تعدّ مسألة تقييد حرية التعبير، لحماية المعتقدات الدينية ومشاعر الآخرين، من القضايا الحقوقية النادرة التي تنقسم حولها آراء المنظمات الحقوقية وحتى الدول الديمقراطية؛ فمن هذه الأخيرة، مَن يدعم حق انتقاد الأديان بوسائل التعبير كافة حتى الرسوم الكاريكاتورية، ومنها من يدعو إلى حظر أشكال التعبير المنتقدة أو المهينة لمعتقدات الآخرين الدينية ومشاعرهم. وفي إطار ذلك، وجهّت منظمات حقوقية انتقادات لاذعة إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، بخصوص قراراته ضد “التشهير بالأديان”، ومنها منظمة (مراسلون بلا حدود) التي أشارت إلى أنّ السلطات، في دول عدّة “تسعى إلى تحويل أي جدل ثقافي واجتماعي، إلى جدل ديني، وهو أسلوب عملي لحظر أيّ رأي نقدي يطال إدارة البلاد، والحؤول دون إشاعة الأفكار حول تطور العادات والتقاليد”[1]، ومن هنا تستغل العديد من الدول الاستبدادية هذا الانقسام، وكذلك بعض النصوص الواردة في الاتفاقيات الدولية التي تحظر الحض على الكراهية الدينية[2]، والرأي الشعبي العام الرافض أي نقد ديني؛ لاستصدار تشريعات تحدّ بشدة من الحق في حرية التعبير، حيث يسهم ذلك في استمرار سيطرتها على مقاليد الحكم، وضبط أي نقاش مجتمعي يمسّ شرعية حكمها وطريقة إدارتها للتنوع الديني والطائفي.

وتمنع العديد من الدول العربية الخوضَ في نقاشات دينية ومجتمعية، كمعالجة قضايا الطائفية، وفصل الدين عن الدولة، أو انتقاد التشريعات الدينية المنتهكة لحقوق الإنسان أو تفسيراتها للشريعة الاسلامية. وتتعدد النصوص التشريعية، وبخاصة في قوانين العقوبات العربية، لمنع الأفعال والدعوات التي تعدّها الدول متعلقة بالكراهية الدينية والطائفية والحضّ على العنف الديني. وفي إطار ذلك، ينصّ قانون العقوبات السوري لعام 1949 في مادته 307 على المعاقبة على “كل عمل وكل كتابة وكل خطاب يقصد منها أو ينتج عنها إثارة النعرات المذهبية أو العنصرية أو الحضّ على النزاع بين الطوائف”. وبمقتضى هذه المادة، تعرّضَ العديد من الكتّاب السوريين للمحاكمة والاعتقال، بدعوى تطرقهم إلى مسألة الطائفية أو علاقة الدين بالدولة، كما في حالة المعتقل السابق ميشيل كيلو الذي سُجن لأسباب سياسية، منها نشره مقالة بعنوان “نعوات سورية”، انتقدَ فيها السلوك الطائفي للنظام السوري. وتتعلق المادة 462، من قانون العقوبات السوري، بالمعاقبة على “تحقير الشعائر الدينية التي تمارس علانية أو الحثّ على الازدراء بإحدى تلك الشعائر”، وتجرّم المادة 463 عرقلة حرية القيام بالشعائر الدينية.

أوردت التشريعات الأردنية بدورها نصوصًا مشابهة لما أدرجته التشريعات السورية، كما في المادة 150 من قانون العقوبات الأردني رقم 16 لعام 1960 التي تُعاقب بالحبس مدة ستة أشهر، إلى ثلاث سنوات، وبغرامة لا تزيد على خمسين دينارًا، على “كل كتابة وكل خطاب أو عمل يقصد منه أو ينتج عنـه إثـارة النعرات المذهبية أو العنصرية أو الحض على النزاع بين الطوائف ومختلف عناصر الأمة”[3]. وتتعلق المادة 278 بمعاقبة مَن ينشر “شيئًا مطبوعًا أو مخطوطًا أو صورة أو رسمًا أو رمزًا، من شأنه أن يؤدي إلى إهانة الشعور الديني لأشخاص آخرين، أو إلى إهانة معتقدهم الديني”، أو من “تفوّه في مكان عام، وعلى مسمع من شخص آخر، بكلمة أو بصوت من شأنه أن يؤدي إلى إهانة الشعور أو المعتقد الديني لذلك الشخص الآخر”. وبمقتضى هاتين المادتين، تعرضَ الكاتب الأردني ناهض حتر للمحاكمة، عقبَ نشره لكاريكاتور ساخر من “داعش”، فسّره البعض على أنّه يمسّ الذات الإلهية، وهذا ما أدى إلى اغتياله قرب قصر العدل الأردني، في أثناء توجهه لحضور أحد جلسات محاكمته[4]. ونصّت المادة 6 من نظام ترخيص وسائل الدعاية والإعلان الأردني، رقم 76 لعام 2007، على حظر أن “تتضمن وسـيلة الدعاية والإعلان ما يمسّ الشعور القومي أو الديني، أو يتنافى مع الآداب العامة والنظام العام”، وكذلك “كل نشر لأفكار تقوم على التفوق العنصري أو الكراهية العنصرية، وكل تحريض على التمييز العنصري ضد أي شخص أو جماعة”. وفي نصٍّ مشابه، أشارت المادة 20 من قانون الإعلام المرئي والمسموع رقم 71 لعام 2002 إلـى “التزام المرخص له بعدم بثّ (أو إعادة بثّ) كل ما من شأنه إثارة النعرات الطائفية والعرقية، أو ما من شأنه الإخلال بالوحدة الوطنية، أو الحضّ على الإرهاب والتفرقة العنصرية أو الدينية، أو الإساءة إلى علاقات المملكة بالدول الأخرى”. ونصّت المادة 23 من قانون الانتخاب رقم 25 لعام 2012 على عدم جواز تضمين الخطابـات والبيانات والإعلانات ووسائل الدعاية الانتخابية أي “إثارة للنعرات الطائفية أو القبلية أو الإقليمية أو الجهوية أو العنصرية بين فئات المواطنين”.

تضمّن قانون العقوبات المصري[5] نصوصًا مشابهة لما أوردناه أعلاه؛ حيث تنصّ المادة 161 على تأثيم الأفعال الآتية: “(أ) طبع أو نشر كتاب مقدّس، في نظر أهل دين من الأديان التي تؤدي شعائرها علنًا، إذا حرّف عمدًا نص هذا الكتاب تحريفًا يغيّر معناه؛ (ب) تقليد احتفال ديني في مكان عمومي أو مجتمع عمومي، بقصد السخرية به أو ليشاهده آخرون”[6]. وقد جاء في المادة 20 من قانون الصحافة رقم 96 لسنة 1996 نصٌّ يوجب التزام الصحفي بالامتناع عن “الانحياز إلى الدعوات العنصرية التي تنطوي على امتهان الأديان أو الدعوة إلى كراهيتها أو الطعن في إيمـان الآخرين، أو ترويج التمييز والاحتقار لأي من طوائف المجتمع”. وتضمّن القانون المصري رقم 340 لسنة 1955 (المتعلق بتنظيم الرقابة على المصنفات الفنية) قيودًا عديدة، حيث حددت المادة الثانية من لائحته التنفيذية أوجه الرقابة على المصنفات عند الترخيص بها، وهي “ألا يتضمن المصنف أو ينطوي على ما يمس قيم المجتمع الدينية والروحية والخلقية والآداب العامة أو النظام العام”. وتنهى هذه اللائحة عن الترخيص للمصنفات التي تحتوي على التعريض بالأديان السماوية[7]. وتضمّنَ قانون المطبوعات المصري منع المنشورات الصادرة في مصر والمثيرة للشهوات أو التي تتعرض للأديان تعرضًا من شأنه تكدير الأمن العام[8]. وقد أدّت تهمة “المساس بالدين الإسلامي وإهانة شعائره” إلى اعتقال طالبين في البحرين، على إثر “التغني بآيات من القرآن الكريم، بمصاحبة الآلات الموسيقية”[9].

تُمثّل العديد من النصوص المذكورة أعلاه، وخاصة منها ما يتعلق بمكافحة الإرهاب وحماية الوحدة الوطنية وحظر الحض على العنف والكراهية الدينية، سيفًا ذا حدين، وذلك وفقًا لتطبيقها من طرف الأجهزة القضائية للأنظمة الحاكمة؛ فهذه التشريعات فضفاضة وتحتمل التأويل، حيث يمكن تبريرها وتطبيقها بما يحمي حقوق الأفراد ويضمن أمنهم، وهي في المقابل تشكّل وسيلة تستخدمها الأنظمة الاستبدادية لانتهاك الحقوق الأساسية للمواطنين، لا سيما المنادين بالإصلاح الديني والتغيير السياسي في المنطقة العربية.


[1] مراسلون بلا حدود، قرار مجلس حقوق الإنسان في التجديف،30  آذار/ مارس 2010 – تحديث 18 كانون الأول/ ديسمبر 2017، متوفر على الرابط : https://rsf.org/ar/news/1601-13

[2] وهو ما يمكن أن يندرج في إطار تطبيق المادة 20 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تنصّ في فقرتها الثانية على أنّ “تحظر بالقانون أي دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية تشكل تحريضًا على التمييز أو العداوة أو العنف”.

[3] كما عاقبت المادة 130 من هذا القانون على إيقاظ النَّعرات العنـصرية أو المذهبية؛ وذلك في زمن الحرب أو عند توقع نشوبها.

[4] BBC News عربي، الأردن: استنكار اغتيال الكاتب اليساري ناهض حتَّر،26  أيلول/ سبتمبر 2016، متوفر على الرابط : http://bbc.in/3mKI9LQ

[5] القانون رقم 58 لسنة 1937 الصادر بعهد الملك فاروق الأول.

[6] انظر المادة 86 والمادة 162 من القانون نفسه.

[7] وتنهى أيضًا عن الدعوات الإلحادية. انظر التقرير الحكومي المصري، لجنة حقوق الإنسان، CCPR/C/EGY/2001/3، الفقرة 493.

[8] المرجع السابق نفسه، الفقرة 494.

[9] فرانس 24، البحرين: اعتقال طالب واثنين من مدرّسيه بتهمة “المساس بالدين الإسلامي”، 11 آذار/ مارس 2015، متوفر على الرابط: http://bit.ly/3avExel