هناك نوعان من القوانين تحكم هذا العالم: الأول قوانين فيزيائية، والثاني قوانين اجتماعية؛ أما الفيزيائية فمعروفة ومشهورة، وأما الاجتماعية فهي التي تغيب عنا كثيرًا. وغيابها عنا من أهم أسباب تخلفنا! يدركها الذين درسوا المجتمعات في حركة تطورها وتخلفها، ليوضحوا أسباب تقدّم وتخلف تلك المجتمعات والدول.

القوانين الفيزيائية تتطور بالبحث العملي، كذلك السُنن الاجتماعية التي تحكم نهضة وتخلف المجتمعات تتطور بدراسة المجتمعات ومعرفة أسباب النهضة والتخلف، ولا يمكن اختراق ناموسها إطلاقًا، فالكرامات والمعجزات التي يتحدث عنها المتديّنون قد تحدث على المستوى الفردي، للمؤمن وغير المؤمن، ولكن يستحيل أن تحدث على المستوى الاجتماعي، لأن المجتمعات في تقدّمها محكومة بسُنن صارمة يستحيل اختراق ناموسها، وكذا التخلف.

المنهج الحضاري تنويريًا

لقد وضع الله -سبحانه وتعالى- لنا -المؤمنين- منهجًا، لكنّنا هجرناه، وعمل به الغرب الذي ندَّعي كفره؛ فتطور وتحضر وتأنسن، وهذا المنهج يمتثل بأربع كلمات ونتيجة: (انظرْ، تفّكَّرْ، اعقلْ، ثم تدبرْ؛ تنل التقوى).

لو وضعنا هذا المنهج على مخبر البحث العلمي، لتلمسّنا سبيل النهضة، ولتبين لنا كيف عَمِل به الغرب فنهض وتحضر، بينما نحن، عبر تاريخنا، ذبحنا وكفّرنا كلَّ من حاول تطبيق المنهج، بذرائع أيديولوجية وسياسية!! وعندما نتدبر الخطاب الإلهي لموسى ومحمد، عليهما السلام، ندرك فارق التطور الإنساني الذي حَصَّله الإنسان، بين عهدي رسولين كريمين؛ فالخطاب الإلهي للمعرفة الحضارية لموسى بدأ بـ (استمِعْ)، ولكنه تطور في رسالة محمد إلى (اقرأ)، وما بين “استمع” و”اقرأ”، تدرك قيمة المنهج وتطور الإنسان: {وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى} طه:13؛ {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} العلق:1.

قوانين/ سنن الاجتماع ــ المنهج الحضاري ـــ تقدمًا وتخلفًا، يؤكد سُننيتها القرآنُ بقوله: {فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا} فاطر: 43؛ {سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} الفتح:23؛ {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ} آل عمران: 137.

هذه الآيات كلها تتحدث عن القوانين/ السُنن الاجتماعية، وبالتالي فإنها أكثر ثباتًا وفاعلية من السنن الفيزيائية، هذه القوانين حتى تتحقق، إنْ في حالة التقدم أو التخلف، لها إرهاصاتها وأسبابها ومسوغاتها، فإنْ توافرت تلك الإرهاصات والمسوغات والأسباب في التقدم؛ حصلت النهضة، والعكس صحيح، والله يؤكد أنه لا يتدخل، إنما يمنح المنهج: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ} آل عمران:165.

هذه الأسباب في التقدّم أو التخلّف أطلق عليها القرآن اسم (كتاب)، وقال: {لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} الرعد:38. وكتاب هنا أي الشروط الذاتية والموضوعية التي تساهم في التقدم أو التخلف: {وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ} الحجر:4.

كيف لحظ الإنسان العاقل تلك القوانين/ السنن في التطور واستفاد منها؟

الإنسان العاقل، سواء أكان مؤمنًا أم لم يكن، هو الذي يلحظ الإشارات الإلهية في الطبيعة والمجتمع، ويستنبط منها القوانين/ السنن الفيزيائية والاجتماعية. فعلى سبيل المثال لا الحصر، شغلت ظاهرة البرق الإنسان طويلًا، وعندما كان يجهلها، كان يخاف منها، وعدّتها بعض المجتمعات البدائية غضبًا للآلهة. الإنسان العاقل راقب تلك الظاهرة طويلًا، ثم فهمها، ومنها استخلص قانون الكهرباء. وبعد فهم الظاهرة، بدأت مرحلة تسخيرها. والتسخير هو معرفة الإنسان العاقل كُنْهَ السنن الفيزيائية والاجتماعية وآليات عملها، لتصبح مطواعة له فيسخرها لخدمته، فيزيائيًا أو اجتماعيًا، ثم يعمل بمقتضى قانونها، ليكتشف من خلالها الكهرباء، بعد تَفَكّر طويل على يد (توماس أديسون)، وبالمنهج ذاته، عَقِلَ (نيوتن) قانون الجاذبية، و(جان جاك روسو) نظرية العقد الاجتماعي، و(توماس هوبز) مبادئ القانون الطبيعي والسياسي، و(جان لوك) الحكم المدني، و(ألكسندر فلمنج) المضاد الحيوي/ البنسيلين. والتسخير منحة إلهية استفاد منها العاقلون: {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} الجاثية:13.

أما نحن، فكلّ من عَمِلَ بالمنهج الحضاري، إن في الفيزياء أو الاجتماع، قهرناه قتلًا أو اعتقالًا! فكفَّرنا ابن الهيثم، وذبحنا غيلان الدمشقي، وهرطقنا البيروني وابن سينا والكندي والرازي، وفسقّنا الخوارزمي وابن رشد والفارابي والطوفي؛ لأننا لم نستوعب أنهم عملوا بالمنهج الحضاري القرآني!

المنهج الحضاري القرآني أوضح أن الإنسان العاقل يمر بأربعة مراحل، أشار إليها القرآن: (انظرْ تفّكَّرْ تدبر ثم اعقلْ لتنال التقوى) فإذا أدرك المراحل الأربع، وعمل بمقتضاها؛ نهض، ليبدأ مرحلةَ إنتاج المعرفة الفيزيائية والاجتماعية، وعندئذ يصل إلى مرحلة التقوى.

الإشارات القرآنية للمنهج؟

المرحلة الأولى النظر في الظواهر: {أفَلَا يَنظُرُونَ} الغاشية:12.

المرحلة الثانية التَفَكّر: {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلًا} آل عمران:191.

المرحلة الثالثة التدبّر. تدبر الظواهر لبدء عملية التسخير: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ} محمد:24.

المرحلة الرابعة التعقّل. معرفتها وعقلها أي السيطرة عليها: {أَفَلَا يَعْقِلُونَ} فاطر:68.

تلكم هي أسس المنهج الذي لحظه العالم المتحضر وعمل به، وسخره لمنفعته؛ فتطوّر وتحضر وتقدم، ولو وضَعْتَ هذا المنهج الذي يشير إليه القرآن الكريم على قوانين الفيزياء والاجتماع كلها، لوجدت أنه لا يتخلف عنه قيد أنملة.

هذا التعقل وفهم آليات المنهج يؤدي إلى التقوى، والتقوى هي إدراك المراحل الأربعة، وفهم مفاتيحها من أجل نهضة وتنمية وتقدم، والآيات في التقوى كثيرة، ولا علاقة لها بالعبادات والشعائر، بدليل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} الحجرات:13.

فأكرمكم أتقاكم، لا تتعلق هنا بالشعائر إنما هي قانون سُنني للإنسانية كلها، وليست كما صغرها الفقهاء، بأنها “وضعُ حاجز بينك وبين غضب الله”، وهو معنى جميل، ولكنهم قصروه على أداء الشعائر، ولم يجعلوه مفتوحًا كما قدّمه القرآن. وانظر هنا التقوى حيث لم تكن للشعائر العبادية: {إِنَّ فِي اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ} يونس 6؛ {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} المائدة:2. وهذه الآية دليل على أن العمل الجمعي المؤسساتي يُنتج خيرًا كثيرًا للبشرية، كما أن العمل المؤسساتي في الإثم والعدوان ينتج شرًا يحيق بالبشرية.

{وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَـاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} الأعراف:156.

لاحظ هنا أن الله فصَل التقوى وقدّمها على العبادات، وجعلها لمن يؤمن بآيات الله، أي يفهمها ويعمل وفق قوانينها! لذلك غالبًا تأتي (يتقون) في القرآن الكريم كفعل لم يستوفِ مفعوله، والفعل في اللغة العربية، إنْ لم يستوفِ مفعوله، أفاد العموم.

وأكثر الناس حمدًا بين البشر هم الذين قدّموا نفعًا عامًا لا يختص بفئة بشرية محددة أو عصر معين، كالأنبياء والرسل والمتقين الذين نظروا وتفكروا وتدبروا فعقلوا ثم نالوا التقوى؛ فأديسون مخترع الكهرباء له فضل على البشرية، ولن يهمل اللهُ فضله، وكذلك مورفين الذي ساهم في إنقاذ حياة الملايين ولا يزال، بفضل اختراعه المخدر، ومخترع الإنترنت كذلك، وكذا مخترع الطباعة وسواهم كثير؟ فهؤلاء من المتقين، والله تحدث عن نفعهم للبشرية، وأكد أنه سيثيبهم، بغض النظر عن اعتقادهم، إذ قال: {وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِين} آل عمران:115.

فالتقوى -بالمعنى القرآني- هي كل خير تقدمه للبشرية، وليست طقوس العبادة الشكلية فقط.

الخلاصة: حتى ننهض، علينا أن ننظر، ونتفكر، ونتدبر، ثم نعقل، لننال النهضة/ التقوى.