ترجمة: أحمد عيشة

(*) الآراء الواردة في هذه المادة لا تمثل بالضرورة آراء المركز ولا مواقفه من القضايا المطروحة

تمثل إدانة محكمة ألمانية، الأسبوع الماضي، لأنور رسلان، وهو ضابط مخابرات سوري أشرف على تعذيب وقتل المحتجزين في ذلك البلد خلال الأعوام الأولى من حربه الأهلية، نقطة الذروة في السعي المستمر إلى المساءلة ضد نظام بشار الأسد. ولكن صعوبة تأمين إدانة جرائم الحرب حتى بالنسبة إلى بيروقراطيين من المستوى المتوسط، مثل رسلان، تؤكد أيضًا صعوبة متابعة مساءلة الأسد نفسه. إذا كانت مقاضاة مرتكب جرم منخفض المستوى مثل رسلان فرصةً صعبةً وضئيلةً، فما مدى احتمال تقديم الأسد إلى العدالة بسبب جرائمه؟!

سيدات سوريات (من اليسار: سماء محمود، مريم الحلاق، ياسمين مشعان) يحملن صورًا لأقارب لقوا حتفهم في سورية، قبل النطق بالحكم أمام المحكمة في كوبلنز، ألمانيا، 13 كانون الثاني/ يناير 2022 (صورة مارتن ميسنير/ أسوشيتد برس).

لم تنظر أي محكمة دولية أو سورية في القضية التاريخية، بل نظرت فيها محكمة في مدينة كوبلنز الألمانية، لأسباب متنوعة، تساعد جميعها في تفسير حالة المساءلة المفككة عن جرائم الحرب، سواء في سورية أو في أي مكان آخر.

أحكم الأسد قبضته على السلطة إلى حد كبير، من خلال حملة الأرض المحروقة ضد مواطنيه، وهو الهدف الذي أكده شعار محازبيه: “الأسد أو نحرق البلد”. وقد قصدوا ذلك فعليًا، كما فعل الأسد. وهو يحكم اليوم بلدًا مزقته الحرب، بعدما سيطر عليه باستخدام القوة الوحشية، وعبر مجموعة من مراكز الاستجواب والتعذيب والاحتجاز، في جميع أنحاء البلاد، التي لا تزال سليمة إلى حد كبير.

كان انتصار نظام الأسد سببًا في محو آمال الثورة المبكرة في الخلاص من الطغيان -أو التخلص من تحميل المسؤولية لمرتكبي الجرائم والانتهاكات- وبناء المصالحة في دولة سورية ديمقراطية جديدة شاملة للجميع. وكان اللجوء إلى هيئة دولية بعيد المنال، بالقدر نفسه. وقد جاءت المحكمة الجنائية الدولية والمحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة (محكمة لاهاي المدعومة من الأمم المتحدة التي حاكمت مجرمي الحرب من يوغوسلافيا السابقة، ومنهم الرئيس السابق سلوبودان ميلوسيفيتش) بنتيجة فترة مثالية تلت الحرب الباردة في التسعينيات. في ذلك الوقت، كان أنصار السعي إلى المساءلة يؤمنون بوعد المحاكمات المدعومة دوليًا بالتوصل إلى شيء آخر غير “عدالة المنتصر” التي لا تردع مجرمي الحرب في المستقبل [“عدالة المنتصر” مصطلح ازدرائي يشير إلى محاكمة الطرف المنتصر لأفعال الطرف المهزوم في الصراع. وتتضمن عدالة المنتصر عمومًا عقوبات مفرطة على أفعال الطرف المهزوم، وعقوبات خفيفة على جرائم الطرف المنتصر].

ومع ذلك، لم تلتزم الولايات المتحدة قط بفكرة مثل التزامها هذه المقاربة الدولية في التعامل مع العدالة الانتقالية، التي تتعارض بطبيعتها مع النظام المكيافيلي وسياسة القوة، ولم تلتزم أيضًا القوى الكبرى الأخرى.

من دون مناصرة كافية بين هذه الحكومات القوية لدعم تلك المقاربات، فقدت محاكمات جرائم الحرب الدولية زخمها. وهناك مثال صارخ على ذلك، المحكمة الخاصة للبنان المدعومة من الأمم المتحدة، التي أنشِئت بقصد تقديم قتلة رفيق الحريري (رئيس الوزراء اللبناني السابق) إلى العدالة، حيث تشير الأدلة التي بثتها تلك المحكمة إلى أن الأسد وحلفاءه في حزب الله هم المذنبون. لكن المحكمة عملت، تحت ضغط لا يصدَّق؛ فقد قتِل أحد المحققين الرئيسين، وواجه كثير من الشهود الآخرين ومؤيدي المحكمة وموظفيها تهديدات أو تعرضوا لهجوم. وبعد ستة عشر عامًا، ما يزال قتلة الحريري أحرارًا. وأكثر الأمور إثارةً للاكتئاب هو عدم ظهور أيّ سردية مقبولة بخصوص قتلة الحريري، على الرغم من كل الحقائق والصلات التي ربطتها المحكمة ببعضها البعض وكشفتها.

تعلّم الأسد من تلك التجربة أنه يستطيع أن ينتظر جهود العدالة الدولية حتى تنتهي، وهو يعتقد أنه سينجو من أي مساءلة، سواء كانت محلية أو دولية، ما دام متمسكًا بالسلطة.

ولذلك أتت المحاكمة في كوبلنز. باستخدام مفهوم الولاية القضائية العالمية، حيث يمكن للمتقاضين في ألمانيا رفع دعاوى ضد مجرمي الحرب المزعومين الذين ينظَر إليهم على أنهم انتهكوا القوانين الدولية التي تكون ألمانيا طرفًا فيها. ولأن ألمانيا استقبلت أكثر من مليون سوري مشرد، في أثناء رئاسة أنجيلا ميركل، فقد غدت البلاد موطنًا لكتلة حرجة من الناس القادرين على دعم الملاحقات القضائية ضد جرائم الحرب بشهاداتهم، وهو أمرٌ لا يستطيع المحققون الدوليون الوصول إليه بين السوريين الذين لا يزالون في بلدهم الأصلي. وعلى النقيض من ذلك، فإن المحققين والمحامين والناشطين والشهود السوريين المقيمين في ألمانيا مستعدون وقادرون على جمع الأدلة اللازمة لتقديم القضايا إلى المحكمة. ويمكنهم أن يفعلوا ذلك في أمان نسبي، إذا حصلوا على الجنسية الألمانية، على الرغم من أن السوريين الذين يقاومون النظام حتى في المنفى يخاطرون بأن يتعرض أقاربهم وأصدقاؤهم الذين ما زالوا في سورية، للانتقام.

يعيش كثير من مرتكبي جرائم الحرب في ألمانيا أيضًا، حيث يمكن إلقاء القبض عليهم وتقديمهم إلى العدالة، على الرغم من أن بعضهم -كما يقال- يتمتعون بالحماية من أجهزة الاستخبارات، ويتمكنون من التهرب من المساءلة.

بالنسبة إلى أولئك الذين يحلمون بالعدالة وبمساءلة مجرمي الحرب، فإن إدانة رسلان تشكل خطوة طيبة تلقى الترحيب، ولكنها تكاد تكون ضئيلة نحو المساءلة. وعلى الرغم من انشقاق رسلان عن النظام وانضمامه إلى المعارضة السورية في عام 2012، فإنه مجرمٌ خطير يستحق الحكم عليه بالسجن المؤبد. كما يستحقه كثير من المسؤولين الآخرين عن التعذيب والموت في سورية الأسد. ولكن ما يبعث على القلق أن قلة قليلة فقط من المجرمين المزعومين، وأولئك الذين هم في مستوى رسلان المنخفض نسبيًا، من المرجح أن يواجهوا العدالة، ومن الواضح أنهم لن يواجهوا العدالة، إلا إذا انتهى بهم المطاف في ألمانيا.

في أثناء ذلك، تستمتع القيادة السياسية السورية بالتقارب في العلاقات مع جيرانها ومع المجتمع الدولي، على نطاق أوسع. تمضي الجغرافيا السياسية إلى الأمام، وما دام الأسد في السلطة، فإن كثيرًا من منتقديه السابقين سيجدون دائمًا طرقًا للتعامل معه.

هذا يعادل إلى حد ما المسار في الشرق الأوسط، حيث كانت محاسبة الدكتاتوريين ومجرمي الحرب تاريخيًا غير كافية. حتى الاستثناءات العرضية لم تؤسس لمعايير المساءلة. فقد شنِق صدام حسين بإجراءات موجزة ضمن جوقة من الهتافات الطائفية، في بداية ما كان من المفترض أن يكون سلسلة طويلة من القضايا المصممة لفضح جرائمه المتعددة وخلق وحدة وطنية في العراق، واُعدِم معمر القذافي على أيدي رجال الميليشيات الذين قبضوا عليه مختبئًا في حفرة، وظل باقي طغاة المنطقة الذين أطيح بهم في العقد الماضي يعيشون برخاء، أحيانًا في المنفى، وأحيانًا أخرى في بلادهم، مثل حسني مبارك. ولم يواجه أي منهم محاسبة على جرائمه.

وعلى نطاق أوسع، يظلّ الإفلات من العقاب هو النظام السائد اليوم. تزعم بعض القوى، مثل إسرائيل والولايات المتحدة، أنها تؤمن بالاستقامة الأخلاقية وتنبذ جرائم الحرب، بينما تحمي بشكل منافق قواتها العسكرية من المساءلة، حتى من قبل محاكمها المحلية. وهناك قوى أخرى، مثل روسيا والصين، تعارض صراحة حتى نظرية المساءلة الدولية تمامًا، ويدعون إلى حق الحكومات الوطنية ذات السيادة في أن تفعل ما يحلو لها داخل حدودها أو مناطق نفوذها.

بكلمات أخرى: إن الأحلام التي ظهرت قبل 20 عامًا، عندما حوكم ميلوسيفيتش من قبل محكمة دولية ذات مصداقية، تلاشت تمامًا الآن.

يقدّم الحكم الذي أصدرته محكمة كوبلنز سببًا للرضا الصامت، فقد تحققت العدالة ضد مجرم حرب سوري واحد. وكشفت القضية بعض الحقيقة حول أهوال نظام الأسد وأظهرتها إلى العلن، وكرّمت الخسائر التي تكبدها جميع السوريين الذين تعرّضوا للعنف والقمع من قبل حكومتهم. ولكن الحكم يطرح أيضًا سؤالًا مهمًا عن السبب في عدم وجود سوى القليل من الاهتمام بقضية العدالة العالمية لمجرمي الحرب.

(*) – الآراء الواردة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي المركز

اسم المقالة الأصليA Conviction in Germany Brings Limited Justice for Syrian Victims of Assad
الكاتب*تاناسيس كامبانيس، Thanassis Cambanis
مكان النشر وتاريخهWORLD POLITICS REVIEW، 18 كانون الثاني/ يناير 2022
رابط المقالةhttps://bit.ly/32uXJqR
عدد الكلمات1196
ترجمةوحدة الترجمة/ أحمد عيشة
  • تاناسيس كامبانيس، باحث ومدير برنامج السياسة الدولية في مؤسسة القرن في نيويورك. يدرّس في كلية الشؤون الدولية والعامة بجامعة كولومبيا. من مؤلفاته “كانت ثورة ذات يوم: قصة مصرية”، و”امتياز الموت: داخل فيالق حزب الله”.