يُعرَّف التجريد، منطقيًا وفلسفيًا، بأنه رفع صفات معينة، يفترض أنها جوهرية، لشخص أو لحالة، وجمع تلك الصفات في مفهوم متعال، أو حالة عامة؛ حيث نجمع -مثلًا- كلمات كـ زيد وزينب ونجوى وميشيل وإشعيا في مفهوم واحد، هو مفهوم “إنسان”، ومن ثم نعمّم المفهوم على كلّ شخص نراه أو لا نراه؛ فيصبح المفهوم المجرّد “الإنسان” مفهومًا فارغًا لا يُعبّر عن شخص محدد، ولكنه مفهوم ممتلئ في الوقت ذاته، حيث يعبّر عن جميع البشر.

إلا أن ارتباط التجريد بثقافة الخوف، ثقافة التسلّط والاستبداد، حوّله إلى آلية عقلية للهرب من الواقع نحو المتعالي، وبات ثقافة مجتمعية في سورية تقوم على إخفاء الواقع وتحييده وترميزه وعدم الحديث المباشر عنه، بل أصبح التجريد أحد أهمّ مزايا ثقافة الخوف، إذ يمكننا أن نحوّل من خلاله أبسط الأمور الشخصية إلى مجردات متعالية، ونتحدث بعمومية فارغة، حتى عندما نقصد أشياء فردية وعينية نعيشها ونلمسها. وبهذا المعنى، كان التجريد، وما يزال، من أهم الآليات الثقافية السورية “والعربية” التي انبنت وترسخت في ظل الاستبداد، تلك الثقافة التي بدأت مسار تحوّلها الطويل نحو التعيين والشخصنة، منذ عام 2011.

قبل الثورة، لم يكن من السهل أن تعرف الرأي الحقيقي لأي سوريّ حول أيّ قضية، مهما كانت صغيرة، لأنه سيجيب بحسب المُتوقع منه أن يجيب لا كما يراه، بحسب ما يجب أن تكون عليه الأمور لا كما يعاينها فرديًا، بحسب المعيار العام لا بحسب تجربته الخاصة (والمعيار العام تضعه دائمًا سلطة سياسية/ دينية/ اجتماعية). كلُّ تعبير عن المشاعر والأفكار هو خطرٌ قد يجلب المساءلة والمواجهة، أو خطأ و”خطيئة” قد تجلب السخرية والإهانة. يختفي الأفراد خلف الألقاب وخلف الأنماط والقوالب الفارغة، ويصبح كل حديث عن الذات مجاهدة لحشرها ضمن قوالب مقبولة من قبل الآخرين، ومن قبل السلطة، المجرّدة بدورها، وكل حديث عن السلطة هو حديث مرمّز وغائم والتفافي ومرهق، تملؤه الإشارات والعموميات التي لا تشير بالمحصلة إلى أحد، بل إلى كيان أعلى لا يمكن تحديده، على بساطته ووضوحه للجميع. يتحدث الناس داخل سورية، اليوم، عن “المسؤولين الفاسدين” أو عن “الحكومة” أو “الأزمة” أو “تجّار الدم”، قوالب فارغة لا تبرز إلا القهر بوصفه قهرًا مضاعفًا، قهرًا سيكولوجيًا للأفراد، فوق كونه قهرًا فيزيائيًا للأجساد.

ولكيلا نبقى في “المجرد”، نضرب هنا أمثلة أكثر تحديدًا وشيوعًا، نبدؤها من حياة الناس “العاديين” وصولًا إلى مجتمع “النخبة”. بمجرد أن يبلغ الرجل سنّ الرجولة، وأحيانًا قبل أن يتزوج، يُصبح اسمه أبو فلان؛ وهذا نوع من إعلاء قيمة المُسمَّى، وتحويل مخاطبته من شخص معيّن إلى شخص مجرد، ثم يُنسى تمامًا اسم زوجته لتصبح أم فلان أو زوجة فلان، وغالبًا عندما يُسأل شخص ما عن زوجته، يكون السؤال: “كيف هي عائلتك” أو “كيف هم أهل بيتك”، وفي الحالتين يُقصد الزوجة. أما الأمّ، فنادرًا ما تعلم ما هو اسم أم صديقك مثلًا، الجميع يتحفظ والجميع يخجل والجميع يحاول تورية اسم أمه، يتم تحويل الأم من شخص وكيان متحرك، إلى كائن مجرد، وبهذا النوع من التورية والتحييد والترميز والتعالي، يصبح تحريم وصف الأشياء بتعيّناتها ثقافةً اجتماعيةً، ومن ثمّ يصبح التقديس والسريّة والغموض وإخفاء المشاعر أشبه بالعقد الاجتماعي، على تغييب الواقع وصناعة واقع موازٍ لا شيء منطوقًا فيه يعبّر عمّا يراد النطق عنه.

كذلك الأمرُ في حياة النخبة، حيث تتحول النخب السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية في بلادنا إلى مصانع لإنتاج المتعالي، ومسارح للعب الأدوار، وأدوات لإنتاج الرموز والمقدسات والمجردات، من دون أن تعني بالضرورة شيئًا ممّا تقوله، بل إنها غالبًا تعني عكس ما تقوله، فيتحدث الرئيس عن الوطن والجيش الوطني، من دون أن يجد أحدٌ ذلك الوطن خارج حدود الرئيس وعائلته ومخابراته، ودون أن يميّز أحد خدمة الجيش عن المقبرة. ويتحدث الشاعر عن الحب والحرية بالمجردات، ليظهر فيما بعد أنه هو ذاته تزوّج من ابنة عمّه، بعد عجزه عن تقبّل أن لحبيبته حبيبًا سابقًا، فعاد للبحث عن امرأةٍ “ما باس تمّها غير إمها”، وهكذا يتحدث السياسي المعارض بالمجردات عن فشل المعارضة التي هو ذاته أحد أسباب فشلها، ويتحدّث الشيخ عن الدين والله والإسلام، ليحول نفسه إلى ناطق إعلامي ثم سياسي باسمهم، بينما يكون في الواقع مجرد عميل رخيص لأتباعهم.. إلخ، وهكذا تجدنا نحلّق جميعًا في فضاء من اللاتعيّن، بيمنا يمكن ببساطة لأي كان أن يلاحظ الفارق الهائل بين ما يُقال وما يلمسه ويعاينه في الواقع، ويصبح كل ما يقال نوعًا من التكاذب المتبادل، ويصبح التكاذب ذاته معيارًا عامًا تُقاس على أساسه الأشياء والقضايا المتنوعة.

إنّ ظاهرة انعدام الثقة بين السوريين ترتبط بظاهرةٍ أخرى، أسميتها سابقًا ظاهرة “الفرديات المنحطة” المتناكفة والقائمة على عدم الاعتراف المتبادل والتقليل من قيمة الآخر أيًا يكن، وكلتا الظاهرتين يمكن تفسيرهما بناء على انعدام ثقة أصيل ومتأصل لدى السوريين بالكلام، فقد تعلمّوا تاريخيًا أن هناك دائمًا نيّات مخفية خلف كلام المتحدث لا يمكن استنتاجها مما يقوله، تربّوا على أجمل الخطب الوطنية، مع إدراكهم العميق بأن تلك الخطب الرنانة لم تكن إلا عكس الحقيقة وإخفاء للواقع، وتعلموا التظاهر بتصديق الانتصارات الإلهية والخلّبية والتحريرية لجيش الوطن، بالرغم من معرفتهم العميقة بطائفية الجيش وعقائديته، وللهزيمة الشاملة لأنظمتهم أمام أعدائهم، بكلام آخر: لقد شربوا عادة الكلام المجرد والمتعالي، الأجوف والفارغ، حتى التخمة، ولم يعد لديهم ثقة بكل من يُتحدث به، وإن كان صادقًا. ولذلك لم يعد أحد يثق فعليًا بأحد. ذلك هو المناخ العدمي للفرديات المنحطّة، الفرديات التي لا تقوم إحداها إلا على تحطيم الآخر. الفرديات التي تزايد على بعضها في كل شيء بنوع من التطهّر والتعالي وفصل الآخر عمّا يقوله. وهذا عقد اجتماعي موروث عن زمن حافظ الأسد، فلأن السلطة كاذبة، فهي تفترض مسبقًا أن الجميع يكذب، والجميع متّهم حتى يُثبت ولاءه، والجميع خائن حتى يثبت وطنيته، لكنه لن يتمكن من إثباتها، لأنه حتى لو فعل فهو يفعل ذلك لمصلحة ومنفعة قد تتغير مستقبلًا، ولذلك لا يمكن الإيمان بما يقوله، لأن ما يقوله؛ مرة أخرى، لا يعبّر عما يدور في داخله. ومن هنا كان التعذيب، على سبيل المثال، آلية استنطاق لا متناهية للمعتقل، وآلية حفر في الجسد بحثًا عمّا تخفيه النفس، وهو عملية لا تنتهي إلا باعترافه، لا بالحقيقة، بل بما تريد أن تسمعه السلطة.

ربّما كان مناسبًا وضروريًا أن ننهي بتوضيح فلسفي أخير حول مسألتي المجرّد والمتعالي، ولا سيما من مشتغل في حقل الفلسفة التي يعدّها كثيرون حقلًا للمجرّدات والأفكار المجرّدة: عمليًا وتاريخيًا، عاش الإنسان دهورًا حتى وصل إلى المجرّد وأنتج المتعالي، لكنه ما لبث أن أصبح عبدًا لذلك المجرد المتعالي الذي أنتجه، وبات التحرر من المتعالي بمنزلة الشرط الشارط لأي صيرورة تحرّر. الله، الحرية، الحب، الإنسان، الوطن، الهوية، الخير والجمال.. إلخ، جميعها باتت متعاليات مفهومية (يتغنى بها أمثال المفكر المغربي فتحي المسكيني)، تجريدات ومعايير فارغة وعامة، وسائل لإنتاج وإعادة إنتاج الاستبداد وثقافة الاستبداد، ومحركات داخلية لثقافة الخوف، وبات الخروج من تلك العوالم يقوم على الخروج عليها، نقدها، والعمل على إنتاج ثقافة ضدّية تقابلها وتخترقها، وذلك لاستعادة قيمة المعيّن والمشخص والتجارب الفردية والتنوع الهائل الذي تختزنه الحياة، حياتنا على هذه الأرض التي لا تستحق الحياة وحدها، بل لا بد من العمل للفوز باستحقاقها.