سيذكر التاريخ أنّ أمم الأرض بلا استثناء اتفقت على إدخال قوافل الإغاثة من المعابر لمساعدة السوريين، ومنها روسيا وأميركا وإسرائيل، وأنّ الإصبع النحس الوحيدة التي بقيت مرفوعة ترفض تمرير المساعدات هي أصبع هذا النظام، والتبرير هو “السيادة الوطنية”!

بايدن وبوتين والأمم المتحدة ومجلس الأمن وكوكب الأرض كلّهم متفقون على وجوب مساعدة الشعب السوري المظلوم، وحده النظام السوري غير مقتنع بهذا، ويقرّر -كما قرّر القذافي من قبل- أنه مستمر في التجويع والتركيع حتى آخر نفس لإنسان سوري.

وللأمانة، إن أمم الأرض ليست معترضة على مبدأ السيادة الوطنية، ولكنها -ببساطة- لا تثقُ بهذا النظام الذي قام علانية وعن عمد وتصميم بالدخول إلى قرى وبلدات المغادرين، في سياسةٍ منهجيةٍ طبّقها في داريّا وجديدة الفضل والزبداني ووادي بردى وغوطة دمشق وحمص وبانياس وتلبيسة والرستن والمعرة وسراقب، ولم يترك فيها برادًا ولا غسالة ولا كنبة ولا مكواة ولا خزانة مطبخ، وتمّ اعتبار ذلك كله علانية، جهارًا نهارًا، غنائم لرجال الوطن الأشاوس من عناصر الجيش العربي السوري، وحين سمح لأصحاب هذه البيوت من الأبرياء الخائفين بالعودة إلى بيوتهم، لم يجدوا فيها شيئًا على الإطلاق!!

في الباصات الخضر، لم يحمل أي مغادر برادًا ولا غسالة ولا كنبات ولا مكواة، إن الذي تكفل بحمل ذلك كله إلى سوق الحرامية هو هذا الجيش العربي السوري الباسل الذي يطالب اليوم بأن يغلق الباب على الجميع، وأن يتولى هو فقط -بما عُرف عنه من “نزاهة وأمانة”- توصيل المساعدات الإنسانية إلى الأقاليم التي تلعنه وتلعن روحه!!!

ووفق تقارير مسربة من أمن الدولة، هناك مليونان وثمانمئة ألف سوري، تم وضع اليد على أملاكهم في سورية، في أكبر عملية سرقة ولصوصية في هذا القرن، لم يقم بها أشد أشكال الكليبتوقراط توحشًا وسادية.

سيارات وأموال وعقارات المغادرين كلّها في تصرف فروع المخابرات، وهي تقوم -ليل نهار- بتجهيز الأحكام القضائية الجاهزة لقضاة محكمة الإرهاب، للاستيلاء القانوني على هذه الممتلكات.

وفي غمار هذا المشهد المروع للإنسانية، نسأل: أليس من العار أن يستمر العالم في تبرير المظالم تحت عنوان السيادة الوطنية؟ وهل نحتاج إلى دليل أوضح من هذا على أن الأمم المتحدة تحتاج إلى مراجعات عميقة لفكرة السيادة الوطنية وآثارها المدمرة على الصعيد الإنساني.

السيادة الوطنية ليست نصًّا مقدّسًا نزل من السماء، إنها مجرد توافق تكتيكي ورشوة قدّمتها الأمم المتحدة للانضمام إلى النادي الدولي الجديد، بعد نهاية الحرب العالمية، حيث كانت دول الاستبداد ترفض الدخول إلى هذا النادي الدولي، لما يعنيه من تعاون ورقابة وتكامل قد يطيح بقبضتهم على شعوبهم، ولذلك كانوا يرفضون الانضمام إليها، ولكنّهم حين قرؤوا امتيازات “السيادة الوطنية” التي منحتها الأمم المتحدة للأنظمة، واطمئنوا لها بعد أن حلف لهم تريغف هالفدان بشرفه ودينه، وتابع داغ همرشولد بالأيمان المغلظة أنهم سيتمتعون بحكمهم تحت اسم السيادة الوطنية، وأنّ الأمم المتحدة لن تتدخل في قراراتهم على شعوبهم؛ وافقوا عندئذٍ على الدخول في هيئة الأمم المتحدة.

ولكن الأمم المتحدة اليوم، بعد خمسة وسبعين عامًا من قيامها، باتت بحاجة إلى مراجعات عميقة، وبات مفهوم السيادة الوطنية بحد ذاته انتهاكًا صارخًا لمعايير الإنسانية التي تقول الأمم المتحدة إنها قامت لأجل حمايتها.

يجب أن تُحاكم السيادة الوطنية بآليات دستورية دولية مستقلة، ويجب ألا يكون لانتخابات تقام في غياب الأمم المتحدة أيّ قيمة دستورية، فالأوطان في هذا الشرق التعيس دكاكين بائسة، والحاكم قادر على أن يصمّم حفل تخرجه على الشكل الذي يريد، فيُعِزّ من يشاء، ويُذلّ من يشاء، ويُدني من يشاء، ويُقصي من يشاء، ولا يُسأل عمّا يفعل وهم يُسألون!!

يجب ألا يكون لدبلوماسي ولا نائب ولا وزير أيّ قيمة في المجتمع الدولي، ولا ينبغي أن يمنح له أي مقعد في الأمم المتحدة، إلا عندما تصادق على انتخابه هيئة النزاهة في الأمم المتحدة، التي تتشكل بإرادة المجتمع الدولي من أشهر قضاة الأرض نزاهة وسمعة وتاريخ استقامة.

قد لا تحمل هذه الأفكار حاضنًا سياسيًا أو اقتصاديًا قادرًا على طرحها على التصويت لها في هيئات مؤثرة، وقد تبقى محض أماني، ولكن لا بأس، فليس على الفكر أن يغيّر العالم، بل أن يدفع الناس نحو التفكير والبحث عن حلول، لقد كان العالم يسير في اتجاه مختلف، حين كتب مونتسكيو كتابه (روح الشرائع) فدفع الناس للتفكير في فصل السلطات، وهزّ بعنف مقولة الملك لويس الرابع عشر: “أنا الدولة والدولة أنا”، وبدأت النخب تفكر بالفعل في إمكانية فصل السلطات، وأن يكون الملك غير الدولة، والدولة غير الملك، وأن تكون السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية مستقلة ومسؤولة، وتم تدمير فكرة الحق الإلهي للملوك، بكتاب جان جاك روسو (العقد الاجتماعي)، أما الرأي العام فقد تغيّر مع مسرحية زواج فيجارو لبومارشيه، وتهامس الشعب ثم تصارح ثم انطلق، وحين قالت له الملوك: “الباستيل جزاء من يعارض الحق الإلهي للملك”، وثب الشعب إلى جدران الباستيل وجعلها قاعًا صفصفًا، وقال: “لا إله إلا الحق ولا ملك إلا الحرية”، وبدا لأول مرة أن الإمبراطور عارٍ، ولكن الدجّالين في الحاشية يقنعونه، ويقنعون الناس أنه يلبس المطرّز والموشّى، في حين أنه عار تمامًا.

هل ستقوم الأمم المتحدة بمراجعات عميقة، تمنع فيها تغوّل الاستبداد على الشعوب؟ وهل سنشاهد الجمعية العمومية في الأمم المتحدة تصوّت على صحّة الانتخابات في البلاد الفاشلة، وتصدر قراراتها بأن السلطات التي فشلت في الحصول على إرادة الشعب لا تستحقّ شرف الجلوس على مقاعد الأمم المتحدة، وأن عليها أن تبقى خارج التاريخ والجغرافيا، حتى تستجيب لإرادة الشعب وقراره؟

تبدأ المراجعات الكبرى في لحظات فارقة ومؤثرة، وأعتقد ان هذه اللحظة قد وقعت بالفعل الشهر الماضي، حين اتفق كل الكبار والصغار والمتوسطين في الأمم المتحدة على أن مساعدة الشعب السوري المنكوب في مناطق الحصار مسؤولية أخلاقية وإنسانية واجتماعية، ولا معنى للأمم المتحدة إذا عجزت عن مساعدة الناس، وحده مندوب النظام يقف ضد الشعب المظلوم، مؤكدًا للعالم أن الاستبداد لا علاقة له على الإطلاق بالشعوب، وأنه ليس فقط منفصلًا عن الشعب، بل هو عدو لحاجاته وقهره وجوعه ودموعه، وسيكرر في المساعدات ما فعله في بيوتهم ومزارعهم وعقاراتهم المهجورة، حيث ستصبح المساعدات الإنسانية رصيدًا آخر من حرام يغنمه أمراء الحرب، ويستمر تجويع الشعب وإذلاله ومطاردته خاصة في المناطق التي خرجت على سلطانه.

نبارك للأمم المتحدة هذا النجاح الجديد، ولا عزاء للنظام في فشله المخزي والمخجل، والأهمّ أن سيارات الأمم المتحدة ستصل إلى الشعب الجائع، رغمًا عن سلطةٍ اختارت عامدة ألا ترحمك، وألا تسمح للناس بأن ترحمك، وألا تترك رحمة الأمم المتحدة تنزل عليك.