ونيجيريا، منذ سنوات قليلة، بتحريم التطعيم ضد شلل الأطفال، بذريعة أنه لقاح أميركي يستهدف “تعقيم الأطفال جنسيًا وقطع نسل المسلمين”! وحذرت مكبرات الصوت في المساجد الباكستانية من اللقاح القاتل الذي يُفقد الرجال قدراتهم الجنسية ويحرم النساءَ من الأمومة! ودفعت الفتوى آباء 160 ألف طفل باكستاني، إلى رفض التطعيم، وأدى ذلك إلى تزايد حالات شلل الأطفال، وبخاصة شمالي غرب باكستان.

ختامًا نقول: المشكلة أن تلك العقليات الفقهية ترى أن المجتمع قاصرٌ، وأنهم هم الراشدون! ولذلك هم وحدهم الأوصياء عليه! ولكن أمام أبسط تطور يحصل في المجتمع، تنكشف هشاشة عقولهم، وتهافت وعيهم، وضحالة علاقتهم بالواقع، ويتأكد أنهم حبيسو صندوقهم، يستلذون العيش فيه، ولذلك يحرّمون علينا العيش أو التفكير خارج الصندوق. إنهم فقهاء الظلام وساكنو الكهف ومانعو النور، نور الإسلام الحقيقي، من أن يصل إلى الناس.

إننا بحاجة ماسة اليوم إلى عقلية فقهية تنويرية مؤسساتية، تُصدر فتواها معتمدة على ثلاثة أسس: النص القرآني، والعقل، والواقع. عقلية تعيش عصرها لا منفصلة عنه، تكون شجاعةً في طرح أفكارها، بعيدة من التراث وأقوال أصحابه، فأهل التراث اجتهدوا لعصرهم، وحلوا مشكلاتهم، ولم يَدَّعوا أن فتواهم ذات بعد مستقبلي، وعلينا نحن أن نحلَّ مشكلاتنا بأنفسنا من دون وصائية من التراث وأصحابه. فكلّ ما حلله الله لا يجوز تحريمه، ويكفينا في ذلك قوله تعالى: (وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـذَا حَلاَلٌ وَهَـذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ) النحل:116.