تختلف نظرة البشر إلى الأشياء، باختلاف بيئاتهم الاجتماعية والثقافية، وحتى ضمن البيئة الواحدة تتغير المفاهيم بين عصر وآخر، فتتحدد المعاني انطلاقًا من معطيات واضحة في الذهن، عند كلّ من يعرف اللغة بمجرّد لفظ كلمةٍ ما من كلماتها، لأن الكلمات تحمل دلالاتها الأولية ضمن منطوقها. لكنّ الدلالات هذه متنوعة أيضًا، وتختلف بين فئة وأخرى من الناس داخل البيئة الاجتماعية الواحدة في عصر زمني محدد، فالفلاسفة وعلماء الاجتماع، مثلًا، لا يفهمون العلاقة بين الحكّام والمحكومين، كما يفهمها السياسيون، ولا تعطي كلماتٌ مثل العقل أو القلب أو الكتاب المعنى نفسه عند الأطباء والشعراء، وعلى الرغم من المعنى البسيط المتضمّن في كلّ مفردات اللغة، أيّ لغة، فإنها تحمل دلالات متجاوزة، يحددها السياق والمستوى المعرفي العام، ومستوى المتكلم والمخاطب، ومضمون الخطاب ذاته والرسالة التي يحملها.

تخلق الهجراتُ، جماعيةً كانت أم فردية، نوعًا من الإرباك عند المهاجرين، وتكون تأثيراتها أكبر في المجتمعات المُضيفة عندما تواجه أعدادًا ضخمة من الموجات البشرية، كما يحصل في موجات اللجوء أثناء الحروب. وتتأثر طرائق تعامل الشعوب مع هذه التحديات عادة بعوامل كثيرة، منها الخلفيات الاجتماعية والدينية والثقافية لكلا الطرفين، ومنها الأوضاع الاقتصادية لدولة الشعب المضيف، ومستوى الانضباط القانوني لمؤسسات الدولة، ومدى عمق التجربة الإنسانية لهذا الشعب، ومستوى تجذّر مفاهيم الديمقراطية والعدالة وحقوق الإنسان، ومدى سيادة القانون في الدولة، وكذلك رؤية الناس إلى الحالة التي سببت تلك الهجرة، وتعاطفهم مع محنة أهلها. كما تتأثّر بعوامل تخصّ المجموعات المهاجرة أيضًا، خلفياتها وأعدادها وسلوكيات أفرادها، وكثير من العوامل التي لا يمكن حصرها في مقاربة ضمن مقال رأي.

يمكن أن نطرح مثالًا على النظرات المتفاوتة للأشياء، بين مجتمعات وبيئات مختلفة، ما لقيه السوريّون من تعامل مرحّبٍ ودودٍ بدايات اللجوء إلى تركيا، وما تغيّر في عموم نظرة المجتمع التركي، بعد أحد عشر عامًا على تلك البداية. فقد استطاع السوريون تحقيق اختراقات اقتصادية مهمّة في المجتمع التركي، لكنّهم بالمقابل خلقوا مجتمعًا سوريًا موازيًا، وهذا ما سبّب إشكاليات عديدة ناتجة عن سوء فهمٍ أو نظرةٍ ضيّقةٍ محدودةٍ لا تأخذ بعين الاعتبار كلّ السياق التاريخي للمسألة، وتتجلّى من خلال حالات خروج على القانون فردية في أغلب الأحيان، وجماعيّة بعض الأحايين. والكارثة أن يتمّ استخدام هذه القضيّة سياسيًا في إطار التنافس الحزبي للبقاء في سدّة الحكم أو للوصول إليها، فيصبح الموضوع مثار نزاعٍ دائم لا يمكنُ حلّه بأدواتٍ مناسبة تُنهي القضيّة من جذرها.

يمكن هنا سَوقُ مثال هجرة اليد العاملة التركية بعد الحرب العالميّة الثانية إلى ألمانيا، وكيف انغلقت الجالية التركية من أبناء الجيل الأول على ذاتها، وكيف شكلت مجتمعًا موازيًا لم يندمج بشكل تامٍّ في بنية المجتمع الألماني، ما انعكس على الجيلين الثاني والثالث، بالرغم من نجاحهما الكبير في المجال الاقتصادي. قد تختلف كثيرًا أسباب انغلاق السوريين في تركيا عن أسباب انغلاق الأتراك في ألمانيا، لكنّ النتيجة النهائية واحدة، مجتمعٌ موازٍ لكليهما في الدولة المُضيفة، مع ما يُرافقه من تبعاتٍ كثيرةٍ تنعكس على نظرة الجميع لبعضهم بتوجّس متبادل.

يمكن، على سبيل المثال أيضًا، أخذ حديث بعض المستشرقين وبعض المفكرين الغربيين باندهاش عن الديمقراطية في الحضارة اليونانية، في معرض مقارنتهم إيّاها بالاستبداد الشرقي الإسلامي النابع من طبيعة خاصّة -جينيًا حسب وجهة نظرهم غير المُعلنة صراحة- كمثال عن النظرات المختلفة للأمور من جهة أولى، وكتأثير للتحيّزات الأيديولوجية من جهة ثانية.

ينطوي مذهبهم هذا على تناقضين أساسيين، أول هذين التناقضين هو غضّ الطرف عن أنّ هذا الشكل من التنظيم الاجتماعي قد كان محصورًا وخاصًا بفئة محددة من الرجال ممن يمتلكون المال وبالتالي السلطة، أي أنّ العبيد والنساء والغرباء في مدن اليونان لم يكونوا جزءًا من هذه المنظومة. وثانيهما منح الصفة بعدًا مطلقًا، بمعنى نزعها من سياقها التاريخي وإعطائها قيمة تسمو على التفاضل. فعندما يتحدّث بركليس أثناء استقبال ضحايا حرب طروادة قائلًا: “إنّ سرّ عظمة الحضارة اليونانية يكمن في طبيعة نظامها الديمقراطي، وأنّ الديمقراطية ليست تنظيمًا للسلطة، بل هي مجموعة من الأخلاقيات التي تلتقي فيها العدالة بالحريّة”[1]، فإنّه لا يُدخلُ ضمن مفهومه للأخلاق أنّ العبيد والنساء بشرٌ يستحقون الاعتراف بإنسانيتهم، أي بحريتهم وبحقّهم بالاختيار.

على النقيض من ذلك، عندما أتى الإسلام بآليات تقرّب الإنسان من الأخلاق العليا وتدفعه للسموّ باتجاه الكمال، من خلال جعل عتق الرقاب، أو تحرير العبيد، كفّارة عن الذنوب الدينية والدنيوية، إنما كان يؤسس لحالة جديدة تحاول إنهاء التمييز بين البشر على أساس من يملك ومن لا يملك، وهنا تكمن النظرة الأخلاقية للحرية، أي في معرفة وجود التناقض والسعي لحلّه. كان هذا هو الحال، على العكس مما يصوّر بعضُ المستشرقين وبعضُ المفكرين الغربيين عمومًا، بأنّ الطبيعة الشرقية لا تتغير، ولا يمكن أن تتغير، بسبب خلل بنيوي في تركيبتها، متناسين أنّ إدراك التمييز كان لدى العرب المسلمين، وفي المنهج المحمّدي أصلًا، قد سبق عصر الأنوار الأوروبي بألف عامٍ تقريبًا. طبعًا، يجب التأكيد أنّ هذا كان من الناحية النظرية، وقبل أن تتحوّل الدعوة الإسلامية إلى بناء دولة ثم إمبراطورية كبرى. لأنّ بقاء العبودية بشكل معاكس لإرادة الرسول محمد (ص) من قبل الحكّام المسلمين عبر العصور، إنما كان بسبب عدم تغيّر شروط وظروف المجتمعات من الناحية الاقتصادية والاجتماعية، فقد بقيت قوّة عمل العبيد موجودة كسلعة ضرورية لاستمرار أنماط الإنتاج في تلك العصور، ولا ننسى أنّ الولايات المتحدة الأميركية لم تسنّ إلغاء العبودية رسميًا إلا في العام 1865، بينما بقيت عمليات تهريب العبيد نشطة حتى العام 1962.

هكذا نرى أنّ نظرات البشر للأشياء ذاتها تختلف، بحسب ظروفهم وحسب السياق التاريخي لنشوء المفاهيم ذاتها، فليست كل المفاهيم البشرية ذات منعكسات واحدة في الأذهان المختلفة. ولعلّ أهم ما يأتي به العلم من قواعد أنّه يحاول نزع الأيديولوجيا من هذه المفاهيم لتقريبها أكثر وأكثر من منطق الأشياء السليم.


[1] زهير فريد مبارك – بين الفكر والعقل – ص 371- مجلة جامعة القدس المفتوحة للأبحاث والدراسات – العدد 26- كانون الثاني 2012