قد يعتقد البعض أن الأحداث التي حدثت في منطقة الشرق الأوسط سابقًا، وما يحدث حاليًا من ضربات جوية عسكرية أو تدخلات عسكرية أو سياسية، هي أحداث عشوائية، أو ضربات هدفها القضاء على الإرهاب والتطرف، أو كما يراها البعض عملية من أجل السيطرة على مناطق إستراتيجية ومصادر حيوية للطاقة، وهذه النقطة الأخيرة يمكن أن نتفق عليها جميعًا ولا أحد يختلف على ذلك، فالنفط والغاز كانا أحد أهم أسباب غزو هذه الدول إلى مناطقنا العربية، ولكن قد لا تكون هذه المبررات كافية لتقنعنا بهذه التدخلات، خصوصًا إذا عرفنا أن هذه الدول التي تتدخل في الشرق الأوسط، كأميركا مثلًا، قد استنزفت ما يمكن استنزافه من خيرات هذه المنطقة من دون تدخلات عسكرية، والسؤال هنا: ما الذي يجعلهم مستمرين في التدخل العسكري والسياسي والدبلوماسي في هذه المنطقة بالذات؟ أعتقد أن الإجابة موجودة في المخطط الذي وضعته المجموعة التي تحكم العالم من الخلف، والتي يطلق عليها “حكومة الظلّ” والساعية إلى إقامة حرب عالمية ثالثة تقضي على كل الأجناس عدا أتباعهم، من أجل قيام الإمبراطورية العظمى بقيادتهم، ولهذه الحكومة مخططٌ خطير يقضي بتدمير جميع الحكومات والأديان الموجودة على سطح الأرض، ويتم ذلك، بحسب مخططهم، من خلال تقسيم الشعوب التي يسمونها “الجوييم”، وهو لفظ معناه “القطعان البشرية”، ويطلقه اليهود على البشر من الأديان الأخرى، ويقضي هذا المخطط بتسليح بعض الكيانات التي تنشئها وتقدّم لها كل الدعم والتسهيلات، ومن ثم يجري تدبير حادثٍ ما في كل فترة، لتنقضّ هذه الكيانات على بعضها البعض، فتُضعف نفسها وتحطم الحكومات الوطنية والمؤسسات الدينية في منطقة وجودها، ولعلّنا رأينا كثيرًا من هذه الكيانات التي يتم تكوينها، كتنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية “داعش” وتنظيم “النصرة” التي شُكلت بناءً على تعليمات أميركية، بحسب المراسلات المسرّبة بين وزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون، ونظام الملالي في إيران، من أجل السيطرة على الصراعات والحروب الجارية في والعراق وسورية، تحت راية الإسلام، وصولًا إلى إشعال حرب عالمية ثالثة لا تُبقي ولا تذر، ومن هنا، سأتحدث في هذه الدراسة عن دور هذه الحكومة في جرّ العالم إلى الحروب المدروسة المقدمات والنتائج، كالحربين العالميتين الأولى والثانية، وصولًا إلى التخطيط لقيام حرب عالمية ثالثة.

هناك أحداث تسير بشكل منظم وبرتابة عالية الدقة، على الرغم من التباعد الجغرافي والزمني نسبيًا بينها، وفي كثير من الأحيان تدفع كثيرًا من المتتبعين إلى الجزم بأن هناك من يخطط لهذه الأحداث ويحرّك أدوات تنفيذها بشكل دقيق، والمتتبع للأحدث التاريخية، قبيل الحرب العالمية الأولى والثانية، وما يجري الآن في منطقة الشرق الأوسط وبعض مناطق الصراع الدولي، يجزم بأن هناك من يخطط بدقة لهذه الأحداث، بل يتحكم في أدوات تنفيذها عبر عملائهم في هذه الدول، وعلى الأغلب يكون هؤلاء في أرفع المناصب الحكومية، وفي كثير من الأحيان يكونون قادة للدول، ومن خلال التدقيق في الأسباب المباشرة وغير المباشرة التي أدت إلى اندلاع هذه الحروب، لا بدّ من أن يلمس الدور الخفي لجهات محددة تستفيد من هذه الحروب وتحرّض عليها، فالأسباب غير المباشرة لاندلاع الحرب العالمية الأولى التي أعادت تشكيل التاريخ والإمبراطوريات والدول العظمى الحاكمة، في ذلك الوقت، تدلّ على أن هناك من خطط وحرض على إشعال فتيل هذه الحرب، وأوجد الأسباب الموضوعية لدفع أطراف محددة إلى خوض غمار هذه الحرب، ومنها ازدياد ملحوظ لتوتر العلاقات الدولية، نتيجة تعاقب الأزمات المفتعلة مثل الخلاف بين فرنسا وألمانيا وأزمة البلقان، والدفع إلى إحداث سباق في التسلح بين الدول الأوروبية، والتنامي المدروس للنزعة القومية خاصة في الإمبراطورية النمساوية، وتحريض الأقليّات للحصول على الاستقلال، والدفع إلى عقد الدول الإمبريالية تحالفات عسكرية وسياسية متنافسة بين دول الوفاق المكونة من النمسا وألمانيا وإيطاليا، ودول التحالف المكونة من الولايات المتحدة الأميركية وروسيا وإنجلترا، ولم يكن أمام من حضر هذه الحرب إلا إيجاد سبب مباشر لإطلاق شرارتها، فعمد إلى تحريض إحدى الجمعيات الصربية للقيام باغتيال “فرانز فرديناند” وليّ عهد النمسا وزوجته(1).

ولعل ما حدث قبيل الحرب العالمية الثانية، من تحركات دولية وتحالفات وتكتلات مدروسة، يدل على أن هناك من يريد إشعال هذه الحرب؛ لأن مخططه لم يكتمل في نهاية الحرب العالمية الأولى، وهو إزالة أحد أكبر مراكز القوى في العالم المتمثل في تدمير النازية في ألمانيا والفاشية في إيطاليا، وزيادة سلطان قطبين آخرين أكثر قوة وأشد سطوة، وهما الصهيونية العالمية والشيوعية، وإظهار الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفيتي كأعظم قوتين في العالم، ولتحقيق هذا الهدف، عملت حكومة الظل على إيجاد الظروف الموضوعية لتحقيق ذلك، ولهذا سعت إلى إيجاد أسباب للحرب، من خلال عدم رضى ألمانيا عن معاهدة فرساي، وغزوها للنمسا وبولندا والتشيكوسلوفاكيا(2).

تحدّث الباحث والكاتب هشام كمال عبد الحميد، في كتابه (الحادي عشر من سبتمبر صناعة أميركية)، عن مخططات حكومة الظل في العالم، لإيجاد مبررات وأحداث لإقامة حرب يخوض غمارها طرفان: الطرف الأول الدول التي تحمل مشروعًا إسلاميًا من غير العرب، بقيادة إيران وحلفائها كالصين وكوريا الشمالية وغيرهم، والطرف الثاني دول الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل وحلفائها من الدول الإسلامية العربية، تحدث هذه الحرب لسببٍ قد يكون غريبًا بعض الشيء عن عقول أصحاب الفكر العلماني، ولكنه مطابق تمامًا لمن يؤمن في الديانات السماوية على مختلف مشاربها، والمؤمن بفناء البشرية، ومن هؤلاء حكومة الظل التي تحكم العالم وتسعى في حربها هذه للقضاء على الأجناس، كي يتاح لهم -بحسب اعتقادهم- إقامة نظام عالمي جديد، تحت قيادة الدجال المنشود، وهذا ما تؤكد حدوثه في آخر الزمان الديانات السماوية الثلاثة، ونحن نرى الآن بوضوح ما يحصل من حروب وما يحدث من كوارث نتيجة النزاعات بين الأمم، ونعلم يقينًا أن من يقف وراء الحروب المؤامرات ما هم إلا حملة المشروع الشيطاني وأعوانهم، ولعل قول الله تعالى ينطبق على هؤلاء، عندما قال: {وألقَينا بينهم العداوة البغضاء إِلى يوم القيامة كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها اللَّهُ ويسعون في الأرض فسادًا واللَّهُ لا يُحبُّ المُفسدين}(3)، وقد أشارت هذه الآية إلى هؤلاء القوم، حيث لا يتركون لحظة من ليل أو نهار إلا ويعملون دون كلل للتخطيط لهذه الحروب والثورات والكوارث الاقتصادية والاجتماعية، تحقيقًا لأهدافهم الشيطانية، ويسعون في الأرض فسادًا، وقد وصفتهم هذه الآية بالإفساد، وهم كذلك، لأن الأمم عندما تحارب فإنما تقوم بذلك لأهداف نبيلة وسامية، كالدفاع عن البلاد في وجه الاحتلال، أو طلبًا للاستقلال والحرية، أما الصهيونية العالمية فهم يسعون، من خلال إشعال الحروب المستمرة على مساحة المعمورة، إلى إشاعة فساد عام في جميع النواحي، على مختلف الأصعدة الأخلاقية والاجتماعية والسياسية والإدارية والقيمية وغيرها. وبدأ تنفيذ المخطط من العراق باعتباره جزءًا من الشرق الأوسط، فقد نال نصيبه من هذا المخطط الشيطاني، عن طريق الحصار الاقتصادي أولًا الذي نتج عنه فساد غير مسبوق في المؤسسات العامة، وخلل في المنظومة الأخلاقية الاجتماعية، وتبعه غزو بربري غير شرعي لهذا البلد، وبه استبيحت جميع المحرمات، وأتي على ما تبقى من قيم سامية في المجتمع العراقي، وهذه إحدى ثمرات هذا الاحتلال الذي تبنّى تقسيم الشعب العراقي إلى طوائف وأقليات متنابذة ومتقاتلة فيما بينها، وهو هدف المخططات الشيطانية لحكومة الظل في العالم، ولتنفيذ هذا المخطط لا بدّ من إزالة العقبات التي لا يمكن أن تقبل بالتماهي مع هذا المخطط لاعتبارات كثيرة، ولهذا تم إسقاط صدام حسين ونظامه، بل تم إعدام الأخير لقطع الطريق نهائيًا على إعادة تدويره، والقضاء بشكل نهائي على من يحاول إعادة العراق واحدًا موحدًا، ولهذا تم إيجاد أدوات تنفيذية من داخل العراق، تم الاتفاق معها لتقوم بالمخطط المرسوم، ولتوصل العراق إلى ما هو عليه الآن من تشرذم وتفتيت للمجتمع وتفتيت لمنظومته المجتمعية وإغراقه في حروب أهلية، تمهيدًا لتقسيم هذا البلد وجعله مسرحًا لحروب الآخرين، وما نراه من مشاحنات ومناوشات، بين القوات الأميركية والميليشيات الإيرانية على أرض العراق، يمكن أن يتصاعد مع الوقت إلى أن يصل إلى درجة الصدام المباشر بين الدولتين، وقد نشهد تدخل أطراف أخرى على خط المواجهة، خصوصًا أن هناك توترًا بالعلاقات بين أطراف عديدة متدخلة عسكريًا وسياسيًا في منطقة الشرق الأوسط، خاصة في سورية التي حوّلوا ثورة شعبها التواق إلى الحرية والكرامة إلى حرب عليه وعلى مستقبل أبنائه، بذريعة الإرهاب الذي صنعوه، وهنا لم يكونوا بحاجة إلى إسقاط الأسد ونظامه، كما أسقطوا صدام وعلي عبد الله صالح ومعمر القذافي وبن علي وحسني مبارك؛ فالأسد سرّ أبيه، وهو خير من قام بدور الأداة الرئيسية في تنفيذ مخططاتهم الشيطانية في تدمير سورية وتشريد شعبها وإفقاره، وتفتيت البنية المجتمعية للسوريين وإحداث تغيير ديموغرافي سيؤدي حتمًا إلى نزاع طويل الأمد، سيدفع ثمنه السوريون ودول الجوار إلى أن تتهيأ الظروف المناسبة لإشعال فتيل الحرب العالمية المنشودة، وهذا هو ما يريده أصحاب مشروع النظام العالمي الجديد. إنّ ما قام به الأسد في سورية والشعب السوري تعجز عنه دول العالم مجتمعة، من حيث تفتيت المجتمع السوري وتدمير البنى التحتية للدولة السورية، خاصة المؤسسة العسكرية التي أصبحت ميليشيات يتبع قسم منها لإيران وقسم آخر لروسيا، وهما الدولتان المحتلتان لسورية، وأسهم الأسد في استجلاب كلّ شذاذ الآفاق من الميليشيات الطائفية التي حرقت البشر والحجر، وارتكبت مجازر فاقت في بشاعتها كل مجازر الغزاة الذين مروا على المنطقة، كما أسهم في جلب القوات الأميركية إلى الأراضي السورية، إضافة إلى العديد من قوات دول التحالف الدولي، كل هذا لا يوازي تصنيعه للإرهاب المتمثل في التنظيمات الراديكالية كـ (داعش) و(النصرة) وأخواتهما، التي زجها في صفوف الثورة بالتعاون مع مشغليه، ومكنته من إعادة السيطرة على أغلب المناطق التي حررها الجيش الحر، هذا بالإضافة إلى دور هذه التنظيمات في إذلال الشعب السوري والتضييق عليه وترهيبه بتُهم أقلها الردة عن الإسلام، وتتكشف يومًا بعد يوم علاقة هذه التنظيمات مع دول عربية وإقليمية ودول عظمى وهذا يؤكد ما نقوله حول تهيئة المنطقة عسكريًا واجتماعيًا واقتصاديًا، لخوض حرب عالمية وتمهيد لإشعال فتيل الحرب المنشودة، وستكون محاربة الإرهاب وداعميه المبررَ الرئيسي المعلن لهذه الحرب، وستشارك فيها دولٌ بهدف قلب المعادلة الدولية المرتكزة على قطبي الصراع الحالي في العالم، وهما الولايات المتحدة الأميركية وروسيا، اللذين ظهرا بُعيد الحرب العالمية الثانية، ومن الواضح أن الصين أول من يسعى لذلك، نتيجة امتلاكها جملة من المقومات التي تؤهلها لتكون دولة عظمى في قادم السنين. 

إن ما جرى ويجري من أحداث عسكرية وأمنية وسياسية في منطقة الشرق الأوسط، بعد أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر عام 2001، واندلاع ثورات الربيع العربي، وسقوط بعض الأنظمة، واندلاع نزاعات مسلحة في كثير من دول المنطقة العربية، خاصة في سورية والعراق واليمن وليبيا، وتدخل القوى العظمى بقِواها العسكرية والسياسية في تلك المنطقة، سيؤدي بالتأكيد إلى الهدف المنشود لحكومة الظل في العالم، وهو اندلاع حرب عالمية ثالثة مدمّرة، فإذا اندلعت هذه المواجهات بين تلك الأطراف، فسيكون الشرق الأوسط مسرحًا لحرب عالمية ثالثة بدأت معالمها تلوح في الأفق، ولا داعي لأن ننكر ذلك أو نتغاضى عن هذا الأمر، لقد حان الوقت لإزالة الغشاء عن أعيننا، والنظر بواقعية أكبر إلى الأمور؛ فنحن لا نسعى إلى نشر الرعب بين الناس أو إفزاع أحد أو التجني على أحد، فمجريات الأمور تدلّ على من خطط لهذه الحرب وعلى أدواته في تنفيذ هذا المخطط وتراتبية الأحداث، على الرغم من الخطوات التنفيذية البطيئة، ودورنا نحن كشف ألاعيب هذه الجماعة التي استطاعت أن تتلاعب بنا، كما أرادت، وهذا بسبب شيء واحد، وهو نظرتنا العمياء لما يجري حولنا، لكن الشيء الوحيد المؤكد أن هذا المخطط سيفشل، لسبب بسيط أن القضاء على مختلف الأجناس بالحرب العالمية الثالثة لن ينجح أبدًا، لكن قد يتسبب في إبادة بعض الأجناس ويعيدها إلى العصور الوسطى، ولن يستطيع أي جهد بشري، مهما تعاظم دوره وإمكاناته، القضاء على الحياة على كوكب الأرض، فزوال البشرية مرتبط بخالقها، ولن يتم ذلك إلا بأمره، وفي ظل ظروف تؤمن بها جميع الديانات السماوية.

(1)- موقع موضوع، “أسباب الحرب العالمية الأولى المباشرة وغير المباشرة” https://mawdoo3.com/

(2)- موقع الجزيرة الوثائقية، الحرب العالمية الثانية.. قصة النار التي اجتاحت العالم ستّ سنين، https://doc.aljazeera.net/

(3)- موقع القرآن الكريم، “تفسير الآية رقم (64) – من سورة المائدة” https://equran.me/tafseer-733-5.html