لم يكن في مقدور أكثر المتشائمين من المتابعين للوضع السوري بتفصيلاته ودقائقه وحيثياته أن يتكهّن بأن ما يزيد على نصف سكان سورية (نحو 13 مليون) سيكون بين نازح  ومشرد في الداخل الوطني، ولاجئ في الجوار الإقليمي، وما يزيد على مليون ونصف مليون مهاجر في أوروبا وأميركا وكندا وأستراليا والدول العربية، وحتى في أثيوبيا والصومال؛ وذلك بفعل الحرب الظالمة الحاقدة التي شنها النظام على السوريين الذين ثاروا على حكمه المستبد الفاسد المفسد؛ هذا النظام الذي دمر البلد، ولم يضمن أي مستقبل كريم لأجيالنا المقبلة، وهو اليوم يبيع ما تبقى من حطام البلد للروس والإيرانيين مقابل بقائه.

  يعيش اليوم نحو مليون مهاجر سوري في أوروبا معظمهم في ألمانيا نحو (700 ألف) والسويد نحو (200 ألف) والنمسا نحو (50 ألفًا). هذا في حين إن عدد من وصلوا إلى أميركا الشمالية، (الولايات المتحدة الأميركية وكندا) يتجاوز (150 ألفًا).

وما يميز السوريين، مقارنة ببقية مجموعات المهاجرين إلى الدول الغربية، هو قدرتهم على التكيف مع مجتمعاتهم الجديدة، وتحصيل فرص التعليم والعمل ضمن مدد قصيرة نسبيًا، الأمر الذي أثار إعجاب المسؤولين عن قضايا المهاجرين وتقديرهم، والمتابعين لموضوع الاندماج في المجتمعات المعنية.

فقد تمكّن السوريون من فتح المحال التجارية، وأتقنوا اللغات في أوقات قياسية، وحققوا نجاحات متميزة في ميادين التعليم والعمل، وأثبتوا حضورهم في المجالات الفنية والصحافية المختلفة.

ولكن هذا لا ينفي وجود ظواهر سلبية بين تجمعات المهاجرين السوريين من مختلف المكونات، منها ما يتمثل في تمكّن مجموعات الجريمة المنظمة من تجنيد أفراد سوريين ممن يبحثون عن الكسب السريع من أولئك الذين لم يتمكنوا من تقدير أهمية الإمكانات الكبيرة التي توفرها لهم المجتمعات الجديدة إذا اعتمدوا التعليم مفتاحًا لبلوغ النجاح.

إلى جانب ذلك، هناك ظاهرة سلبية أخرى تتجسد في سعي القوى الإسلاموية المتشددة لاستقطاب بعض السوريين من الوافدين الجدد عبر دغدغة المشاعر والعواطف، والعزف على وتر المجتمعات “الكافرة” التي لا يجوز الاندماج مع أنظمتها وقوانينها وقيمها. وغالبًا ما يسعى بعض الفاشلين من السوريين ممن وصلوا إلى المجتمعات المعنية قبل عقود إلى إعطاء صورة مشوشة، ومعلومات غير صحيحة حول واقع الحال للوافدين الجدد، وذلك بناء على دوافع نفسية معقدة مختلطة، أو ربما بفعل قصور فهم معرفي.

ولكن على الرغم من هذه الظواهر السلبية المحدودة الآفاق والتأثير، يشق السوريون طريقهم بصبر وعناد، وثقة كاملة بالنفس. أما النتائج التي حققوها حتى الآن فهي واعدة، وتبشر بالمزيد، وبخاصة من جانب الأطفال واليافعين، جيلنا المقبل المنتظر.

سيحصل آلاف من السوريين في غضون عقد من الزمن على أعلى الدرجات العلمية من أعرق الجامعات الغربية، وفي الاختصاصات جميعها. وهذا يمثل ثروة علمية – مادية هائلة لا تقدّر بثمن. وهنا لا بد من الإشادة بالجهد الكبير المسؤول الذي بذلته وتبذله الأسر السورية في ميدان تربية أبنائها وبناتها، وتوجيههم، والعمل على توفير أفضل الشروط لنجاحهم وتفوقهم.

ولن تقتصر استفادة السوريين على الدرجات العلمية، وعلى إتقان مختلف اللغات الأوروبية، والاستفادة من فرص العمل الكبيرة -هناك كثير من السوريين ممن وصلوا إلى مواقع متقدمة في مختلف الشركات والمؤسسات الاقتصادية، ومراكز البحث والكليات الجامعية، وسيكون لدينا مزيد من الخبرات والطاقات- لن تقتصر نجاحات السوريين على هذا فحسب، بل سيتمكّن جيلنا المهاجر الجديد من التحرر من الأوهام التي أثقلت كاهل مجتمعاتنا، وأوقعتها فريسة للتناحرات الداخلية، حتى بات التدمير الذاتي العبثي ظاهرة مألوفة فيها، وجزءًا من واقعها اليومي، الأمر الذي مهّد ويمهّد الطريق أمام الاستبداد المتطرف بكل ألوانه وشعاراته؛ هذا الاستبداد الذي يقتل روح الإبداع والابتكار، ويشجّع الفساد الذي يلتهم الإمكانات كلها، بل يتشارك معه.

إننا إذا درسنا تاريخ المجتمعات الأوروبية بعمق، واطلعنا على واقع المشكلات التي كانت تعانيها سابقًا، وبحثنا في أسباب الحروب الداخلية التي كانت ضمن إطار كل مجتمع من المجتمعات المعنية، وتعمقنا في دراسة أسباب الحربين العالميتين اللتين أرهقتا القارة الأوروبية ونتائجهما، ودرسنا الاسترتيجيات التي اعتمدت في سبيل إخراج أوروبا من عالم الحروب، وتجاوز عقد المذهبيات والقوميات، حتى تمكنت من بناء المجتمعات الوطنية عبر الإصرار على مبدأ حيادية الدولة، وتوزيع السلطات، والفصل الواضح بناء على النصوص الدستورية الواضحة الملزمة، والضوابط والإجراءات المنظمة والرادعة بقوة القوانين التي تسري على الجميع من دون أي استثناء. وقد اعتمدت أوروبا أساليب مختلفة في ميدان فصل الدين عن السياسة، ولكنها احترمت في الوقت نفسه التنوع بأشكاله كلها وفي المستويات جميعها. إننا إذا درسنا التجربة الأوروبية بعمق من مختلف جوانبها، واستلهمنا منها الأفكار، وروح إمكانية إيجاد التوافقات عبر تدوير الزوايا، ومراعاة المصالح المشتركة، لأدركنا أن كل شيء ممكن في حال توافر الرغبة والإرادة، وأن عملية بث نزعة اليأس بين الناس ما هي إلا أداة يستخدمها أولئك الذين يجدون أن من مصلحتهم الإبقاء على الأوضاع الشاذة غير العادلة المهيمنة حاليًا بفعل القوة غير الشرعية.

أمام أجيالنا السورية الشابة كثير مما ستتعلمه من المجتمعات الغربية، ولن تكون الاستفادة هذه المرة مقتصرة على تقليد سطحي مبتسر كذاك الذي تبناه بعض المثقفين ممن تأثروا بالفلسفات والنظريات السياسية الغربية، أو ممن درسوا في الغرب في أربعينيات القرن المنصرم وخمسينياته، وعادوا إلى الوطن بمشروعات لم تتفاعل مع وضعيتنا المشخصة، بل كثير منها أساء إليها، وما زلنا ندفع الثمن، ويُشار هنا على وجه التخصيص إلى المشروع القوموي- الاشتراكي- العسكري في صيغته البعثية.

أما التجربة السورية الجديدة في المهاجر الغربية فيظن أنها ستكون الأكثر نضجًا، لأنها ستكون حصيلة الاطلاع المعمق على التجارب الأوروبية، من خلال معرفتها من الداخل، والوقوف على عوامل قوتها وبواعث ضعفها؛ وذلك كله سيكون نتيجة التفاعل مع المجتمعات الجديدة عبر المؤسسات العلمية والثقافية والمهنية، والجمعيات والأحزاب السياسية.

وفي المقابل، سيتمكن جيلنا الجديد من الاطلاع المستمر على واقع مجتمعه الأصلي/ المجتمع الأم، وذلك بفضل تقدم وسائل التواصل المرئية والمسموعة والمكتوبة، وانتشار الفضائيات، وتطور وسائل المواصلات؛ وهذه التسهيلات كلها لم تكن موجودة في زمن الهجرة السورية الكبيرة إلى الأميركتين التي بدأت في أواخر القرن التاسع عشر.

وهذا مؤداه في نهاية المطاف المساعدة على تقديم مقاربات موضوعية ناضجة عملية لمشكلاتنا وقضايانا، بعقلية تثق بإمكاناتها ومقدرتها على الوصول إلى حلول ترتقي إلى المستوى المطلوب. حلول غير رومانسية، متحررة من الأوهام بكل مسمايتها. حلول تتجاوز عقلية المحامين التي تبدد الطاقات في تجميع أدلة عقيمة، بهدف “إثبات الأحقية التاريخية” لهذا الطرف أو ذاك، ولكنها تهمل الواقع المشخص القائم الذي يحتاج إلى حلول واقعية، تأخذ بالحسبان الخصوصيات والحقوق المترتبة عليها، وتحرص على ما يجمع ويوحّد، وتعمل على تحسين قواعد العيش المشترك.