تطالعنا معظم عناوين الأخبار بأنباء عن انسحاب أميركي وشيك من منطقة الشرق الأوسط، ومن ضمنها منطقة شمال شرق سورية ومنطقة التنف، وتلك العناوين تعقب اتفاقًا أميركيًا مع الحكومة العراقية على ترتيب خروج قواتها المقاتلة من العراق بأسرع وقت ممكن، وتأتي أيضًا عقب الانسحاب الأميركي المفاجئ من أفغانستان وتداعيات الانهيار السريع لكل ما أنجزته الآلة العسكرية الأميركية والتحالف الدولي على مدار عقود من القتال في أفغانستان، وهذا ما شجع البعض على الإدلاء بتصريحات أو تقديرات عن قرب الانسحاب الأميركي من شرقي الفرات، استنادًا إلى قراءات وتوقعات مختلفة صادرة عن مراكز دراسات أوروبية وأميركية، أكد معظمها أن الطابع العام لسياسات الديمقراطيين في البيت الأبيض لا تجد لها مصلحة بالبقاء في المناطق الساخنة التي لا تشكل أهمية للأمن القومي الأميركي، وبالتالي لا حاجة إلى استمرار الاستنزاف السياسي والعسكري الأميركي في سورية، ورأى كثيرون أن ما قاله أندرو أكسوم (مساعد وزير الدفاع الأميركي الأسبق) في محاضرة مسجلة أمام الكونغرس عام 2015: “لقد شعرنا بالقلق من سقوط نظام بشار الأسد في سورية، فاتصلنا ونسّقنا مع الروس للتدخل في سورية لحماية النظام، لأن سقوطه يشكل خطرًا على أمن إسرائيل”، هو عملية تسليم أميركي للروس بالملف السوري، وخروج سلس من ملف شائك لا يشكل أهمية لسياسات “بايدن”، ولا يستحق صرف جهود سياسية أو دبلوماسية أو عسكرية للولايات المتحدة الأميركية، وبذلك يصبح الانسحاب الأميركي من سورية أمرًا لازمًا وضروريًا، وعلى مبدأ “يا دار ما دخلك شر”. لكن كان هناك مستجدان طارئان أخلّا بكل تلك التخمينات والقراءات والتحليلات:

المستجد الأول: ما تضمنته كلمة وزير الدفاع الأميركي “لويد أوستن” التي ألقاها في مملكة البحرين، والتي اعتُبرت استدارةً وانعطافة أميركية واضحة نحو الشرق الأوسط، وعودة أميركية للقيام بمسؤوليتها تجاه حلفائها في منطقة الخليج، وفي تلك الكلمة أكد “أوستن” التزام واشنطن بأمن واستقرار الحلفاء في دول الخليج، أمام التعديات والاستفزازات الإيرانية، وهدد بصرامة أميركية بتطبيق قانون “قيصر” بما يخص الشأن السوري، ورفض التطبيع مع نظام الأسد، وأكد أيضًا التزام واشنطن بالأمن والاستقرار بالشرق الأوسط.

وقد لقي أمن الحلفاء كثيرًا من الانتقادات التي وجّهت إلى الأميركان، بعد اتهامهم بالتخلي عن شراكاتهم التاريخية مع دول خليجية عربية، وتركهم منفردين بمواجهة غير متكافئة مع “زعرنات” إيران، بل زاد الأمر بتهاون أميركي واضح بأمن الخليج، عندما أوقف الرئيس “بايدن” تسليح التحالف العربي الذي يدافع عن الشرعية ويواجه ميليشيات الحوثي الإرهابية في اليمن، ومن ثم جاء رفع أميركا ميليشيات الحوثي عن قوائم الإرهاب، ومن قبلها كان قرار البنتاغون -بأوامر من الرئيس بايدن- سحب ما يقارب 8 بطاريات باتريوت للدفاع الجوي، من دول بينها العراق والكويت والأردن والسعودية، مع سحب منظومة (ثاد) من السعودية، وتقليص أسراب المقاتلات المخصصة للمنطقة.

المستجد الثاني (وهنا بيت القصد): ظهر بتصريحات غاية بالأهمية، تعكس استراتيجية أميركية جديدة لطالما عاب الجميع على إدارات البيت الأبيض المتلاحقة، منذ تفجر الثورة السورية، غياب وانعدام أي رؤية أميركية واضحة لحل الملف السوري، وعدم بروز أي استراتيجية تعطي الضمان أو الطمأنينة للمتدثرين بالعباءة الأميركية. لكن بعد كلمة وزير الدفاع بالبحرين، والاستدارة الأميركية نحو حلفائها في المنطقة، بدأنا نسمع عن مبادرة أميركية تخصّ الشأن السوري، كانت قد نوقشت مع القيادة التركية، تفاصيل المبادرة توحي بخطة أميركية واعدة تغيّر من المعادلات الحالية على الأرض السورية، وتحرك المياه الراكدة والآسنة في الملفّ السوري، وتسهم في تقوية موقف المعارض السوري على طاولة المفاوضات، وتضمن أمن الحلفاء، والمبادرة قابلة للتطبيق، إذا ما أشبعت دراسة ومعرفة ومراعاة لظروف كل المشاركين في تطبيقها، بحيث لا تستفرد بتحقيق مصالح طرف على حساب طرف آخر، بل تضمن مصالح الجميع.

في مضمون المبادرة الأميركية، ونقلًا عن موقع (طيف بوست): أكدت مصادر دبلوماسية تركية أن إبراهيم قالن (الناطق باسم الرئاسة التركية) قد أجرى مباحثات هاتفية مع مستشار الأمن القـومي الأميركي جيك سوليفان، عقب لقاء جمع الرئيسين (بايدن، أردوغان) في إيطاليا حديثًا، وأن المحادثة الهاتفية تطرقت إلى الحديث عن الرؤية الأميركية الجديدة للحل في سورية، والمتمثلة بتوحيد ودمج كلّ المناطق الخـارجـة عن سيطرة نظام الأسد تحت مظلة واحدة، وبحماية مباشرة من قبل الولايات المتحدة الأميركية، ورجّحت المصادر أن تكون واشنطن قد قدّمت بعض الحوافز لأنقرة، من أجل القبول بتنفيذ الرؤية الأميركية الجديدة، وتتعلق تلك الحوافز بضمان الأمن القـومي التركي، والتعهّد بعدم تعـرض تركيا أو مصـالحها للاستهـداف، من المناطق التي تسيطر عليها الوحـدات الكردية (قسد)، في المناطق الشمالية الشرقية من سورية.

مضمون هذا الكلام يحمل في طياته ردًا واجبًا على تصريحات الرئيس الروسي بوتين الذي قال: “إن نظام الأسد بات يسيطر على 90% من الجغرافية السورية”، ويحمل هذا المضمون في الوقت نفسه مخرجًا من استعداداتٍ لحرب تتهدد معظم مناطق شرقي الفرات، ونبع السلام ودرع الفرات وغصن الزيتون، وشرارة تلك الحرب قد لا تستثني جبل الزاوية من نيرانها أيضًا، وكامل مناطق جنوب طريق (إم فور)، لأن تركيا الباحثة عن أمنها القومي وعن مصالح شركائها في الجيش الوطني تجد نفسها قد خُدعت بوعود أميركية وروسية أعقبت وقفها لعملية “نبع السلام”، عندما تعهدت واشنطن وموسكو بسحب قوات “قسد” 30 كم عن الحدود السورية التركية، مقابل وقف تركيا لعمليتها العسكرية حينها، مع تعهّد أميركي سابق ولاحق بتسليم مدينة “منبج” للجيش الوطني، لكن كل تلك الوعود ذهبت أدراج الرياح، وزادت عليها “قسد” بتعديات متكررة، منها ما أخذ صبغة الفعل وردة الفعل بين الجانبين، بحيث بات قصف شوارع ومشافي عفرين أمرًا اعتياديًا، وكذلك مهاجمة مواقع الجيش التركي، بل إن بعض القصف وصل إلى داخل الحدود التركية، حيث سقطت بعض القذائف على بلدة “قرقميش”، والجيش الوطني أيضًا لم يكن حمامة سلام.

المبادرة الأميركية الجديدة تعطي تعهدات بوقف أي عمل عدائي ضد تركيا وحلفائها من الفصائل، وفي الوقت نفسه توقف التهديدات التي تتعرض لها “قسد” بعمل عسكري يستهدفها، وهذا الأمر لوحظ البدء بتنفيذه أخيرًا، من خلال أوامر صارمة نقلها مسؤولون أميركيون (عسكريون وسياسيون) زاروا مناطق شرقي الفرات أخيرًا، وأبلغوا “مظلوم عبدي” (القائد العسكري لـ قسد) بضرورة وقف أي استفزازات اتجاه تركيا، والعمل على سحب كامل عناصر PKK “حزب العمال الكوردستاني” من شرقي الفرات، وإبعادهم نحو مواقعهم الأساسية في جبال قنديل، داخل الأراضي العراقية، ولوحظ من الطرف الآخر بالمقابل توقف هجمات طائرات درون التركية التي استهدفت أخيرًا بعض مواقع تصنّفها أنقرة على أنها تحوي إرهابيين، مع فرض حالة هدوء ووقف لقرع طبول الحرب التي أرقت المدنيين في كامل شمال وشمال شرق وغرب سورية.

توحيد ودمج المناطق الخارجة عن سيطرة نظام الأسد في شرق الفرات وشمال غرب سورية، سياسيًا وعسكريًا، يعني اندماجًا كاملًا بالكتل السياسية للطرفين، ومباحثات معمقة بين قيادة (مسد) والائتلاف الوطني وهيئة التفاوض واللجنة الدستورية، ويعني بالطرف الأهمّ عسكريًا توحيد الرؤى واندماجًا حقيقيًا بين قوات (قسد) والجيش الوطني، والمبادرة الأميركية مع الموافقة التركية -إن تمّت- تعني الكثير للثورة السورية وللسوريين، لأنها تؤسس لقوة سياسية قادمة تقوي موقف المفاوض عن المعارضة السورية، وتعني قوة عسكرية مضافة إلى قوات تسيطر مجتمعة على أكثر من 35% من الجغرافية السورية، وتعني أيضًا قوة اقتصادية تشمل الوصول إلى السلة الاقتصادية السورية، من نفط وغاز وقمح وقطن ومياه وكهرباء، تتموضع معظمها في الجزيرة السورية كان يذهب معظمها لنظام الأسد.

لكن هذا الاندماج ليس سهلًا، ويفرض على المشاركين فيه جملة مطالب، أهمها الإيمان والالتفاف حول المطالب الثورية وأحقية الثورة السورية، ووحدة الهدف، ويتطلب ضمان حقوق الجميع دون نقصان أو تهميش، وقناعة مطلقة من جميع الأطراف المشاركة بأن مستقبل سورية يرسمه أبناؤها بعيدًا عن رؤى أو خطط أو أيديولوجيات أي من الدول الأخرى، وبعيدًا عن الأجندات والمشاريع العابرة للحدود، وعدم ربط الحل السوري أو القضية السورية بملفات إقليمية أو مشاريع تتخطى جغرافيتها وحدودها، والاندماج يشترط ويفرض على المندمجين أيضًا ضمان ضرورة التخلص من كل التنظيمات الإرهابية والغرباء، في مواقع الطرفين، فلا مكان لتنظيمات إرهابية قاعدية وداعشية، مهما غيرت أسماءها، وأهمها “هيئة تحرير الشام” وأخواتها التي تسيطر على مدينة إدلب وبعض المناطق الأخرى، وكذلك التخلّص من الدواعش المحميين من البعض في شمال غرب سورية (…..)، وأيضًا يجب التخلص من تنظيم (PKK) وكل من يحمل أفكارًا انفصالية لا تخدم السوريين، وضرورة إبعاد كل هؤلاء الغرباء خارج الحدود، والعمل على احتواء المقاتلين السوريين المنضمين إلى تلك التنظيمات الإرهابية، وإعادة تأهيلهم لضمهم إلى صفوف إخوانهم السوريين المؤمنين بالثورة السورية، ومن ثم الانصراف إلى البحث عن خطط عودة المهجرين والمبعدين من أبناء تلك المناطق، ومن كلا الطرفين، إلى بيوتهم وأرزاقهم ومتاجرهم ومصالحهم.

تلك المبادرة تتطلب بالتأكيد صدق النيات، مع قناعة أنها لن تتم بجهود منفردة، لا داخليًا ولا خارجيًا، بل تتطلب من حيث المبدأ توافقات سياسية إقليمية ودولية، والأميركيون قادرون على صنع تلك التوافقات، ويتطلب تنفيذ المبادرة بالتأكيد وجود خطة عسكرية مشتركة (أميركية-تركية) تترافق مع الجهود السياسية، مع ضرورة أعادة هيكلة المؤسسة العسكرية، مهنيًا وحرفيًا، بوجوه وطنية، بعد إبعاد كل الطفيليات التي شوهت صورة الثورة.

ما سبق ذكره قد يكون من الصعب على البعض تقبّله حاليًا، أو تصديقه، وهناك من لا يستطيع مجرد تخيله ويراه ضربًا من المحال، وكل هؤلاء محقّون، لكن السياسة دائمًا تحمل في طياتها المتناقضات، والحلول الصعبة تتطلب الجرأة والشجاعة، والمصالح العليا يجب أن تتفوق على المصالح الشخصية الضيقة، وإذا ما كان هناك تغليب لمصلحة الشعب والثورة على أنانية البعض، فسيصبح المستحيل ممكنًا، والأمثلة كثيرة؛ بالأمس، كانت فرنسا تحتلّ لبنان وسورية، واليوم هي الأم الرؤوم للبنان، وبالأمس كانت ألمانيا تهدد وتعادي كامل أوروبا، وهي اليوم العمود الفقري الذي يستند إليه كل الأوروبيين، وغير ذلك من الأمثلة كثير، ولكن علينا قراءتها بشكل موضوعي للوصول إلى مخارج ممكنة، مع الإيمان أن مصلحة الشعب هي فوق كل المصالح الفردية، وأن وحدة الصف هي السلاح الأمضى لإجبار الأسد على الرضوخ لمطالب الشعب الذي خرج بثورة تطالب بالحرية والكرامة، للتخلص من العبودية الأسدية.