عندما أعلن نيتشه “موت الله”، نهاية القرن التاسع عشر، وقال جملته الشهيرة: “God is dead, he remains dead and we have killed him”، لم يكن يقصد إلهًا معبودًا بذاته يعيش فوق السماء السابعة، بل موت قدرة الدين عمليًا على الإجابة عن المشكلات الأخلاقية، العلمية، والفلسفية التي تواجه الإنسان المعاصر، وموت الموضوعية الأخلاقية التي تدّعي تفسير ما يحدث في العالم استنادًا إلى وجود إله ضامن لموضوعيتها. فبعد الثورة العلمية، بعد كوبرنيكوس وجاليليو ونيوتن وداروين وماركس وفرويد وأينشتاين وغيرهم.. بات أقرب للمستحيل أن تحافظ التفسيرات الدينية للعالم على معقوليتها وادعاءاتها الموضوعية في تفسير الوجود، أو أن تكون سندًا معقولًا أو مفيدًا في علاج المشكلات الاقتصادية، الاجتماعية، والسياسية الشائكة التي تواجهها المجتمعات المعاصرة.

إن الإعلان النيتشوي، عن موت الله، لم يكن إعلانًا فرحًا بذاته أو متغنيًا بإلحاده، بل إعلانًا متشائمًا وقلقًا إلى أبعد الحدود، فما كان يشغل نيتشه حقًا هو البديل الجديد، بعد نهاية التفسير الديني المستند إلى وجود إله حاكم للعالم موضوعيًا وعدم فاعليته عمليًا، أي ما هو البديل الذي يمكن أن يخترعه البشر لضبط السلوك الإنساني، والحلول مكان الإله الميت والمنظومة الدينية المرتبطة به؟!

لم يطل الوقت حتى جاء القرن العشرون بالجواب على السؤال النيتشوي، حيث بدأت الأيديولوجيات تحل محل الدين، بوصفها قصصًا كبرى تقود البشر إلى خلاصهم، يؤمنون بها ويتبعونها بالطرق الدينية ذاتها. هكذا كانت الشيوعية والنازية والفاشية. والمفارقة أن الدماء التي أسالتها تلك القصص/ الأيديولوجيات الكبرى، تجاوزت كل الدماء التي أسالتها القصص الدينية السابقة عليها.

قد يصح الكلام النيتشوي على معظم الأديان التوحيدية وغير التوحيدية الموجودة في عالم اليوم، لكنه لا يصحّ على الدين الإسلامي، فإحدى أكبر أزمات الدين الإسلامي التأسيسية، ضمن عصرنا الحالي، هي أنه دين جمع الدين والأيديولوجيا في قالب واحد، فالتشريع هو جزء أساسي من النص، والعقيدة متداخلة كليًا بالشريعة، بكلام آخر: “الإسلام هو دين ودنيا، عقيدة وشريعة، عبادة ومعاملة، دعوة ودولة، خُلق وقوة”، كما يقول الشيخ القرضاوي.

إن عدم دخول المجتمعات الإسلامية ضمن صيرورة عصر الحداثة، إلا من موقع الاستهلاك، أدى إلى بقاء الحضور الديني أكثر أصالة من كل المظاهر الحداثية القادمة من الخارج، وجعل الإجابة الدينية، عن أي مشكلة علمية أو أخلاقية أو سياسية أو اجتماعية، سابقة وحاضرة ومتجاوزة لأي إجابة أخرى. بمعنى آخر: إن عدم مرور المجتمعات الإسلامية بالثورة الصناعية وما رافقها من إصلاح ديني وثورات علمية، تربوية، تحضّر، ليبرالية، عقلانية “التنوير”، وصولًا إلى اختراع الدولة القومية التي نتجت عن تلك الصيرورة، أدى إلى فشل الإصلاح الديني الإسلامي، لعدم ترافقه مع الإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي. وعلى الرغم من كل المحاولات الجادة للمفكرين الإسلاميين، في مرحلة ما يسمى عصر النهضة، فإنها بقيت ضمن مستويات فوقية وثقافية وفردية، ولم تتحول إلى مأسسة اجتماعية سياسية من الأسفل إلى الأعلى.

انهيار الخلافة الإسلامية الذي رافقه انحلال الإمبراطورية العثمانية، وتحوّل ولاياتها إلى مستعمرات ودول منسوخة وممسوخة عن الدولة القومية في أوروبا، أدى إلى حالة ضياع إسلامي وانقسام الإسلام السنّي بين ثلاثة محاور أساسية: أزهري مصري، ووهابي سعودي، وعثماني تركي، ولم تعد هناك مرجعية دينية/ سياسية واحدة للفتوى والتشريع. وهذا على عكس الإسلام الشيعي الذي انحصر، منذ الثورة الإسلامية الإيرانية، ضمن مركز ديني وسياسي موحد. وربما هذا ما يفسر اليوم أحد جوانب الفرق بين الإرهاب السنّي المنفلت من عقاله وغير المركزي وبقائه إرهاب أفراد وتنظيمات ما دون الدولة، والإرهاب الشيعي الأكثر تنظيمًا ومركزية، والتابع حصرًا لمصالح الدولة الدينية في إيران، وهو تحت إشرافها في كل مكان في العالم.

بعد الاستقلال وولادة الأنظمة العسكرية، أصبح لدينا أيديولوجيات قومية وليس دولة قومية، وأيديولوجيات ماركسية وليس دولة شيوعية، وأيديولوجيات إسلامية وليس دولة إسلامية، ولذلك كان من الطبيعي أن يصبح التنافس الحقيقي والأكثر رسوخًا وصلابة هو بين سلطة الدين المؤدلج الراسخة، اجتماعيًا وتاريخيًا، والسلطات العسكرية صاحبة القوة الضاربة والمدعومة من الخارج ومن القوى الكولونيالية ذاتها التي غادرت البلاد المستعمرة. في الواقع، كانت الأنظمة العسكرية والإسلام السياسي وجهان لعملة واحدة، من حيث إن البنية الهرمية للنظام العسكري موازية ومشابهة للبنية الهرمية للدين، والأصول الاجتماعية للعسكر معادية للتنوير والعقلانية والثقافة المدنية والانفتاح السياسي والاختلاف والتنوع، وتقوم على التحشيد الشعبوي والجماهيري، بالطريقة ذاتها التي يقوم عليها التحشيد الديني، أما الأيديولوجيات القومية والماركسية التي تم تبنيها بالتناوب وبأشكال وظيفية بين القوى السياسية، فقد بقيت مثل الكثبان الرملية فوق صحراء الواقع الاجتماعي السياسي المتخلف، وأما التحديث الذي قامت به الأنظمة، في دول مثل مصر والعراق وسورية على سبيل المثال، فقد كان مشوهًا ومعطوبًا بطريقة غير قابلة للتصحيح، حيث يمكنك أن تجد مؤسسات حديثة ومنسوخة عن الغرب، مثل البرلمان، لكن دون قدرة فعلية لا على التمثيل ولا على التشريع، وقد تجد دستورًا ولكنه ممسحة لأجهزة الأمن، وتجد نظامًا جمهوريًا ولكنه وراثي.. إلخ. كل شيء شكلي داخل الدولة المحدثة، الانتخابات شكلية، والبرلمان شكلي، والقوانين، والقضاء، والنقابات، والأحزاب، والقائمة تطول، أما الدولة ذاتها فقد بقيت مجرد قبيلة محكومة بالعصبية والغنيمة وروابط ما قبل الدولة، ومسلحة بجيش ضخم، مهمته حماية نظام القبيلة وزعيمها، لكن الزعيم ذاته لا يمكن تبديله أو إسقاطه قبل سقوط القبيلة/ الدولة كاملة.

إذا نظرنا اليوم إلى المجتمعات الإسلامية في الغرب والشرق، رأينا أنها محكومة بالدكتاتوريات، أو بالفقر، أو بكليهما معًا، فعندما تجد دولة إسلامية غنية نتيجة مصادفة الثروات الطبيعية، سيكون الاستبداد، ومعه التخلف الاجتماعي/ السياسي، هو المرافق “الطبيعي” لتلك البلاد. من الصين إلى الهند وباكستان إلى تركيا وإيران ومجمل الدول العربية، وصولًا إلى الأحياء الفقيرة في فرنسا وبلجيكا، لن تجد إلا مجتمعات إسلامية تتأرجح بين حدي الفقر والاستبداد، هذا عندما لا يكون الاحتلال، الذي يجمع الحدين معًا، هو الحال. ومن المعروف أن الفقرَ والاستبداد هما مصانع للإرهاب، ومستنقعات لتفريخ الإرهاب وانتشار الأفكار المتطرفة، وإذا نظرنا اليوم إلى خريطة الإرهاب الإسلاموي في العالم ومصادره، من الشيشان التي حطمها الروس، إلى سورية التي حطّمها نظام الأسد مستعينًا بالإيرانيين والروس، إلى العراق التي حطمها الاستبداد أولًا ثم الاحتلال الأميركي ثانيًا، وملأها النظامان السوري والإيراني بالإرهابيين فيما بعد، إلى أفغانستان واليمن وليبيا.. إلخ؛ فسنجد أن انغلاق آفاق المجتمعات الإسلامية في كل مكان في العالم، أمام الديمقراطية أو الإصلاح الديني والسياسي أو الدخول في الحداثة، لم يترك لها إلا الدين؛ فالدول الإسلامية إما محطمة وإما محتلة أو محكومة بالاستبداد، وتلك الدائرة المغلقة لا تعني أن المجتمعات الإسلامية غير فاعلة في تخلفها وانحطاطها ذاته، بل تعني أن التخلف الديني يعود بتغذية خلفية راجعة ليعزز الاستبداد، ويستجلب الاحتلال، وينتهي بتحطم الدول فوق رؤوس أصحابها في دورة جهنمية محكمة الإغلاق، ليس الإرهاب سوى محصلتها ونتيجتها الحتمية.

إن حديث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، عن أن “الإسلام يعيش اليوم أزمة في كل مكان في العالم”، هو حديث صحيح نظريًا، ولكنه حديث لا معنى محددًا له، فالأنظمة الديمقراطية أيضًا في أزمة، وأنظمة الاستبداد في أزمة، ومناخ الأرض في أزمة، والنظام الدولي كله في أزمة.. إلخ. في الواقع، هناك عودة للهويات الأولية والتعصب القومي والانغلاق الدولتي والمحلي، يتمدد ويتوسع باتجاهات معاكسة تمامًا للعولمة والعالمية التي جعلت البشرية مترابطة أكثر من أي وقت مضى، وهناك ظهور للقبلية tribalism في كل مكان في العالم، وليست الشعبوية واليمين المتطرف إلا أحد مظاهر تلك القبليّة. الفارق أنه لم يبق للمسلمين إلا إسلامهم ليعودوا إليه ويستخرجوا أكثر أدواته تعصبًا وانغلاقًا وعدمية، بعد أن باتت أوطانهم غير قابلة للعيش ودولهم غير قابلة للحياة.

يقول الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون، ضمن فلسفته حول الزمن، إن الماضي يعيش دائمًا ضمن الحاضر على نحو افتراضي مثلما تعيش الجينات القديمة، الموروثة، وغير المرئية، ضمن خلايا الجسم المتحرك، وبالتالي فإن الماضي الذي لا نراه لا يعود من الغياب، بل هو موجود فعليًا في الحاضر، ينتظر فقط القوة الدافعة التي تحمله من الافتراضي إلى الواقعي. وهذا أكثر ما ينطبق اليوم على المجتمعات الإسلامية، فعند حصول أي جريمة إرهابية، مثل الجريمة البشعة ضد مدرس التاريخ الفرنسي صامويل باتي، تعود خطابات الماضي الاستعماري للضحايا، ثورة المليون شهيد في الجزائر، احتلال العراق وأفغانستان، معركة حطين والحروب الصليبية… تعود جميعها للحضور، لتكلل بشاعة الجريمة بتبريرها، فمن دخل إلى صفحة “الأزهر الشريف” بعد الجريمة، أو رأى بيان “الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين”، وشاهد آلاف التعليقات المرحبة بقطع الرؤوس، فسيدرك أن الماضي لا يعيش في الحاضر فحسب، بل هو مرآة كالحة السواد للمستقبل.