يمثل اندلاع انتفاضة كلّ فلسطين نقطة تحوّل مهمة، على الصعيدين الفلسطيني والإقليمي، انطلاقًا من حاملها الشعبي أولًا، وهدفها التحرري ثانيًا، الأمر الذي انعكس في حجم التضامن والتأييد والتفاعل الشعبي معها، على المستويين الإقليمي والدولي. وبعيدًا عن الحديث حول التضامن الشعبي الدولي والإقليمي مع انتفاضة كل فلسطين، لا بدّ من إلقاء نظرة سريعة حول الموقف السوري منها، ومن ثم تحليله، مع الأخذ بعين الاعتبار ضرورة التمييز بين ثلاثة مواقف سورية بارزة: النظام ورموز المعارضة والشعب السوري، كما سوف نبيّن لاحقًا، مع التأكيد على أهمية ومركزية موقف وتوجّه الشارع السوري، كونه لا يمتلك -حتى اللحظة- هياكل سياسية وتنظيمية تمثيلية تعبّر عنه وتحظى بشرعية شعبية واضحة.

فعلى مستوى نظام الأسد، يصعب العثور على موقف رسمي واضح وصريح من الانتفاضة، حيث يعود آخر بيان رسمي بشأن قضية فلسطين إلى 25 نيسان/ أبريل 2021، ما يعكس عدم اهتمام الأسد بالقضية الفلسطينية، في حين يسهل تعقب تصريحات بعض الشخصيات الإعلامية المحسوبة على النظام، والمعروفين لدى جمهور النظام ومعارضيه بخيالهم الواسع والخصب، كما الحال عند من نسب قيادة مجمل انتفاضة فلسطين للأسد! إذ نلحظ أن الأسد أو نظامه اليوم أضعف من محاولة استغلال الانتفاضة، فقد بات مكبّلًا بقيود روسية لا يمكن معارضتها، ولو شكليًا، تعكس المصالح الروسية-الصهيونية، وهو ما يبرر غياب الموقف الرسمي الأسدي. ويمكن القول إن الانتفاضة تكشف مجددًا كذب شعارات النظام، التي تدّعي نصرة فلسطين ومشروعها التحرري والعداءَ المطلق مع الدولة الصهيونية، وبياناته المتكررة حول الرد في الزمان والمكان المناسبين، وهل من زمان ومكان أنسب من اللحظة الراهنة، حينما يتلقى جهاز الدولة الصهيونية الضربات المتتالية من قبل أبطال المقاومة الشعبية في حارات وأزقة القدس وأراضي 48 والضفة الغربية، ويتعرض كذلك لرشقات صاروخية من قبل فصائل العمل الوطني والإسلامي في غزة؟ وبذلك يتلخّص موقف النظام، من فلسطين ونضالها المشروع، بعبارة واحدة: “الصمت المطلق”.

أما على مستوى المعارضة الرسمية والنخبوية، فنحن أمام طيف واسع من الآراء والمواقف والتحليلات المتباينة، نسبيًا أو كليًا، تمتد بين داعمي الانتفاضة بشقيها المدني والعسكري، وصولًا إلى معارضيها بالمطلق، وإن كانت أصوات مؤيدي الانتفاضة المدنية أكثر عددًا وأوضح تأثيرًا، إعلاميًا وسياسيًا واجتماعيًا. وعلى الرغم من محدودية أعداد معارضي الانتفاضة، كليًّا أو بشقها العسكري فقط، فإن مواقفهم تبرز على السطح، كما تفسد البقعة السوداء نقاءَ ونصاعة الرداء الأبيض، الأمر الذي يعطي صورة مشوهة عند البعض عن حقيقة الموقف الشعبي السوري الذي سوف نوضحه بعد قليل. طبعًا، لا أقصد معارضي المقاومة المسلحة في الوضع الراهن، ممن يعبّرون عن دعمهم الحقوق الفلسطينية، وعلى رأسها حق تحرير كل فلسطين، لكنهم يخشون من تبعات المواجهة العسكرية على مدنيي غزة وعلى مستقبل الانتفاضة الشعبية، فهذه وجهات نظر يمكن نقاشها والاستماع لها من دون ارتياب أو تشكيك في غاياتهم، بل هناك أصوات فلسطينية وطنية لها وجهة النظر ذاتها أو تشبهها.

لكن المشكلة في بعض المواقف والتحليلات القاطعة والناجزة التي تعبّر إما عن انتهازيه بغيضة، وإما عن جهل مطلقيها بالقضية الفلسطينية، كما في منشور الحقوقي السوري ورئيس المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية أنور البني، حيث قال: “ما يجري في القدس منذ أيام، ويدفع ثمنه الشعب الفلسطيني والحريات في فلسطين وكل المنطقة، هو عملية تواطؤ بين عدد من المأزومين، لصرف النظر عن أزمتهم ولحشد الناس حولهم، أولهم نتنياهو المأزوم من الانتخابات واحتمال خروجه من السلطة، ومحمود عباس الذي لم يجد وسيلة لتغطية تشبثه بالسلطة إلا تأجيل الانتخابات بحجة القدس، و(حماس) المأزومة ماليًا والمفلسة شعبيًا على خلفية الحصار على إيران، وإيران التي تريد الضغط بملف المفاوضات حول برنامجها النووي بفيينا، والنظام السوري الذي لن يجد أفضل من هذه الأحداث ليغطي على عدم شرعيته ومهزلة الانتخابات التي سيجريها. كفّوا عن استغباء الناس واستخدام الخطاب الشعبوي للتمسك بالسلطة، جميعكم غير شرعيين وجميعكم ديكتاتوريون بغيضون، وكل مسرحياتكم وجرائمكم أصبحت مكشوفة، ولن تفلتوا من العقاب”.

إذ تكمن المشكلة الأولى في هذا الخطاب في منطقه الفوقي الذي يتجاهل الشعب، كقوى فاعلة، سواء كان شعبًا سوريًّا أم فلسطينيًا أم أي شعب آخر، فهو يعزو حراك الشارع إلى محرك خارجي إيراني أسدي عباسي حمساوي إيراني، تمامًا كما انطلق النظام السوري من تخوين الحراك الثوري السوري، على اعتباره حراكًا موجهًا أميركيًا أو خليجيًا أو صهيونيًا، فكلاهما لا يرى القوى الشعبية، ولا يحسب لها أي حساب، إلا في حالة تطابق مصالحهم الضيقة معها في لحظة من اللحظات. كما يعكس المنشور جهلًا مطلقًا بالواقع الفلسطيني بل بالحق الفلسطيني، فما هي الحريات التي سوف تدفع ثمن ما يحدث نتيجة “تواطؤ المأزومين”، وفق أنور طبعًا؟ هل يعلم أنور أن الصهيونية تسلب الفلسطينيين حقهم في التنقل، مثلًا، عبر جدار الفصل العنصري والحواجز العسكرية داخل وبين المدن والبلدات الفلسطينية، على كامل الجغرافية الفلسطينية؟ وهل يعلم أعداد المعتقلين في سجونها وأعداد المبعدين قسرًا عن فلسطين، فضلًا عن اللاجئين أصلًا؟ وهل يعلم أعداد قتلاها وحجم مدن فلسطين المدمرة؟ وهل يعلم دور الشرطة الصهيونية في دعم العصابات الإجرامية في وسط فلسطيني 48؟ إن الحديث عن الحريات في فلسطين بدعة فريدة من نوعها لا تقوى الولايات المتحدة الأميركية الداعم الأول لجهاز الدولة الصهيونية على تسويقها!!! طبعًا، للسيد أنور مواقف سابقة مشابهة تتناقض مع اختصاصه القانوني والحقوقي، كما في إنكاره حقّ شعب فلسطين في مقاومة جهاز الدولة الصهيوني وتحرير كامل الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ النكبة، لكن لن أخوض بها الآن، مكتفيًا بالإشارة إلى محدودية مؤيدي هذا الطرح في الوسط السوري النخبوي والشعبي، وفي اعتباره نتاج خلل بنيوي، أخلاقيًا وطبقيًا وسياسيًا وفكريًا.

أما على المستوى الشعبي، فقد تعددت أشكال ونماذج الالتحام الشعبي السوري- الفلسطيني، داخل سورية وخارجها، بداية من إدلب التي تعودنا على صوتها الحر المتضامن والمؤازر لجميع قضايا التحرر في المنطقة من لبنان والعراق والسودان والجزائر وصولًا إلى فلسطين، وكأنها تعلن بأعلى صوتها أن درب حرية شعوب المنطقة واحد، فوحدة المظلومين والمستغَلين والمستعمَرين شرطٌ ضروري من أجل هزيمة تحالف المستعمِرين والمستبدين. كما شهدنا داخل مناطق سيطرة النظام تظاهرات شعبية عفوية، جوبه بعضها أمنيًا ربما لإحراجها نظام الأسد، أو لخلوها من هتافات تقديس رأس النظام وشعاراته وأعلامه. وطبعًا شهدت مدن الشتات السوري نموذجًا براقًا عن دعم صمود ومقاومة شعب فلسطين، من قبل أشقائهم في النضال والهدف من السوريين. وصولًا أخيرًا إلى مظاهر التضامن والدعم الإلكتروني، عبر صور البروفيلات الشخصية ونشر الهاشتاغات وصور جرائم التطهير العرقي والفصل العنصري الصهيوني في غزة والقدس والضفة وأراضي 48. الأمر الذي يجعلنا موقنين بوحدة النضال الفلسطيني-السوري، رغمًا عن محاولات زرع الشقاق الشعبي بينهما، من قبل الأسد وأنصاره الإقليميين وأشباه الأسد النخبويين في أوساط المعارضة السورية؛ فحرية فلسطين من حرية سورية، والعكس صحيح، دون أدنى شك، وهو ما يعيه الشارع السوري والفلسطيني جيدًا، وتعيه مجمل القوى الشعبية التحررية في منطقتنا العربية والإقليمية، وتعيه أيضًا وتخشى منه قوى الأمر الواقع المسيطرة على مقدرات وحريات شعوب المنطقة، ما يدفعها إلى ضرب هذه الوحدة بكل قواها وقدراتها، بل عبر الاستعانة بقوى إقليمية ودولية أحيانًا، روسية كانت أم أميركية أم أوروبية.