عادة ما يحلل المختصون خطابات الرؤساء لتبيان بعض ما خفي بين السطور، ويدرسُ الطلاب في المدارس والجامعات -في بعض دول أوروبا على الأقل- خطابات الزعماء والرؤساء في مواد السياسة والتاريخ، بطرائق منهجية وأساليب علمية، لتحليلها ضمن سياقاتها التاريخية للوصول إلى النتائج المرجوة من هذه الدراسات.

بالنسبة إلى كاتب هذه السطور -وهو غير مختص بدراسة وتحليل خطابات الزعماء- تبدو المغامرة شيقة مع شخص مثل بشار الأسد، ولا يزعم الكاتب أنه قادر على الإلمام بجوانب هذه الشخصية المعقدة، كما لا يزعم اعتماد منهج علمي في تحليل الخطاب، بل يؤكد أن ما يورده هنا لا يعدو كونه مجرد إضاءات من وحي الملاحظة الشخصية لا غير.

بعد دخول القوات التركية بقوة في معركة الشمال، قبل عدة أشهر، لم يترك بشار الأسد لنفسه متسعًا من الوقت كي ينسى جمهوره المؤيد على الأقل خطاب الفقاعات، بل استعجل إرسال توسلاته للقادة الأتراك، عبر مقابلة تلفزيونية مسجلة، قال فيها من جملة ما قال: “إنه لا يوجد بيننا وبين تركيا أية خلافات”، وقد صدق فيما قال، وهو المعروف عنه غير ذلك.

يدرك بشار الأسد ويعي في قرارة نفسه أنه رئيس غير شرعي، وربما يصيب عيبُ عدم الشرعية هذا أيضًا أشياء أخرى غير الرئاسة، ولهذا أكبر الأثر في تفكيره وسلوكه. فالتحليل البسيط لخطاباته يقودنا مباشرة إلى عقدة كبرى أو إلى مركّب نقصٍ قابع في ثنايا شخصيته. بطلٌ مغوارٌ على المدنيين العزل، لم تترك لهم طائراته سقفًا على جدران ولا خيمة على أعمدة، لكنه صاغرٌ متذلل أمام أربابه من الروس والإيرانيين.

أعلنَ بكل ثقة نصره المبين وفتحه المؤزر لمناطق غربي حلب، ونسي أنه كان حبيس عدة أميالٍ مربعة قُبيل التدخل الروسي لإنقاذه. ولولا أنه تُرك له الحبلُ على غاربه ليدمر سورية ببراميله الغبية ويجعلها أثرًا بعد عين، لكان إلى الآن يعاني مما عاناه القذافي قبيل وفاته. لكنه تُرك بإرادة دولية واعية ومدركة أداةً للتدمير الهمجي الممنهج لما كان يسمى سورية. ومن هو المستفيد الأكبر من ذلك سوى إسرائيل!؟ لا أحد يمكنه التعامي عن هذه الحقائق الواضحة بلا أدنى شك أو ريب، إلا ربما محور الممانعة والمقاومة الزائفة، وبعضُ المرتزقة ممن تملأ الدولارات محابر أقلامهم.

لم تكن خطابات الأسد يومًا موجهة للسوريين، سواءٌ أكانوا مؤيدين أم معارضين، فهؤلاء لهم أجهزة المخابرات التي تتكفل عادة بكل ما يلزم، والسجون والمعتقلات أكثر من المدارس والمشافي عددًا. خطاباته موجهة لذاته المهزوزة، فهو أحوج ما يكون لسماع صوته عبر شاشات التلفاز وقراءة كلماته عبر الصحف، ويكادُ المرء يتصور كم تعتريه السعادة عند ذلك، فهو ما يزال موجودًا وقادرًا على الخطابة! هذا هو قدرُ السوريين وقَدرُ بلدهم سورية، أن يقبعوا تحت حكم عائلة لم يعرف التاريخ مثلها من قبل، فلو وُجدت معاهد عليا لتدريس التخريب، لما خرجت مثل حافظ ونسله وأتباعهم ممن أثروا على حساب خراب ليس سورية وحسب بل المنطقة بأسرها، وربما أكبر ضحاياها بعد الشعب السوري المقهور هم الفلسطينيون والقضية الفلسطينية.

يُخطئ من يصف الأسد بالدكتاتور، هو لا يمكن أن يحظى حتى بهذا الوصف، فلا يُعقل أن يُوضع أبدًا في مصاف الطغاة من أمثال هتلر، ستالين، فرانكو، بينوشيه أو حتى بوكاسا وعيدي أمين. أولئك كان لديهم مشاريع وطنية، سواءٌ اتفقنا معها أم لا، وحتى لو كانوا أضروا ببلادهم من حيث أدركوا أو لم يدركوا، لكن يبقى أنهم لم يريدوا أساسًا ذلك. أما الأسد فلم يترك مجالًا لعاقلٍ يناور فيه ولا بينةً لمُدافعٍ يحاجّ فيها. لم يترك الأسد على “عينها قشة”، كما يقول المثل الشعبي.

من أقصى الشمال، حيث يهرب السوريون من جيشهم البطل المعزز بألوية “زينبيون وفاطميون” العراقية وكتائب “حزب الله” اللبنانية وسرايا “فاغنر” الروسية، إلى الجنوب حيث يقاوم أهل الصنمين وطفس وجلين وجاسم ودرعا البلد بأعينهم مخرز الأسد وجيشه، من الشرق إلى الغرب ومن كل زاوية ومن تحت كل حجر، يقولون له لن تبقى، سيأتي يومٌ لن تجد فيه من تلقي عليه خطبك العصماء، سيكون الروسي منشغلًا عنك بمساوماته وتجارته، كما سيكون الإيراني هاربًا من لعنة الجغرافيا والتاريخ يجرجر أذيال الخيبة والخسران والهزيمة.

سينتصر السوريون على هذه المحنة يومًا ما، ويجب أن يفعلوا. لا يمكن أن تبقى البلاد بهذه الدوامة والمقتلة إلى ما لا نهاية، فها هي بوادر الحراك المدني تعود شيئًا فشيًا إلى شوارع مدن حوران وقراها، يقف الشباب والكهول على أنقاض بيوتهم وقرب مآذن مساجدهم المهدمة، ليقولوا له لن تبقى. كذلك لم تخبُ شعلة الثورة في نفوس أهالي إدلب والمهجرين إليها، ولم تنطفئ جذوة إرادة التغيير والعيش الحر خارج قفص الاستبداد، ولن يتوقف السوريون عن الحلم بحياة كريمة.

أسبابُ بقاء الأسد زالت كلها. أثبتت تجربة أسبوع واحد من التغطية الجوية لطائرات (بيرقدار) المسيّرة عن بعد، أن الأسد وكل داعميه لن يصمدوا يومًا واحدًا أمام إرادة التحرير، إن وجدت مقومات دعمها. أما أسباب ثورة السوريين فزادت ألف ضعفٍ عما كانت عليه قبل تسعة أعوامٍ في مثل هذه الأيام من شهر آذار. ولئن وقف العالم كله مكتوف الأيدي عن محنة السوريين، فإن قوانين التاريخ لن تتغير من أجل حفنة من المرتزقة وشذاذ الآفاق.

ما الذي بقي لبشار من حطام سورية التي دمّرها عن سابق إصرار وتصميم، ألم يرَ كيف رفع منقذُه بوتين من تصنيف سفيره في دمشق أليكسندر يفيموف إلى مرتبة ممثلٍ خاصٍ له هناك؟ يبدو أن الرفيق بوتين استكثر على الأسد حتى ساحة الخطابة هذه التي كان يحاول أن يتسوّد بها من غير جدارة ولا اقتدار. كما نهض العراقيون من سباتهم الطويل، بعد سقوط بغداد بيد تتار العصر ومغول الزمان، وكما استفاق اللبنانيون من سكرة الصمت بعد حربهم الأهلية الدامية، وكما كسر السودانيون نير الاستبداد وأطاحوا بالبشير، وكما تظاهر الجزائريون والمصريون ويحاولون كل يوم، سينهض السوريون مجددًا كالعنقاء من تحت ركام المنازل والأحلام، وسيعودون إلى ساحات الفعل المبدع الخلاق. حينذاك سينتهي الأسد وستذهب خطاباته أدراج الرياح أو إلى حيث مكانها الطبيعي في مزابل التاريخ.