مع نهاية ألفين وعشرين، ودّعْنا الأشهرَ الأخيرة من العَقد الأول للثورة السورية، وفي آذار المقبل، سنفتح صفحة العقد الثاني، فهل نحن راضون عمّا آلت إليه أحوالنا خلال هذا الردح الطويل من الزمن، في عصر السرعة الذي نعيشه؟ وهل ضمائرنا مرتاحة تمامًا بما أديناه تجاه أهلنا وثورتنا؟ الجواب الذي يمكن إعطاؤه -بكلّ أسف- هو النفي، لا أحد منّا راضٍ عن أداء مؤسسات الثورة، وأكاد أجزمُ بألا أحد منّا راض عن أدائه هو ذاته فيها، أو في ما كان يجب عليه أن يقدّمه لتحقيق أهدافها وإنجاحها.

بجردة سريعة، من دون الغوص في التفاصيل؛ يمكننا القول إننا فقدنا نحو مليون شهيد، إن لم يكن أكثر، وهناك نحو مئة وخمسين ألف مُعتقلٍ ومختفٍ قسريًا -جُلّهم عند النظام- بحسب التقرير الدوري التاسع للشبكة السورية لحقوق الإنسان، وبلغ عدد المهجرين خارجيًا والنازحين داخليًا ما يربو على نصف تعداد سكان سورية. هؤلاء ليسوا مجرّد أرقامٍ، إنّهم أفرادٌ لهم وجوه وأسماء، لهم مشاعر وأحاسيس، ولكلّ منهم قصّةٌ وحكاية، لكلّ منهم بيوت هجروها وأملاك خسروها، فقدوا أحبّتهم ورفاق طفولتهم، بعضهم يرقدُ جثمانه في أرض غريبة لا تحنّ عليه، وبعضهم ينتظر الفرج من عند الله في أقبيةٍ معتمة رطبة، هؤلاء بشرٌ لهم وجوه وملامح، ليسوا أرقامًا نحصيها ولا جداول نبنيها ونرتبها ونعيد ترميمها، كلّ حين وحين.

 الدمار في المدن والقرى والبنى التحتيّة أكبرُ من أن يوصف، خسائر الاقتصاد السوري تزيد على 13 ترليون ليرة سورية، بحسب الخبير الاقتصادي الدكتور أسامة قاضي، وتحتاج سورية إلى نحو 500 مليار دولار على الأقل، لتعود بنيتها التحتية كما كانت قبل عام 2011. هذه ليست مجرّد حجارة، إنّها مدنُ سورية التي تحكي تاريخها وتروي قصصها، إنها روحُ سورية التي تعيش فينا ونعيش فيها منذ آلاف السنين، هي ذواتنا التي أراد الاستبداد محوها عن الوجود، أو تعليبها في قوالب صنع البساطير العسكرية.

بالتأكيد، ليست الثورة مسؤولة عن كل ذلك، لكننا -أفرادًا وجماعات- مسؤولون عن فشلنا نحن على الأقل. فما هي النتيجة السياسية النهائية لعملنا هذا كلّه؟ لا شيء، فلم نستطع حتى الآن إسقاط نظام الأسد، وباتت سورية محتلّة بشكل كامل، ومقسّمة بين دول عدّة وميليشيات. خسرنا معركة الحفاظ على سلمية الثورة، بالرغم من جهود الصبايا والشباب الهائلة والمذهلة، وخسرنا حربنا العسكرية، بالرغم من صدق نيّات المقاتلين وإخلاص الشهداء. لم نستطع بناء نموذج بديلٍ عن نظام الأسد الاستبدادي، لا في المؤسسات والتنظيم والإدارة، ولا في الفكر والحوار، ولا في قبول الآخر المختلف عنّا الذي هو جزء منا كما نحن جزء منه. كان أداؤنا السياسي هزيلًا مشتتًا مثل أداء النظام وأكثر، وكان أداؤنا الإداري التنظيمي أكثر رداءة. تقلّصت مساحاتنا الخضراء كثيرًا، وحلّت راياتٌ متطرفة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار مكانها، تناهبتنا الدول، وتداعَت علينا الأممُ، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، وليس من قلّة أبدًا، بل نحن في كثرة، لكنّها كثرة كغُثاء السيل، نزع الله من صدور أعدائنا مهابتنا، وأحلّ الوهن في قلوبنا.

لكن إلى متى؟ وهل يكفي الندب والبكاء لتغيير الحال، أليس هناك بديلٌ عن هذا المسار الطويل الذي لم يوصلنا إلى أيّ مكان؟ هل كان مستحيلًا علينا أن نبني صرحًا مثل منظمة التحرير الفلسطينية، أو أن ننجب قائدًا مثل ياسر عرفات؟ هل هو قدرٌ لا يمكن تغييره: أن تكون معارضتنا مثل نظام الحكم؟ بماذا كانت تزيد عنّا فرنسا الحرّة، عندما أنجبت شارل ديغول، وبماذا كانت تختلف عنّا تركيا، عندما أنجبت مصطفى كمال أتاتورك؟ وبماذا كان أجدادنا السوريون يبزّونا، عندما برز من بينهم إبراهيم هنانو وهاشم الأتاسي وشكري القوتلي وفارس الخوري وعبد الرحمن الشهبندر ومئاتٌ غيرهم؟

بكل تأكيد، هناك كثير من البدائل، ولعلّ الأجدى أن يبدأ المرء بذاته، فيعمل جردة حساب عمّا قدمه، ويتفكّر: أين أصاب وأين أخطأ، ويسأل نفسه: أسيكتفي بالكلام أم إنّه سينتقل إلى ساحِ الفعل. ثم علينا أن نفكّر خارج الصندوق قليلًا؛ فقد نجد الإجابة عن أسئلة المرحلة القادمة.

ما الذي أعددناه لاستحقاقات السلال الأربع التي تشكّل جوهر بيان جنيف 1، والقرارات الدولية المبنية عليه؟ من يضمن لنا ألا تطول أزمتنا عشر سنوات أُخر أو عشرين أو ثلاثين؟ ما الضرر الذي قد تُلحقه استدامة أزمتنا بهذا الشكل بالفاعلين الدوليين؟

لم نحضّر شيئًا يستحقّ الذكر لما سبق، ولا أحد يمكنه أن يضمن لنا ألا تطول أزمتنا أكثر من عشر سنين، لا أضرار تُذكر تُلحقها أزمتنا الممتدة بغيرنا من الدول والشعوب، وإن وُجدت فهي من الأضرار المحتملة، مقابل المكاسب الإستراتيجية التي يحققها الآخرون على حسابنا. إذن؛ سيكون من المحتمل أن تصبح سورية دولة فاشلة، أو غارقة بالحروب والصراعات مثل أفغانستان، أو مسوّرة بالحديد والنار مثل كوريا الشمالية يتوارثها آل الأسد وأنسباؤهم، مثلما توارث كيم جونغ يون كوريا وشعبها عن أبيه وجدّه. هذا وغيره كثير مما يجب أن يشكّل الدافع الأكبر لنا للتحرّك من أجل الخلاص من هذه المحنة، وهذا الشرّ المستطير.

تكون البداية بإصلاح داخلي لمؤسسات الثورة والمعارضة كافة، يقوده الشباب على متصدري المشهد منذ عشرة أعوام. ثم ننطلق إلى اختيار ممثلين عن هذه الكيانات الفاعلة، بحيث يرشح كل كيان من لدنه ممثلًا أوحدَ عنه، يختاره بالانتخاب الحرّ المباشر والسرّي، ثم يشكل المنتخبون من كياناتهم بمجموعهم هذا الهيئة العامة للمؤتمر التمثيلي السوري. ويحضّر هذا المؤتمر على مدار ستة أشهر أوراقه، من خلال لجنة تحضيرية أفرادها متطوعون وممنوع عليهم الترشح لانتخابات الأمانة العامة. في نهاية الفترة التحضيرية، يتم انتخاب أمانة عامة تمثل السوريين المعارضين والثائرين على نظام الأسد. وتكون هذه الأمانة العامة بمنزلة برلمان مؤقت، حتى تشكيل هيئة الحكم الانتقالي كاملة الصلاحيات، وهي التي تقدّم الفريق الممثل لقوى الثورة والمعارضة في هيئة الحكم الانتقالي، وتستمر في عملها كمراقب لعمل وفد الثورة وتكون مرجعية وطنية له. هذا أحدُ الحلول المقترحة التي يمكن البناء عليها، ومن دون أن نبدأ بإيجاد الحلول، سنبقى في مكاننا، إن لم نتراجع أكثر.