يسمُ الرعب من المستقبل حياةَ (أو شبه حياة) السوريين الذين ما زالوا في “القفص”، وكأنّ قدرهم أن ينتقلوا من مرحلة الخوف من القهر والتعسُّف، إلى الخوف من المجهول القادم، الذي دفع كثير منهم  إلى مغامرة الهجرة عبر كل المسالك، فيما ينتظر آخرون فرصة الأمل هذه، خاصة الأجيال الجديدة، مع أن سبل الهجرة صارت أكثر وعورة وصعوبة، وتضيق مجالاتها بشدة، ويستمر تدهور مؤشرات العيش الكريم في الداخل باطراد، ويقع ترتيب سورية في آخر قائمة دول العالم في ما يتعلق بنوعية الحياة، خاصة في مناطق سيطرة النظام، وقد بات التوافق الدولي على حلّ سياسي أكثر ضبابية، ولا أمل حقيقيًا يلوح في الأفق حتى الآن.

ولم يعد تحويل الأنظار عن الواقع المزري ممكنًا، ولا الظروف مواتية لتشغيل آلة التجييش والحشد، التي تم استخدامها بفاعلية في زمن الحرب، فالمعارك قد توقفت أو تكاد، والمزاج الشعبي صار في مكان آخر مغاير لثقافة الحرب، وقد تبيّن مدى الخديعة التي انطلت على البعض، في ما يتعلق بالحديث عن تحقيق انتصارات وهمية على أنقاض بلد منكوب ومدمّر، بات تأمين أبسط مقومات الحياة فيه، كرغيف الخبز وأي نوع من أنواع الطاقة، مشكلة بحد ذاتها. من هذه الزاوية، أي من زاوية المزاج الشعبي الرافض للحرب، يمكن قراءة اتفاق درعا الأخير، كمثال للطريقة التي يمكن أن تُحلّ بها باقي المشكلات العالقة، من دون خوض معارك حاسمة وبأقل ما يمكن من الدمار، وهي تمثل رغبة معظم الأطراف الدولية الراعية أيضًا.

في هذه الأثناء، تدخل سورية مرحلةً جديدة تطوي من خلالها مرحلة الانقسام والتراشق الإعلامي زمن الحرب، وينزوي، ربّما إلى غير رجعة، أولئك الذين لعبوا على أوتار الانقسامات الطائفية والعرقية، ولو أن تحقيق ذلك على نحوٍ حاسم ونهائي يحتاج إلى البدء بالعملية السياسية وتحقيق الحد الأدنى من العدالة الانتقالية. كما تزداد درجة التعبير عن الرأي في الأوساط الشعبية العريضة والميل إلى تسمية الأمور بمسمياتها، وسط ارتباك متزايد في المنظومة الحاكمة، إذ يقف “حرّاس الهيكل” غير عارفين ما الذي ينبغي فعله بالضبط: أما يزال القمع العاري وسيلة ناجعة أم أنه سيعني سحب البساط من تحت أقدامهم إلى غير رجعة؟

التحوّل النوعي الذي يحصل الآن هو أن الاحتجاج والتململ يطال أساسًا ما كان يُدعى بالحاضنة الشعبية للنظام، وبصورة غير مسبوقة، ولو أن الأمر لم يصل بعدُ إلى حد العصيان، لكن استمرار تفاقم الحالة المعيشية والأساليب غير الناجعة في معالجتها ينذر بمزيد من التصعيد في المستقبل القريب. في هذه الظروف، تبدو مواجهة الاحتجاجات بالعنف غير مضمونة، وربما تكون نتائجها عكسية؛ لأن الأمر يتعلق بمطالب تهدف إلى استمرار الحياة من دون أن تُطرح شعارات سياسية واضحة، وإن كان كل احتجاج مطلبي يتضمن احتجاجًا سياسيًا، كون حالة العجز هي سياسية في الأساس، ولا مخرج إلا بالتغيير، تبعًا لما هو متاح ومُتَّفق عليه في القرار الدولي رقم 2254.

تتميز فترة التدهور الحالية بأنّ كل ما فيها يسير بخطى ثابتة نحو الكارثة الحتمية، ما لم تُقطع الطريق المُفضية إلى الهاوية، وما لم يوجد قرارٌ لوقف هذا المسار وعكسه. بالطبع، لا يمكن لمن ساهم في أخذ الأمور في هذا الاتجاه أن يُحدث تغييرًا إيجابيًا أو يعكس مسار الأحداث، إلا بنظر بعض الواهمين، الذين يتقلص عددهم باستمرار. استحالة التغيير الذاتية لا تعود فقط إلى طبيعة النظام، كدولة أمنية، إنما بسبب كون البنية السياسية قائمة على الفساد، وبالتالي من المستحيل أن يتم تغيير هذه الحالة من خلال الآليات الداخلية.

فالفساد موجود في كل البلدان، بدرجات مختلفة، وثمة آليات قانونية لإبقائه في الحدود الدنيا. لكن أن يوجد الفساد على كل المستويات وفي أساس العلاقات والتعاملات، وفي ظروف لا يوجد فيها قضاء مستقل، فهذا يعني أنه لا يمكن الحديث عن خطوات جدية لمعالجته، وأن ما يحدث من إجراءات في هذا الاتجاه لا يعدو عن كونه مجرد إعادة توزيع الثروة بين القوى المتنفذة والمتنافسة داخل السلطة وفي هامشها.     

سورية المحتضرة لا تقتصر على مناطق سيطرة النظام، وتتمثل بقوى الأمر الواقع المهيمنة في باقي المناطق، التي لا تختلف جذريًا في طبيعتها، كما تتمثل بتلك الهياكل السياسية الخاوية وفاقدة الصلاحية للمعارضة، التي عكست وما تزال هيمنة وأدوار الدول الإقليمية في هذه المرحلة أو تلك. الخديعة هنا هي في استمرار هذه الهياكل كأمر واقع، وهي تسير أيضًا على مبدأ العطالة، وتفتقر إلى أي دور يمكن أن يصب في مسار التغيير الإيجابي لمصلحة السوريين جميعهم منذ نشأتها في عام 2011، بالرغم من كل محاولات الترقيع التي تعرضت لها لاحقًا.

الاحتضار السوري ليس نهاية المطاف، تحت رماده تتحضر براعم الحياة الجديدة لتطل برؤوسها، حين يحلّ مناخ التغيير، وهذا الاحتضار يعمل كرافعة سياسية، من خلال اقتناع أكثرية السوريين بضرورة التغيير، في مختلف تجلياته وأشكاله، وعلى أسس جديدة يضمحلّ فيها القديم ويحيا فيها الجديد، ككل تغيير تاريخي حقيقي لا رجعة فيه، إن بدأ ببناء أساس دستوري متين لدولة العدل والقانون والمؤسسات.