عندما كان يكتب العربي، أو من في حكمه، قبل ظهور وسائل التواصل، إن استطاع إلى ذلك سبيلًا، كان يحسب ألف حساب لأنواع عدة من الرقابة التي سيطرت على البلاد العربية من محيطها إلى خليجها، وعلى العرب في بلاد المهجر، وذلك لفعالية وعنف اليد التي تطالهم أينما ذهبوا وتنال منهم عقابًا، وبناء على ذلك، طوّر كثير من محترفي الكتابة رقابتهم الذاتية، حتى تساعدهم في تلافي الوقوع في المعصية السياسية أو الدينية، وكانت المعصيتان تتحالفان مرات وتتخاصمان مرات، والضحية لتلاقيهما ولخصامهما تكون نفسها دائمًا، وهي حرية التعبير.

صارت المحظورات لا حدود لها، وتعتمد في ترتيبها ومحاولة تحديدها على الخيال الشخصي، حيث لا نصوص واضحة تُورَد تفاصيلها، ويبقى الغموض هو سيد الموقف الإبداعي، وغالبًا ما يعتمد عليه المستبدون السياسيون والدينيون، كي تكون احتمالات التصرف لديهم مفتوحة. وكما يكرر الكثير من الأصدقاء والزملاء المتمتعون بالإقامة في كنف سلطات عربية مستبدة، فالحلم لم يعد بزوال الخطوط الحمر فحسب، بل صار اليوم في تحديد هذه الخطوط الحمر، لتجنّب الوقوع في رجسها. بالمقابل، يستمتع الحاكم بأمره عمومًا، أو مضيفًا له أمر الله خصوصًا، في أن يترك الاحتمالات على عواهنها مفتوحة ليُرضي ذاته المنتقمة من كل خروج عن النص، أو عن المقدس الذي يضع له قواعده وتعاريفه، دونما حاجة إلى عرضها على “الرعاع” الذين تُطبّق فيهم حدود العقاب التي يرتئيها.

ويصدف أحيانًا أن يكون الحاكم المستبد “عادلًا” كما يتغنى بذلك كثيرون ممن لم يذوقوا طعم الحرية، ولهم منظروهم في الفكر الحديث، فيبدو أنه متسامح بعض الشيء في الكتابات التي تتناول الشأن العام من دون أن تمسّه ولو كانت ريحًا منعشة مدغدغة. لكنه في الوقت نفسه، يُظهر تسامحًا مع السلطة الدينية، على مختلف عباداتها، في مراقبتها للتعبير إن مسّ ما تعتبره هي أو “رجالاتها” مقدسًا، وهنا تتوسّع المروحة لتلائم الحاكم المستبد الذي سيختبئ خلفها، مدّعيًا أنه يستجيب إلى نداء “الإيمان” في رقابته وقمعه. وكم تسوء الحال وهي على هذا المنوال من تحالف قائم على تبادل المنافع بين الاستبداد السياسي والاستبداد الديني.

وتسوء الحال أكثر، أو تفسد وتخرج روائحها العفنة إلى سطح الأرض، حينما يتصدى المستبد السياسي للمستبد الديني، مدّعيًا الدفاع عن حرية التعبير، وهو لها كالسمّ الزعاف، فيضرب المستبد، وهو من هواة أو محترفي الضرب، عصفورين بحجر، فيُلقي بالرقيب الديني على رقاب المعبّرين عن رأيهم، ثم ينقضّ على الرقيب بحجة الدفاع عن حرية التعبير، بعد أن يتأكد من القضاء على الكاتب الحرّ المزعج أو -في أدنى الحلول- من إسكاته إلى أمد لا بأس به، وقابل للتجديد بوسائل متنوعة.

وحينما يجد الكاتب منفذًا للهروب بعيدًا عن أرض المنع والقمع، حيث لا رقيب بلبوس الدين، ولا مستبد رقيبًا، وهو يظن -وإنّ بعد الظن خيبة- بأنه قد تحرر من سلاسل الرقابة التي ما فتئت تخنقه وتمنعه من التعبير، أو تعقّم مصطلحاته، سيقع بين أيدي رقيب من نوع جديد، وهو من يسمح له أو يحرمه من الكتابة عبر إمساكه بالمال. وهذا رقيبٌ “رأسمالي”، مهما ادعى قربًا من الحرية، تمنعه قاعدة “مركانتيلية” من ممارسه “حقه” في الحفاظ على أمواله وانتقاء مطارح صرفها. والرقابة الأشد بؤسًا هي التي سيعاني منها هذا الكاتب الذي يُحلّ في سماوات الحرية بحثًا عن مهبط طري سموح ومرحب، هي رقابة من يلوذ بهم من قراء منتخبين، وهم الأصدقاء ممن يمارسون مثله مهنة الكتابة والتفكير، أو بالأحرى، التفكير ثم الكتابة.

لقد بيّنت التجارب الأخيرة، التي وجدت في وسائل التواصل الاجتماعي تربتها الخصبة، أن الرقيب الصديق هو أشد مضاضة أحيانًا من الرقيب المستبد. وعلى الرغم من أن رقيب الاستبداد عنيف ومؤذي بأشكال متنوعة، فإيذاء الرقيب الصديق يكون أكثر ألمًا.

فبمجرد أن تنشر نصًا سيتلقفك “الأصدقاء” كطريدة سمينة وقعت في مصيدة محكمة الإغلاق، فالمحاكمة جاهزة، ولا تعبير من خلالها البتة عن وجود أي خلاف في الرأي أو في التقييم أو في التحليل، فهي من الأمور الطبيعية والمحتومة، التي من دونها يضمحل المشهد النقدي أدبيًا أو سياسيًا، المحكمة تلك ستتوقف مليًّا أمام نصك، لتقول لك بالفم الملآن، إن صاحبها أو أصحابها، إن تكاثروا بفعل الموضة، مصدومون بأنك أنت من يكتب ما كتبت، أو إن صاحبها أو أصحابها كانوا مخدوعين بمواقفك وقد جئت لتفسّر المفسّر وتفضح حقيقة تفكيرك بجلاء، أو إنه يعيب على من في مستواك العلمي أو البحثي أو الأدبي أو الفكري أو الفني أن يصل إلى هذا القاع من التسطيح أو الخفة أو السذاجة، أو إنهم لم يكونوا يتوقعون ما قرأوه منك بالذات.

في كل ما تقدم، وربما هي أمثلة مبالغ بها نسبيًا، لن ترد أي عبارة تشير إلى موضوعك أو إلى نصك أو إلى تحليلك أو إلى فكرك، اندهاش واستغراب واستفعال فحسب، وأنت تسعى بسذاجة حقيقة هذه المرة لتفهم العمق النقدي لما أفادوك به مباشرة أو عن طريق الهمز واللمز، فقد سبرت عمق تفكير المستبد السياسي أو الديني، وتفاعلت مع رقابة صاحب العمل، غير أنك ستبقى عاجزًا أمام رقابة “الصديق” حتى يخلق الله ما لا تعلمون.